لماذا يخاف البارزاني والطالباني من أرشد زيباري؟
هارون
محمد
فزع مسعود البارزاني
وجلال الطالباني عندما عرفا ان الزعيم الكردي ورجل الدولة والوزير السابق الشيخ
أرشد زيباري قد أستكمل إجراءات اعلان حزب كردي جديد يضم نخبة طيبة ومرموقة من
الشخصيات والقيادات الكردية الوطنية المعروفة بإنتمائها وولائها للعراق، وتفانيها
في خدمته، وتضحياتها في الدفاع عن سيادته ووحدة شعبه وأرضه.
وواضح ان اعلان الحزب الكردي الجديد الذي يحمل اسم (الحرية والعدالة) وفي هذه
المرحلة التي يرزح فيها العراق تحت احتلال امريكي بغيض، شكلت الاحزاب الكردية وفي
مقدمتها حزبا البارزاني والطالباني أبرز أدواته، يحمل دلالات منها ان الأغلبية من
أكراد العراق ترفض هذا الاحتلال، وما يحمله من مخاطر وآثار وخيمة علي حاضر ومستقبل
العراق، وترفض أيضاً الأدوار التي أوكلها المحتل لمجموعة من القيادات الحزبية
الكردية في العاصمة بغداد وشمال العراق، صادرت إرادة وخيارات الشعب الكردية واستولت
علي قراره الوطني بالقوة والسلاح وعاثت فساداً ولصوصية في محافظاته الثلاث (أربيل
والسليمانية ودهوك) وزحفت بشرورها وتآمرها علي محافظات ومناطق عربية كالموصل وكركوك
وديالي متعمدة إحداث فتنة وإشعال حرب بين الاكراد واخوانهم العرب والتركمان
والمسيحيين واليزيديين في سعي محموم لتقسيم العراق وتقاتل ابنائه بما يخدم الأجندة
الامريكية والصهيونية والايرانية التي تري في وحدة العراق شعباً وارضاً خطراً علي
أهدافها ومصالحها في المنطقة والعالم.
ولعل ابرز ما خوف مسعود وجلال من حزب الحرية والعدالة الكردي، ان الذين تصدوا
لتشكيله اكراد عراقيون أصلاء ومن قبائل وعشائر ومناطق كردية عريقة، كانت لها وما
تزال مكانة محترمة، ومنزلة موقرة في المجتمع العراق، وترتبط بصلات وثيقة وعلاقات
تأريخية مع عرب العراق، وسجلهم ناصع البياض لم يتمردوا علي الدولة العراقية، ولم
يهربوا الي خارج الحدود، ولم يخدموا في اجهزة ومخابرات دول اجنبية، ولم يتآمروا علي
بلدهم وشعبهم، ولم يقبضوا الاموال والاسلحة من جهات وحكومات معادية للعراق، ولم
يكونوا في يوم من الايام بندقية للإيجار في أيدي أعداء العراق، ولم يتعاونوا مع
ايران البهلوي والخميني ولم يخدموا في السي آي ايه والموساد، ولم يصبحوا مخبرين
وأدلاء لطعن العراقيين من الشمال او من الخلف، علي عكس قادة الاحزاب الكردية
الحاليين متصدري الصفوف الاولي في خدمة الاحتلال الذين يسبحون في مستنقع الانحطاط
الأخلاقي والسياسي وخيانة الوطن والعمالة لأعدائه، وأكبر رأس فيهم يسيل لعابه لحفنة
دولارات او شيكلات او تومانات، وعلي أستعداد دائم للإرتزاق لدي الغير ورفع السلاح
وإراقة الدماء والاقتتال حتي بينهم من اجل النفوذ والاستحواذ واشباع اطماعهم
الذاتية والعائلية، وقد شهد العالم بأسره كيف تقاتل حزبا البارزاني والطالباني علي
امتداد ثلاث سنوات (1994ـ 1996) للسيطرة علي اربيل في حرب سقط فيها باعترافات
الحزبين اكثر من ثلاثين الفا منهما، إضافة الي آلاف الضحايا التي لم تسجل من
المواطنين الاكراد الابرياء والآمنين، راحوا ضحية صراع مسعود وجلال.
