العراق بين فكي النفوذ الأمبريالي والأستقطاب الأقليمي 

حسين الربيعي

                                                                                                                                                                                                                                              

قال الأمام علي لرجلٍ في حضرته :

ثكلتك أمك أتدري ما الأستغفار ؟ الأستغفار درجة العليين . وهو أسمٌ واقع على ستة معان ٍ : أولها الندم على ما مضى . والثاني العزم على ترك العود اليه أبداً . والثالث أن تؤدي الى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله آملس ليس عليك بقعة ٌ . والرابع أن تعمد الى كل فريضة ٍ ضيعتها فتؤدي حقها . والخامس أن تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحمٌ جديد . والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة ِ كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول أستغفر الله .

كل الذين تهمهم " الأزمة العراقية " يبحثون عن حلول ، وعلى حدٍ سواء الذين ساهموا في خلق هذه الأزمة ( إدارة بوش ) التي غزت قواتها العراق وتسببت في كل الهدم والفوضى والقتل والتدمير ، من جانب ، والقوى الأقليمية التي تؤشر مسارات المخطط الأمريكي أستهدافها في المراحل القادمة ، والحركات السياسية الوطنية المعارضة والمقاومة للأحتلال ولمشوعه السياسي ، بأعتبار أن هذه الحركات الممثلة للمشروع الوطني المعبر عن وحدة البلاد والعباد ، وهي الحركات المستهدف القضاء عليها من خلال تفعيل الأزمة وإدخاها في متاهات الضياع بالعبور على سبب الأزمة ( الأحتلال ) دون معالجته وأنهاء وجوده ، بل والقبول بترك الخيوط المصيرية والأساسية بيده . الغائب الوحيد عن عملية البحث الحقيقية هي القوى القابضة على السلطة ، التي ينحصر دورها بين تجيير مواقفها بين قوى النفوذ العالمية ( الولايات المتحدة وحافائها )  وبين قوى النفوذ الأقليمية ( أيران ) .

وفي الحالة العراقية الفريدة من نوعها فإن معالجة الأمور بهذا الشكل لايؤدي لمزيد من التدخلات فحسب ، إنما توسيع عدد الإرادات ( الخارجية )  مما يؤدي للتعامل بمصالح تلك الإرادات ، والتي في أغاب أحيانها لاتتوافق مع المصالح الوطنية ، والأحتماء خلف سواتر إحدى تلك الإرادات تحت إحداثيات الطائفة والقومية خطراً أكثر سوءً من الأحتلال ذاته .

وقصور النظر للذين يعولون على الجهات غير الوطنية ممن يتصور إن الحل يأتي عبر محادثات أيرانية ـ أمريكية ، أو من خلال مؤتمر أقليمي وأخر دولي ، فإنه لايمكن تبريرهذا القصور فإن الوضع لايسمح بأن تتناول هذه مهمة الأنقاذ الوطني عناصر تمتلك الوعي والبعد والنية الحقيقية بأنقاذ الشعب والوطن وليس أنقاذ العملية السياسية وتوجيه نتائجها لصالح الإدارة الأمريكية ، وفي أطيب الظروف  فإنها سذاجة ( مظللة ) غير مسموح القبول بها في مثل هذه الأوقات التأريخية المهولة الأخطار ، وإن أصحابها لايستحقون أن يملئوا تحت أية مبررات (الفراغات السياسية).  

وفي أحسن الحالات فإن أيران ( مع عدم رفع لواء معاداتها كي لاتندرج في صفوف الحملة الأمريكية ـ الرجعية ضدها ) ، فإنها تحاول أن تعبر مرحلة من مراحلها العصيبة أولا ً : بأنتزاع المادرة من الولايات المتحدة وقواتها التي تحاول أن تستخدم العراق قاعدة أساسية لإحداث تغيير جوهري في النظام الأيراني عبر أحتوائه أو تغييره القوة ، وثانيهما : الأستفادة من عنصر الوقت وأستخدامه بأتجاهين مختلفيين ، الدقة بسرعة أنجاز المشروع الوطني الأيراني النووي ، والإسراف المتعمد من خلال الأيحاءات في مجال المناورة السياسية ، وهي لذلك غير ملزمة ( كما يتصور البعض ) بالدفاع عن حكومة لاتملك القدرة على الأفلات من أو التحرر من الدور المرسوم لها ضمن استراتيجية الأحتلال ، خصوصاً بعد ماتبين تفريط الحكومة أو عدم التمكن من الأحتفاظ ( بالقاعدة الشعبية التي كانت قد تكونت لها أو لأحزابها تحت ظروف زمنية معينة ) ، نتيجة الأحباط الذي تولد من خلال العجز في حل المشاكل الأمنية ، وتردي الخدمات أو غيابها ، والفساد الأداري والأقتصادي الذي حول الأغلبية لطبقة الفقراء والمحتاجين ، والفشل الذريع في المجال السياسي في التعامل مع الطموح الوطني بالأستقلال والسيادة عن طريق جدولة الأنسحاب والتخلص من التابعية السيادية ( العسكرية والأقتصادية ) للولايات المتحدة . ولكي نكون أكثر وضوحاً لابد أن نحدد ملاحظات مهمة :

1 ـ نتسائل عن أمكانية أختصار الزمن في المباحثات الأيرانية ـ الأمريكية ، فتغيير الموازين والعلاقات والمصطلحات تحتاج لعمليةٍ ما أو صفقةٍ معينة ( في الحد الأدنى المتوافق مع رؤى الجانبين ـ تتصاعد تلقائياً فيما بعد ) فيتحول الشيطان الأكبر لصيق أكبر ـ ربما ـ ، وتتحول أيران المارقة الى دولةٍ معتدلة وصديقة للولايات المتحدة !!

