العراق: أجندة امريكية ايرانية مشتركة
هارون
محمد
صار واضحا ان الثارات
الايرانية من عروبة العراق ورموزه وقواه الوطنية والقومية وقيادات جيشه وقواته
المسلحة لا تتوقف عند حد او عدد، فلم تكتف باغتيال الالاف من الضباط والطيارين
والعلماء والاكاديميين والخبراء ومهندسي التصنيع العسكري والمبدعين مشاركة مع
الموساد والاجهزة المعادية للعراق، وانما امتدت الي الاسري والمعتقلين الذين يرزحون
في السجون والمحاجر التابعة لقوات الاحتلال في العراق، كل ذلك يجري بتنسيق بين
الايرانيين الطامعين والامريكان المحتلين، وبات معروفا ايضا ان من يقوم بدور
الوساطة والتنسيق بين الجانبين هم قادة الاحزاب الكردية الانفصالية، ومسؤولو
التنظيمات والمليشيات الشيعية الطائفية.
وعندما نقول ان هناك مشتركات تجمع بين الامريكان والايرانيين في العراق، فاننا
ننطلق من جملة حقائق ووقائع علي الارض حدثت علي مدي السنوات الاربع المنصرمة، وابرز
هذه المشتركات لا يتمثل فقط في التعاون علي تفكيك الدولة العراقية ونهب ثرواتها
ومواردها، والاجهاز علي بناها ومؤسساتها الوطنية وفي مقدمها الجيش العراقي، وانما
قيام الادارة الامريكية بتهيئة الاجواء ومساعدة موالي واتباع ايران علي احتلال
السلطة وتبوؤالمواقع الاساسية في الحكومات والوزارات وادارة الكثير من المحافظات
وقوات الجيش والشرطة والامن، بل ان البنتاغون والسي اي ايه وبريمر ونغروبونتي
وزلماي سهلوا لعملاء ايرانيين مفضوحين سياسيا وتأريخيا بالانخراط في ما يسمي
بالعملية السياسية ويصبحون رؤساء ووزراء ونواب وسفراء ومدراء ومستشارين وقادة وحدات
وفرق واجهزة عسكرية وامنية، ولا تصدقوا ما يردده الرسميون الامريكيون بتكرار ممل
بانهم لن يسمحوا لايران بالتدخل في العراق، لان هذا التدخل وصل الي مستويات خطيرة
خلال الاعوام الاربعة الماضية، ومن السخف تصديق ادعاءات وتصريحات واشنطن بهذا
الصدد، خصوصا بعد ان اضفي البيت الابيض شرعية علي التدخلات الايرانية في العراق،
والا ما معني ان يجتمع وفدان امريكي وايراني في بغداد ويبحثا في الشأن العراقي؟
لقد بات واضحا ان الايرانيين نجحوا في استغلال التورط الامريكي في العراق لصالح
اجندتهم واهدافهم التي نفذوا جوانب منها والبقية تأتي تباعا، فعمليات الاغتيال
الواسعة التي نفذها الايرانيون وعملاؤهم ضد الضباط والطيارين ومهندسي وفنيي التصنيع
العسكري جرت بتشجيع امريكي عندما سرح بريمر الجيش العراقي والغي وحداته ومؤسساته،
وحرم الالاف من مصادر ارزاقهم، الامر الذي أجبر الكثير منهم علي الاشتغال في اعمال
ومهن لاعالة عوائلهم، ولكنها كشفت شخصياتهم، وآخر ضحية علي هذا الطريق العقيد
الطيار سالم النداوي الذي اغتيل في شارع الرشيد ببغداد مطلع الشهر الحالي، حيث
يشارك احد اقاربه في ادارة محل لبيع اطارات وبطاريات السيارات، والمثير في الامر ان
القتلة تركوا ورقة في سيارته التي قتلوه فيها ولم يسرقوها عبارة (هذا جزاء من ضرب
جزيرة خرج) والمثير أكثر ان فريق الشرطة الذي جاء بعد فوات الاوان كالعادة، حرص علي
أخذ الورقة من اسرة المغدور، والاحتفاظ بها بدعوي ضمها الي ملف التحقيق الذي سجل ضد
مجهول، وبالطبع فان المعلومات عن هذا الشهيد استلت من وزارة الدفاع التي يسرح ويمرح
بها ضباط منحوا رتب فرقاء وألوية وعمداء وأغلبهم من البيش ميركة وفيلق بدر، والوزير
قدوري خيال مآته لا يحل ولا يربط.
