حلف رباعي مشبوه لتقسيم العراق قبل الانسحاب الامريكي
هارون محمد


لم يعد سرا ان المرجعية السياسية الثانية للتنظيمات والمليشيات الشيعية الطائفية والاحزاب الكردية الانفصالية في العراق بعد مرجعية البيت الابيض الامريكي، هي ايران التي باتت توجه وتصدر الاوامر والتعليمات الى قادة تلك التنظيمات والاحزاب لتنفيذ أجندتها وأهدافها في تهميش عروبة العراق وفصمه عن حاضنته العربية وتقسيمه الى كانتونات طائفية وعرقية هزيلة، تمّكن دولة الولي الفقيه من التحكم باجزاء واسعة من البلاد في الشمال والجنوب، وهو ما سعت اليه منذ سنوات حكم الشاه البهلوي مرورا بمرحلة خميني وانتهاء بفترة خامنئي الحالية.

ومن لاحظ الصور التي بثتها التلفزة الايرانية عن مقابلة جلال طالباني رئيس الجمهورية الثاني في عهد الاحتلال الامريكي، للمرجع الايراني آية الله علي خامنئي في طهران الاسبوع الماضي، لا بد ولاحظ كيف كان يجلس أمامه بجثته الضخمة مثل تلميذ مستجد في حوزة ملا محترف، وقد أظهرت الصور وهي لا تكذب بالتأكيد، كيف كان خامنئي يتحدث بطريقته الملائية وجلال يهز رأسه موافقا؟ حتى خيل للناظر ان المشهد لا يجمع رئيسا لدولة يزور دولة اخرى ويقابل مسؤولا أعلى فيها وما يتطلبه من تقاليد دبلوماسية مألوفة ومتعارف عليها، وانما مشهد قاعة في حسينية جلس فيها معمم يخطب ويعظ، وفي قبالته انكمش رئيسا العراق وايران في جلسة توحي بانهما من طلاب الحاجات، وقد نتفهم وضع الرئيس نجاد لانه جزء من النظام القائم في ايران، ولكن ما دخل طالباني في هذه السياقات الغريبة على العلاقات الدولية وهو الذي يصف نفسه بالماركسي والعلماني تارة، والقومي الكردي والعصري والحداثوي تارات اخرى، الا اذا كانت هناك استحقاقات ايرانية عليه توجب الالتزام بها، وهذه هي الحقيقة رغم ما تحمله من مرارات واوجاع يتحملها العراقيون بصبر وجلد.

وعندما يتحدث طالباني امام اجتماع للاشتراكية الدولية عقد في جنيف نهاية الشهر الماضي ويتهم دولا عربية بغزو العراق، ويقفز كطائرة شبح امريكية على الدولة الغازية التي تحتل العراق علنا وجهارا منذ التاسع من نيسان (ابريل) 2003 ، ويتستر على الغزو الايراني الظاهر في العديد من المناطق والمحافظات العراقية حتى وصل الامر بالايرانيين ومواليهم واتباعهم المنتشرين في بصرة عتبة بن غزوان الى الاحتفال بفوز المنتخب الايراني بكرة القدم على نظيره العراقي، واطلاق النار في أرجاء هذه المدينة العربية ابتهاجا، واستفزازا لمشاعر العراقيين، فانه يكشف واحدة من حلقات تآمره على وحدة العراق وسيادته، ويفضح وهو الذي لا يستحي كما هو معروف عنه، ما يختزنه في اعماقه من كراهية وأحقاد على العروبة والعرب، خصوصا عندما يقول: ان الارهابيين العرب استغلوا تراخي الحكومات العربية المعارضة لقيام نظام ديمقراطي في العراق وغزوا العراق، رغم ان الوقائع والاحداث الميدانية والبيانات من المصادر الامريكية أثبتت ان المجاهدين العرب لا يمثلون غير ثلاثة في المئة من المقاومة العراقية، واكدت ايضا ان الحكومات العربية التي يتهمها بالتراخي أزاءهم ومعاداة نظامه (الديمقراطي) تقف بصرامة وشدة ضدهم وبعض هذه الحكومات اعتقلت اعدادا من مواطنيها بالشبهة وعلى النوايا ليس الا ، وجلال يعرف كل هذا وأكثر، ولكنه يتكلم بلسان امريكي ونبرة ايرانية محاولا بعناده المشهود صرف النظر عن الغزو الامريكي ونظيره الايراني.

ان المعلومات المؤكدة في العراق تشير الى ان طبخة امريكية ايرانية بدأ التحضير لها منذ اسابيع أولى صورها، الحلف الذي قام بين حزبي الدعوة برئاسة نوري المالكي والمجلس الاعلى بقيادة عبد العزيز طباطبائي، فيما الاستعدادات جارية لانضمام حزبي طالباني وبارزاني اليه ليكون حلفا رباعيا، يتولى الحفاظ على ديمقراطية القتل واللصوصية والخراب التي جاء بها مارينز بوش، وساهم قادة هذه الاحزاب الاربعة فيها، بواجبات الدلالة الجاسوسية والاختلاسات المليارية، والثأر من الدولة العراقية، والانتقام من الامة العربية، وقد اضاف الرئيس الامريكي مهمة جديدة لهذا الحلف في خطابه الاخير وهي: استلهام ديمقراطية اسرائيل في تجربته الرائدة المقبلة، وهذا يعني ان الحلف الذي يتصدر قادته السلطة القائمة في العراق الان، سيجمعون في منهج حكمهم لاحقا، ولاية الفقيه الصفوية، التي يتبعها حزبا المجلس الاعلى والدعوة، الاول علنا والثاني تقية،وهي تستهدف منذ سنوات اقتطاع اجزاء من العراق والحاقها بايران، والتجربة الاسرائيلية التي قامت اصلا على اغتصاب ارض عربية وتشريد شعب وانشاء كيان بالقوة والاكراه.

