عصبيات وماضوية

ادهم عبدالرحيم عبدالباقي

 

يفهم الانسان المتابع لمجريات التطور الاجتماعي الذي حصل خلال حركة التاريخ ..,ان المجتمعات البشرية عاشت مراحل ومحطات عديدة تقدمت خلالها بتفاوت ملحوط بسبب طبيعة هذه المجتمعات ونمط ثقافتها وحرفتها وبيئتها وكذلك درجة وعيها..فمن مجتمع حجري وقبلي رعوي واخر زراعي ثم المجتمع الصناعي واخيرا المجتمع التقني الالكتروني الذي نعيشه الان ....والذي يجري فيه التطور بسرع متلاحقة مذهلة حتى لا يكاد الانسان يقف عند حاجة الا واكتشفت اخرى اكثر تطورا ,ولقد كان ايضا لكل مجتمع مذكور نمط تكويني خاص به ,اذ الفرد والعائلة كان اساس للمجتمع الحجري بينما تمتع المجتمع الرعوي الزراعي بالعصبية العشائرية القبلية حتى اصبح العصر الصناعي الذي بزخت فيه التكوينات الوطنية والقومية تماشيا مع عصرنة المجتمع وتمدنه اعتمادا على نظم معرفية اكثر تطورا اسست الكيان المدني المسمى بالدولة تحت ظل الدساتير والقوانين الذي فصلت بين السلطة والشعب بمجال سياسي يسمح للحاجة الاجتماعية ان تعبر عن نفسها بمجموعة من التكوينات الحزبية والنقابية والجمعيات لكفالة دستورية وقانونية تضمن للمواطن ابداء اراؤه بحرية تامة وصولا الى خلق حالة من التوازن بين الشعب والسلطة بعد ان تكون الحالة بلسانها السياسي معارضة تطالب وتنتقد لتحقيق المصلحة الوطنية العامة ضمن اراء وافكار مقروءة ومكتوبة لا مجال للفردية الانتهازية التي ترسمها التجمعات العصبوية _العشائرية _الطائفية والتي كانت وقد عافها الزمن بعد ان تجاوز وتطور وتمدن .....

ان هذه التجمعات العصبوية المتمذهبة لا يمكن ان تبني مجتمعا موحدا يؤسس الدولة على اعمدة قوية وراسخة قد رما هي تؤسس لمجتمع منخور من الداخل بانقسامات تمتنع معها تماما علاقة المواطنة ,وعلاقة المواطنة علاقة تحتية اساس كل تشكيل متجانس اجتماعي او مجتمع الوحدة الوطنية ...فيتاسس من هذه التجمعات القبلوية المذهبية كيان مغشوش بين جماعات مختلفة متباينه تعجز عن توليد ولاء اعلى يتجاوز حدود قبليتها ومذهبيتها مقارنة بجنس الولاء للوطن ...وهي هذه التجمعات لا تستطيع الرقي الى مستوى الوطنية قدرما هدفها الحقيقي الاخير هو الدفاع عن مصالحها القبلوية الطائفية والتي تنسجم مع الوضع الطبيعي الذي كان يسبق تكوين الدولة والقانون وهي ان استطاعت ايجاد نفسها كما هو حالها الان في العراق ,فهي ترغب كثيرا في التمتع بثمرات اشتراكها بالسلطة تقاسما حصصيا بين عصبيات متمذهبة _شيعة ,سنة_وهذا هو التعبير الصحيح عن ولادة مشوهة اقامها واسسها بريمر في ما يسمى مجلس الحكم ابتداءا ...حيث نشا عنه افراز انقسام اهلي ينطوي على تسلط طائفي شيعي يساوي التسلط الذي كان تحت عنوان الحزب القائد ...رغم ادعاء العصبية المتسلطة والتي تشكل الاكثرية بانها لا تهدر حق الطائفة الاصغر في قدر ما من التمثيل والمشاركة في علاقات السلطة والنفوذ وفي قدر ما من الاقساط والعوائد .