ان الحكم باعدام الفريق سلطان هاشم الطائي ورفيقه في السلاح الفريق حسين رشيد
التكريتي الاحد الماضي هو مطلب ايراني واسرائيلي مشترك، فاتباع ايران في محكمة
الانفال سربوا معلومات قبل شهور بان رأس سلطان لن يفلت من الشنق، وترافق ذلك مع
تلميحات وتعليقات صهيونية مفتعلة حشرت أسمي الاثنين في عمليات اطلاق الصواريخ
العراقية علي اسرائيل مطلع عام 1991 خلال حرب عاصفة الصحراء علي اعتبار انهما كانا
يشغلان موقعين قياديين في الجيش العراقي حينذاك، الامر الذي يؤكد ان اسرائيل تشارك
ايران في الرغبة باعدام الفريق سلطان ورفيقه الفريق رشيد، يضاف الي ذلك ان قادة
الاحزاب الكردية والتنظيمات الشيعية الطائفية، يدعون ليس لاعدامهما فقط، بل يطالبون
بمحاكمة واعدام اربعمئة وثلاثة وعشرين ضابطا ومسؤولا آخرين غيابيا، كما جاء في
تصريحات لاحقة للمدعي العام في المحكمة جعفر موسوي، وهذا يوضح حجم حقد الايرانيين
علي الجيش العراقي، وسعيهم المحموم لتصفية رموزه وقياداته، انتقاما منه لدوره
المشرف في اجبار قادة ايران علي تجرع السم، والرضوخ للنصر العراقي المؤزرمنتصف
العام 1988.
ان اعدام سلطان هاشم هو عملية ثأرية سياسية، باعتباره كان أرفع ضابط عراقي علي قمة
المؤسسة العسكرية حتي الاحتلال، ولانه صاحب أدوار تاريخية في حرب ايران 1980 ـ 1988
وعاصفة الصحراء 1991 والغزو الامريكي 2003 وفيها أثبت هذا الجندي الشجاع مقدرة
عالية في الدفاع عن العراق والذود عن سيادته، الي جانب رفاقه في السلاح من الضباط
والجنود والمراتب في القوات المسلحة العراقية، ومن تابع جلسات محاكمته لا بد ولاحظ
ان الرجل كان خلال عمليات الانفال في غاية الانضباط والحرص الوطنيين في أداء مهماته
العسكرية، ولم تصدر منه تصرفات مخلة بالقانون والاخلاق، وثبت انه أقدم علي اجراءات
انسانية عندما أمر بنقل أعداد كبيرة من القرويين الاكراد، من مناطق التماس وجبهات
القتال الي مناطق آمنة ووفر لهم ملاذا بعيدا عن نيران الحرب، وهذا كله موثق في
سجلات وزارة الدفاع ورئاسة اركان الجيش، ورغم الحاح الفريق سلطان علي المحكمة
باهمية جلب تلك السجلات والاطلاع عليها، الا ان المحكمة التي تضم في تشكيلاتها
مزدوجي العمل والولاء للامريكان والايرانيين، رفضت ذلك لان رئيسها وأعضاءها يدركون
جيدا ان كشف تلك السجلات يشكل فضيحة للايرانيين الذين احتلوا عدة قري ورواقم وقصبات
ومخافر حدودية بدلالة ومعاونة عملائهم قادة البيش ميركة الذين اعترفوا في بياناتهم
عند بدء عملية الانفال الاولي في نهاية شباط (فبراير) 1988 ان قواتهم قتلت الالاف
من الجنود العراقيين ودمرت عشرات الدبابات واسرت المئات، رغم ان هذه العملية جاءت
أساسا لاستعادة قري (سركلو وبركلو وزيوة) الكردية من الاحتلال الايراني، وانقاذ
سكانها من تسلط وانتهاكات الحرس الثوري الايراني وعملائه المرتزقة من الجلاليين،