وهذا خيال لايتفق مع سلسلة الأحداث الحالية على أقل تقدير ، وهذا الخيال يراود البعض حتى داخل السلطة الأيرانية !! أما المخططون والمنفذون في السياسة الأمريكية يعملون وفق خطوط ، بالنسبة لهم أهذاف يجب تحقيقها لتدرج في السفر الأمبراطوري الأمبريالي ، والفهم الأيراني لهذه الخطوط هي التي توجه السلوك الأيراني ، وهذا الأستنتاج يحول الأخرين لمجرد ( مراسيل غرام او انتقام ) بين الطرفين .

2 ـ عجز القوى المتنفذة على تحمل المسؤولية الوطنية بحدودها الدنيا ، لأنها مجاميع طائفية وعشائرية ، أو كتل تحاول أن تنظم نفسها عقول أكاديمية تتبنى ثقافة غربية رأسمالية ، لاتملك قاعدة شعبية وتناور بأستمرار من خلف الحدود وعبر وسائل  "مكلفة"تفوق أمكانياتها مما يؤشر لأرتباطات مخيفة ، ومع أن بعض قوى وأحزاب التحالف الكردستاني تمتلك قاعدة تأريخية سياسية غير عشائرية إلا أنها من جراء تحالفاتها فقدت تأثير تلك القاعدة فدخلت المسألة الكردية في مأزق حقيقي بالأضافة لتأثيرات أخرى أهمها الطموح المتعالي والمتصاعد على أكثر من وتيرة دون الأخذ بعدد من المتغيرات أو الأخذ بوجهات النظر الأخرى حتى من أطراف العملية السياسية ( وكان الفيتو الذي أستخدمته الكردستانية ضد الجعفري مؤشر سيء له نتائج وخيمة مستقبلاً ) كما كان ( ومن خلال الضعف الأني الذي يواجه الأكثرية العربية ) واضحاً الأثر الشوفيني لدى بعض الشخصيات في الحركة القومية الكردية ، ولذلك فقد أصبحت التهديدات التركية من وجهة نظر (غير وجهة النظر الكردية والمتعاطفين معها لأي مدى) يلعب دوراً ايجابياً بأعادة التوازن بين الأطراف .

3 ـ المشروع الأمريكي لايتوقف عند حدود الجانب العسكري والسياسي والأقتصادي فقط ، أنه مشروع ثقافي أمبراطوري أستبدادي .. ديني وخرافي متطرف لايقبل التراجع التلقائي أمام أية قرقعة سلاح تحدث هنا أو هناك ، وهو قادر على سحق مشاريع المقاومة المحدودة ـ فكراً وتنظيماً ـ ما لم تتوسع هذه المقاومة على الصعيد الشعبي الوطني والقومي .

4 ـ الحذر والأنتباه من الدور الخطير الذي تؤديه قوى التطرف الديني ، والتأكيد على حرية المعتقد الديني ، وتؤكد الأحداث و الأتجاهات الشعبية ، هزيمة الأفكار المتطرفة الهادفة لطمس مفهوم الوطنية والمواطنة .

5 ـ عدم الأفراط في أمكانية الغيير عبر ( العملية السياسية وآلياتها الحالية ) وتحت الخطوط والأطر التي رسمت ونمت وترعرعت بإرادة الأحتلال وأستراتيجيته الشيطانية ، فهذه (الأليات) تكونت لغرض وضعها معوقات في وجه إمكانيات التغيير ، وتهمش إرادة الغالبية ( عبر تفتيتها طائفياً ) .

6 ـ لابد من التوقف في بعض المتغيرات الدولية والأقليمية التي يمكن أن يكون لها تأثيرات حقيقية وأيجابية ، ليس على مستوى العراق والعرب فقط بل على مستوى العالم ، ونشير الى الموقف الروسي بشأن الدرع الأمريكي في آوربا ، والمواجهة الأقتصادية الصينية التي تحولت لهواجس خوف حقيقية لدى دول الغرب ـ المهيمنة على الأقتصاد العالمي ـ فقد طرحت هذه المخاوف على طاولة مباحثات الدول الثمانية ، وفي المجال الأقليمي فإن التغيير في الموقف التركي وتقاربه مع الموقف العربي على الأقل لدى الجانب الشعبي في العراق .

7 ـ التشكيك في الأفراط عن التورط الأمريكي في العراق ( كما أعلن متقي لدى زيارته الأخيرة لدمشق ) فهذا الأفراط يضفي نوع من الضبابية على حقيقة الأمور ، فالجانب الأمريكي ( إدارة بوش ) متمسكة بوجود قواتها وعدم الأنسحاب ، لابل والأستمرار في تنفيذ مخططها من العراق على بقية الأهداف المرسومة ومنها تصفية القضية الفلسطينية وترتيب الوضاع داخل لبنان بالشكل الذي يحوله الى مركز معادي للمشاريع القومية والوطنية ومنها مشروع المقاومة ، والهجوم ( المحتمل ) على سوريا خصوصاً بعد تشكيل حكومة مصغرة لمتابعة التطورات في سوريا على حد تعبير الحكومة الصهيونية . ونحن نخشى أن تكون هذه ( القناعات ) مدخلاً لأحباط مساعي مقاومة الأحتلال ومشاريعه المتعددة والكبيرة .

وعلى العموم فإن المحادثات التي تجري بين قوى أقليمية والأحتلال أو غيرها لن تكون أكثر من محاولة كسب الوقت .. وكلٌ من أجل ليلاه ، ويبقى الهم العراقي نصيب العراقيين ، وقائلٌ قال : لايؤلم الجرح إلا من به الألم .

 

                                                           بغداد العروبة 7 حزيران يونيو 2007