والمضحك في حالة البارزاني والطالباني أنهما وبعد ان أحسا بالاصداء الواسعة التي
أحدثها تشكيل حزب الحرية والعدالة في الأوساط الكردية لم يجدا غير كيل الاتهامات
الي مؤسسي الحزب الجديد، وهي اتهامات يطلقانها علي كل كردي وطني وشريف يحب بلاده
واهله وشعبه ويرفض الاقتتال ويؤمن بأن العرب والاكراد والتركمان والاقليات الاخري
أخوة وابناء وطن، والغريب ان مسعود وجلال يتجاهلان ان هذه الاتهامات التي يطلقانها
علي الاكراد المتعاونين مع الحكومات والانظمة العراقية المتعاقبة قبل الاحتلال
تنطبق عليهما اكثر من غيرهما، لأنهما وهذا تأريخ موثق لا جدال فيه، اشتغلا مع تلك
الحكومات وقبضا من اجهزتها الاموال والرواتب والمكافآت، فالبارزاني واسرته كانت
الدولة العراقية تصرف عليه طيلة فترة هروب والده الملا مصطفي في الاتحاد السوفييتي
السابق من عام 1946 حتي عام 1958، ولما سمح لوالده بالعودة الي العراق عقب ثورة 14
تموز 1958 منح راتباً شهرياً قدره 200 دينار أعلي من راتب رئيس الوزراء في حينه
الزعيم عبدالكريم قاسم الذي كان راتبه مئة وثمانين ديناراً شهرياً، واسكن في قصر
صباح نوري السعيد في حي السكك بالصالحية ارقي احياء بغداد يومذاك، وخصص لسبعمائة من
مرافقيه رواتب شهرية ومنح كل واحد فيهم منزلا جديدا في مشروع اسكان غربي بغداد، هذه
الحقائق المثبتة تاريخياً ورسمياً لا يستطيع مسعود اغفالها ولا يقدر ان يقفز علي
حقيقة تعاونه مع النظام السابق وابرز صور ذلك التعاون ما حدث في الحادي والثلاثين
من آب (اغسطس) 1996 عندما حرر الجيش العراقي مدينة اربيل من احتلال الجلاليين
وسلمها اليه هدية من الرئيس السابق صدام حسين في واحدة من اخطائه السياسية رحمه
الله، ولا نريد ايراد وقائع الصفقات التي كان طرفاً فيها علي صعيد النفط والاسلحة
والتجارة، لأن الاكراد قبل الاخرين يعرفون تفاصيلها.
أما جلال فان ارتباطاته مع الحكومات العراقية واجهزتها وتعاونه معها معروفة
بالاحداث والتواريخ، منذ عودته من طهران التي امضي فيها عامين هرباً وخوفاً من بطش
ملا مصطفي البارزاني الي بغداد عام 1966 ايام حكومة الاستاذ ناجي طالب، وكيفية صرف
الرواتب اليه والي رفاقه ممن كانوا يسمون بجماعة المكتب السياسي من مديرية
الاستخبارات العسكرية، واذكر شخصياً بهذه المناسبة ان شخصية قومية نصحت جلال
الطالباني بمفاتحة الحكومة وقتئذ بنقل ارتباطه السياسي والمالي من مديرية
الاستخبارات الي وزارة او دائرة مدنية تحاشياً للإحراج وتفادياً لملابسات العلاقة
مع جهاز أمني عسكري وما يترتب علي هذه العلاقة من تفسيرات وتأويلات، غير ان جلال
رفض الفكرة وكان يقول الحكومات تذهب وتأتي ولكن الاستخبارات العسكرية باقية وثابتة
(آني ما يهمني الحجي) والحجي بتضخيم الجيم، مفردة شعبية عراقية تعني القيل والقال.