وثمة وثيقة اصدرها حزب الاتحاد الوطني في الثامن عشر من آذار (مارس) 1988 يفاخر
فيها ان قواته قتلت اكثر من ثمانية آلاف جندي عراقي واربعمئة ضابط في الجيش العراقي
من ضمنهم قائد فرقة وعشرات من امراء الافواج والسرايا وأسر مئة وخمسين من قوات
النظام ـ هكذا وردت ـ واصابة اكثر من عشرة الاف واسقاط طائرتي هيلوكوبتر وتدمير
عشرات الدبابات والمدرعات وغنم مئات القطع من الاسلحة الخفيفة والمتوسطة، وهذه
الوثيقة التي يمكن الاطلاع عليها في مطبوعات حزب الاتحاد الوطني ومنشورة ايضا في
كتاب ( التيارات السياسية في كردستان العراق) لمؤلفه السيد صلاح الخرسان في صفحة
821 تدمغ من يسمي حاليا برئيس جمهورية العراق وتثبت انه متهم بقتل 8400 جندي وضابط
عراقي باعتراف حزبه، فلماذا لا يحاكم علي هذه الجريمة النكراء التي تصنف قانونيا
ضمن جرائم الابادة البشرية، وحسب المعلومات فان احد محامي الفريق سلطان نجح في
تقديم هذه الوثيقة الفاضحة الي المحكمة، الا ان الاخيرة امتنعت عن ضمها الي وثائق
المحاكمة.
وحول قضية حلبجة وما زعم عن ضربها بالغازات السامة، فان العودة الي وثائق حزب
الاتحاد الوطني الكردي ذاته والبيانات التي أصدرها في عام 1988 تؤكد ان المجرم
الحقيقي فيها هو قوات هذا الحزب، وهناك وثيقتان مهمتان بهذا الصدد، الاولي اعترافات
لجلال طالباني لمجلة الوسط اللندنية في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 1998 ويشير فيها
الي ان القيادة العسكرية الايرانية لم تتجاوب مع طلب حزبه في فتح جبهة حرب جديدة
لتخفيف الضغط العراقي علي قواته، وانما اوعزت الي فيلق بدر التابع للمجلس الاعلي
للاشتراك مع بيش ميركة الاتحاد الوطني والبارتي (حزب مسعود) للهجوم علي حلبجة الذي
جري مساء الرابع عشر من آذار (مارس) 1988 وتم احتلال المدينة دون ان تلقي مقاومة من
قوات الفرقة العراقية 24 المسؤولة عن حماية حلبجة والمناطق المحيطة بها، وهذا
اعتراف يحدد من المسؤول الفعلي لما حدث في هذه المدينة، وليس صحيحا ما تردده
الاوساط الكردية والايرانية والصهيونية من ان العراق استخدم غاز السيانيد في ضرب
المدينة، لان العراق حسب تقارير امريكية ولجان الكونغرس والمفتشين الدوليين فيما
بعد اكدت عدم وجود هذه المادة القاتلة لدي العراق وانما لدي ايران حصرا من دول
المنطقة. اما الوثيقة الثانية التي تدلل علي مسؤولية الاحزاب الكردية في جريمة
حلبجة، ما ذكره اللواء وفيق السامرائي مستشار طالباني حاليا في كتابه الذي طبعته
وأصدرته احدي دور النشر الكويتية في تموز (يوليو)1997 وعنوانه (حطام البوابة
الشرقية) صفحة 104 حيث يقول فيها: ان الايرانيين كانوا يستعدون في ربيع العام 1988
لتدمير سد دربندي خان جنوب السليمانية، ويضيف ان القوات العراقية افشلت هذا المخطط
الذي لو حصل لاغرق العاصمة بغداد وبعض المحافظات ويقصد ديالي واجزاء من كركوك
والكوت.