وواضح ان الاحزاب الاربعة التي تعادي في خطابها وبرامجها، العرب في العراق والمنطقة، قد تلقت نصائح من اطراف ودوائرعدة ، امريكية وصهيونية وايرانية لتكوين حلف يجمعها تحسبا لما يحمله المستقبل القريب من تحديات مقبلة لها، بعد ان اتضح وبعد واحد وخمسين شهرا من الاحتلال البغيض ان عرب العراق عصيون على الاحتواء الامريكي والايراني لهم، وما زالوا رغم القتل اليومي والدمار اللذين يتعرضان لهما، قادرين على الصمود والمقاومة ، أذهل الادارة الامريكية وصناع القرار فيها الذين راحوا يعدون الخطط ، الواحدة تلو الاخرى بلا جدوى، وافزع الرأي العام الامريكي والكونغرس جراء الخسارات البشرية والتسليحية والمالية التي تتكبدها القوات الامريكية في العراق، وواضح ايضا ان قادة الحلف الرباعي عرفوا ان الاحواء السائدة في امريكا حاليا، هي احواء انسحاب قد تفضي في اية لحظة الى اجراءات تنفيذية، لذلك فان الاحزاب الاربعة وحسب المعلومات المتداولة في الاوساط العراقية، تريد استباق الانسحاب الامريكي المجدول او الفجائي لتنفيذ سلسلة من الترتيبات السريعة ابرزها : قبول الحزبين الشيعيين بالحاق كركوك بما يسمى اقليم كردستان في شمال العراق، وموافقة الحزبين الكرديين ودعمهما لانشاء اقليم شيعي في الجنوب العراقي، وقد ترافق مع الاستعدادات لتشكيل الحلف المشبوه حدثان ملفتان، الاول: احالة مناقصة انشاء اربعة مصاف للنفط في البصرة والعمارة والناصرية والنجف الى وزارة النفط الايرانية بكلفة تتجاوز ملياري دولار، علما بان ايران ليست من الدول ذات الخبرة والتجربة في بناء مصافي النفط وما تزال تعتمد على خبراء روس وصينيين وهنود في ادارة مصافيها، على عكس العراق الذي يزخر بالكفاءات وسبق لمهندسيه وفنييه ان بنوا عشرات المصافي في داخل العراق وخارجه، والحدث الثاني هو دعوة الادارة المحلية في اربيل لشركات النفط العالمية لتقديم عروض لاستغلال اربعين بئرا نفطيا كانت أجهزة وزارة النفط في العهد السابق قد حفرتها وهيأت مستلزمات الانتاج منها غير ان ظروف الحرب الايرانية والحصار الجائر على العراق منعا استثمارها.

ان الشهور الستة المقبلة عصيبة وحاسمة في تاريخ العراق حيث بدت ملامح المشاريع الامريكية والايرانية والصهيونية التي تستهدف تقسيم العراق وتفتيته تفصح عن نفسها اليوم اكثر من اي وقت مضى، وثمة مراكز بحث ودراسات في واشنطن وتل ابيب تنشط سياسيا واعلاميا في ترويج مخططات التقسيم باعتبارها خيارا وحيدا لمستقبل العراق، وثمة دراسة يجري تداولها على نطاق محدود يعتقد ان بول وولفوتز نائب وزير الدفاع السابق واحد مهندسي الحرب على العراق قد وضعها في وقت سابق تقول في محصلتها، ان تأمين المصالح الامريكية في العراق مستقبلا يتم عبر تحالف واشنطن مع الاكراد والشيعة وعزل السنة العرب، وتستند الدراسة في تقييمها المفتعل الى ان لا خوف من الاكراد والشيعة لان معاركهما مع الاخرين عبر التاريخ كان خاسرة، بينما تشير الدراسة المريبة الى ان السنة العرب انقلابيو النزعة ولديهم القوة العسكرية والخبرات في الادارة والسلطة والعمق العربي، ولا يمكن الركون اليهم، وتزامنت هذه الترويجات مع اقدام ايران على انشاء عشرات المعسكرات القريبة من الحدود العراقية لتدريب وتسليح المليشيات وفرق الموت ودفعها الى العراق انتظارا ليوم الحسم واعلان الاقليم الشيعي.

الامريكان بدأوا يتداولون موضوع الانسحاب كحقيقة لا بد من التعاطي معها، وتصريحات الديمقراطيين الاخيرة تؤكد انهم يستعدون لطرحه على التصويت في الكونغرس مجددا، وانظم اليهم مؤخرا عدد من الجمهوريين البارزين، والرئيس بوش تأكد بالملموس ان النصر الذي حلم به في العراق صار مستحيلا، الامر الذي دفع ايران المتربصة بالعراق الى استغلال التورط الامريكي وتشجيع اتباعها واحزابها والمرتبطين بها الى الاسراع بتشكيل حلفهم الرباعي وفي اعتقادها انه قادر على ملء الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الامريكي، دون ان تضع في حساباتها ان المقاومة العراقية التي يقودها السنة العرب سوف لن تتوقف الا بجلاء آخر جندي امريكي او عميل ايراني عن ارض العراق، والمعركة مستمرة.. ومنصورة يا بغداد