ان شكلا تقليديا من الممارسة المذهبية قد نشا محاولا الاطاحة بالسياسة اصلا يؤسس الصراع الاجتماعي على اساس مذهبي ,ديني يضيع في متاهاته معنى المصلحة الوطنية والاجتماعية التي هي مبدا كل فعل سياسي ....كما ان محاولة استبدال المجال السياسي باستعارةالمجال المذهبي العشائري,مكانه يكون له تبعات خطيرة على الاستقرار والوحدةالوطنية رغم وفرة ملحوطة من الادعاءات الشعاراتية ......اذ يختفي الاختلاف تحت راية المذهبية ليتحول الى حرام يساوي الخروج عن الجماعة او الابتعاد عن الملة .ان الاشكال والصور الطائفية المذهبية التي ظهرت بعد الاحتلال بكل الوانها_ شيعية ,سنية_لم تكن الا ميراثا متخلفا اورد فعل ناجما عن سلطة الاستبداد التي كانت ...والتي حرمت على المجتمع ممارسة حقوقه السياسية والاجتماعية عندما استثمر المذهب بطريقة مقدسة ليطيح بالاشكال السياسية المدنية_الحزب ,النقابة, الجمعية _التي يجب ان تكون مجالا سياسيا حقيقيا ...فتحول الامر كما نرى الان الى فعلا دمويا شرسا لم يكن الا تعبير عن استبداد اخر نابعا من ظلمات العصور الوسطى ...فانقسم المجتمع الى شيعة وسنة سياسويا ,ولن تستطيع اي هيئة او تجمع او توجه مذهبي النهوض باعباء الوطنية المهددة الان رغم الكمية الهائلة من الشعارات المصنوعة ,اذ الشيعة اغلبية والسنة اقلية طائفية ..فاصبح الامر استبداد جديد لن تستطيع الاقلية الطائفية مواجهته باستبداد اخر معاكس الاتجاه من خلال الشعارات المذهبية التي تحفر الخنادق لتوسع الهوه التي تمهد للانقسام والتفت باتجاه الزوال ...بل لا يمكن لاي اتجاه يسعى للتوحيد الوطني صادقا الا من خلال الارتفاع بعلاقة المواطنة ومد جسور الثقة بالاعتماد على تطوير وتجديد مفهوم الخطاب السياسي الذي وصل الى حال مزر من الانحطاط ,فمفهوما اولا هو المفهوم المقدس الذي يتصور ان السياسة رسالة دينية جديدة للبشرية يتماها مع العقيدة والاخلاق حيث التعالي على التاريخ كله ......ومفهوما ثانيا الذي يجعل من السياسه وسيلة لتحصيل المغانم كمصالح مجردة من اي وازع اخلاقي وانساني .ان جميع التجمعات السياسية الموجودة او المعبرة عن المناطق السنية لم تستطع تجاوزحدود مذهبيتها رغم الكثرة الشعاراتوية المرفوعة وفي ذلك تشابه وانطباق مع تلك التي يعبر عنها الاخر الشيعي فقط بطريقة معكوسة.....رغم قساوة اللفظ الذي لم استطع تجاوزه مع كل ناصريتي الراديكالية ...فهل نستطيع نحن السنة الاقلية تاسيس مفهوم وطني يتجاوز الاطار والمعنى المذهبي والديكورات الوطنية ...على الاقل لكي نضمن حدود الوطن الحقيقي والمصلحة الوطنية العامة فنرتفع بانفسنا لندفع بالشيعة ليتجاوزوا حدود مذهبيتهم التي تمترسو خلفها كنصوص مقدسة نتيجة القمع الشديد الذي لاقوه من نظام اعتبروه سنيا

 ان ممارسة الحرية الانتخابية واستخدام الصندوق لبيان توجهات الراي سيمكن الاكثرية الطائفية من ان تتحكم بمصائر البلاد بحكم القانون ..وبما ان الاقلية الطائفية الاخرى لا تستطيع بمذهبيتها تجاوز هذه الاغلبية بهذا الصندوق ..فما عليها اذن اي الاقلية الا تقبل الامر ريثما تستطيع الخروج من شرنقة مذهبيتها صعودا الى وطنية تجعل من الاخر اخا تحت ظل المواطنة ..فيتساوى الجميع سعيا الى اهداف ارقى واكبر من الطائفية باتجاه بناء العراق الدولة الوطن وكذلك العراق الشعب والقانون