هذه الحقائق الساطعة التي تدين القوات الايرانية ومليشيات البيش ميركة الكردية غيبت
من جلسات محاكمة الانفال التي حاكمت الفريق سلطان هاشم ورفاقه، واهملت الدفوع
الوطنية والقانونية التي تقدموا بها، في اصرار مفهوم لادانة هذا الضابط الشهم الذي
قدم وضحي من اجل بلده قرابة اربعين عاما من العطاء والجهود كان فيها مثال الجندي
المخلص والامين علي واجباته ومسؤولياته، وسجله ناصع بخير الاعمال وحسن المهمات،
ومما يحزن عرب العراق وسلطان واحد منهم باعتباره من شيوخ قبيلة (طي) صاحبة الامجاد
والمفاخر في الجود والكرم والشجاعة، ان يسخر حزبا طالباني وبارزاني أشخاصا ليشهدوا
زورا وكذبا علي هذا الجندي العراقي الاصيل والعربي المقدام، في محاولة بائسة ويائسة
لادانته بتهم مزيفة ومختلقة.
ومما يؤكد تواطؤ قوات الاحتلال مع الرغبات الكردية والايرانية والصهيونية في اعدام
هذا البطل العراقي، ان الجنرال ديفيد بتراويس قائد القوات الامريكية في العراق
حاليا، تغافل عن رسالته التي كان قد بعثها بيد احد الوسطاء الي الفريق سلطان عندما
كان الاخير مطاردا من قبل الامريكيين وعملائهم، وفيها يقول الجنرال الامريكي وكان
قائدا للفرقة الامريكية 101 في الموصل يومها ( انا وانت ضباط وقادة جيوش ننفذ ما
يصدر الينا من القيادات السياسية وليس لنا الحق في الاعتراض، وانت قمت بواجبك
العسكري ولا تتحمل مسؤولية علي الاطلاق، آمل ان تسلم نفسك حتي لا تتهم بانك هارب)
الي آخر الرسالة التي تلاها محامي سلطان في جلسة للمحكمة قبل جلسة اصدار الاحكام
الاخيرة، ويفترض بالجنرال بتراويس ان يحفظ كلمته ويحترم التزامه اذا كان فعلا يحترم
التقاليد والاعراف العسكرية المعمول بها في جميع دول العالم، وهذا التغافل المغرض
من قبل قائد القوات الامريكية في العراق يعطي مؤشرا علي تجاوب امريكي مع الرغبة
الايرانية لاعدام سلطان الذي فرض شخصيته واحترامه علي الجنرال الامريكي شوارسكوف
قائد القوات الامريكية في حرب عاصفة الصحراء الذي يقول في مذكراته الصادرة في عام
1993 وهو يستعرض ما دار في اجتماع خيمة صفوان في آذار (مارس) 1991 لقد فوجئت بموقف
الجنرال سلطان الذي رأس الجانب العراقي الي المباحثات المشتركة وكان يومها معاونا
لرئيس اركان الجيش العراقي، فقد تصرف بطريقة صارمة اجبرتني علي احترامه وتأدية
التحية العسكرية له.
وبالتأكيد فان الامريكيين والايرانيين والاسرائيليين ومعهم قادة الاحزاب الكردية
الانفصالية والتنظيمات الشيعية الطائفية تجمعهم اجندة مشتركة في اعدام الفريق سلطان
هاشم الذي من دلالاته الحاق المزيد من الاذلال للعراق العربي باعتبار ان سلطان واحد
من ابنائه البررة والمخلصين، واهانة جديدة للجيش العراقي وهو ابرز قادته الميامين،
دون ان يعوا بعد ان عميت بصيرتهم ان البلد الذي أنجب سلطان ورفاقه وزملاءه الابطال
ولود وسينجب الالاف منهم وعلي شاكلتهم في الوطنية والخلق والاداء، واذا اعدم سلطان
غدا، فان ألف سلطان سينهض بعد غد من أرض العراق، ويا ايها العرب تحركوا كل من
موقعه، وارفعوا اصواتكم عاليا في التضامن مع جندي عراقي شريف وعفيف، وطني وعروبي
ومسلم، صاحب غيرة ونشمي اسمه سلطان هاشم الطائي.