ولا يمكن لجلال ان يتغافل ايضاً عن الاموال والسيارات والمعدات والبيوت والرواتب
التي قبضها من النظام السابق في الفترة من تموز (يوليو) 1968 الي آذار (مارس) 1970
فكلها موثقة ولا يمكن ان يكذب رسائله المتوسلة الي صدام عامي (1983 ـ 1984) وخصوصاً
رسالته الشهيرة التي استعان في مطلعها ببيت شعر للمتنبي يقول: (يا أعدل الناس إلا
في معاملتي) وكيف تم اللقاء به بعد ذلك، ولا يمكن ان ينفي الرسائل والوسطاء بينه
وبين الرئيس السابق عقب توقف الحرب الايرانية العراقية، ولولا احداث الكويت في آب
(اغسطس) 1990، لكان الطالباني قد عاد الي العراق وتسلم منصب نائب رئيس الجمهورية
بدلاً من السيد طه محي الدين معروف شافاه الله، والدكتور مكرم الطالباني لديه
التفصيلات حول هذا الموضوع باعتباره كان الوسيط وقتئذ، وهو حي يرزق متعه الله
بالصحة والعافية.
ان هلع الطالباني والبارزاني من حزب الحرية والعدالة الكردي الجديد، ينطلق من ان
قادة الحزب وجمهوره هم من النخب الكردية سياسياً واجتماعياً وعشائرياً، ولا يمكن
الطعن في اصولهم وانسابهم الكردية، وهم من خيرة الناس واصحاب مواقف وطنية، لا
يساومون علي عراقهم، ولا يقبلون ايذاء شعبهم، وجميعهم عرضت عليهم اغراءات وامتيازات
هائلة ليوقفوا اجراءات تأسيس حزبهم رفضوها باباء، فمسعود ارسل خاله هوشيار زيباري
وبابكر زيباري وهما من المنبوذين والمطرودين من القبيلة لاسباب عائلية، الي الشيخ
أرشد زيباري للتفاهم معه وتلبيه كل ما يرغب ويريد، وكان رد الشيخ واخوانه، رفض
استقبال المبعوثين والحديث معهما بعد ان عرف مسبقاً مضمون الرسالة التي يحملانها،
وجلال نفسه ارسل الي شيوخ الزيباريين عرضاً اقترح فيه ان ينتقلوا من الموصل التي
يقيمون فيها منذ عام 1959 بعد ان هجرهم ملا مصطفي وعصاباته من ديارهم في الزيبار،
الي محافظة السليمانية ويختاروا قضاء او ناحية او منطقة فيها تكون ضياعاً لهم مع
منحهم ما يشاؤون من أراض ومزارع وحقول واموال، وكان الرد الزيباري الرفض القاطع لان
الزيباريين يعرفون مغزي ومعني العرض الطالباني جيداً.
ان المعلومات الواردة من شمال العراق تشير الي حالة من الابتهاج قد سادت المجتمع
الكردي اثر الاعلان عن حزب الحرية والعدالة الجديد، ويتكتم قادة الحزب علي حجم
الرسائل واتصالات التأييد التي وصلت اليهم من المحافظات الكردية والمناطق الاخري
التي يقيم فيها الاكراد لاسباب امنية وسياسية، والمعلومات ذاتها تفيد بان الحزب
الجديد سيجد له انصاراً ومؤيدين كثر في الاوساط الكردية التي عانت من هيمنة واضطهاد
حزبي مسعود وجلال وميلشياتهما وهذا ان دلل علي شيء فانه يدلل علي ان الاكراد في
شمال العراق اكتشفوا حقيقة هذين الحزبين وجورهما وظلمهما للمواطنين، ولمسوا
ميدانياً كيف يعيش قادة الحزبين واطلعوا علي الفساد والاختلاسات التي استشرت بينهم
وبالتالي هم يتطلعون الي حزب يبرئ ساحتهم مما لحق بها من اساءات وتشويهات، ويعيدهم
الي حضن الوطن والي خدمة بلدهم والتعاضد مع اخوانهم العرب والتركمان والمسيحيين
واليزيدين وبقية الاقليات في عراق واحد موحد بلا تقسيمات ولا اقاليم ولا فدراليات.