عصر اللاحياء
د.عبدالكريم هاني
الدورات المناخية ظاهرة طبيعية في تاريخ العالم منذ خلق الله الكون , و بدأ العلماء عندما تطورت العلوم يمنحون تلك الدورات التي شهدتها الأرض أسماء مناسبة , فسمعنا عن العصور الجليدية التي قسموها مثلا الى أول و ثان و متأخر . و كانت هنالك دورات أخرى أنشأها المؤرخون مستلهمين التطور الحضاري فكان العصر الحجري و العصر البرونزي وصولا الى عصر البخار و عصر الكهرباء و عصر الذرة و غيرها , و كانت هنالك عصور تاريخية اعتمدت الأوضاع الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية معيارا لها فقرأنا عن عصر الاقطاع و الرقيق و عصر الامبراطوريات ثم عصر الاستعمار و عصر العولمة . . الى آخر هذه السلسلة من المسميات في كل حقل .
يبدو أننا في حاجة الى تسميات أخرى ليمكن وصف ما وصلت اليه البشرية بعد ثورة الاتصالات خصوصا و قد دخلت القرن الأول من الألفية الثالثة بعد ميلاد السيد المسيح عليه السلام و انتشار الحضارة المسيحية في أرجاء المعمورة . و كما استوحى الأقدمون في تقسيمهم للعصور و تسمياتهم لها فكذلك يجب أن نستوحي بعض مظاهر ( الحضارة ) و ( الثقافة ) اليوم و نجعلها عنوانا للعصر الذي نعيش فيه . فهل نقول عصر الحروب ؟ لكن البشرية لم تعدم الحروب في تاريخها ! أو نقول عصر النهب و السلب؟ و البشر يمارسون هذا منذ فتحوا أعينهم على خيرات هذه الأرض .
اننا نرى اليوم مواقف شهدتها البشرية في تأريخها الطويل , لكنها كانت تمر خفية تغطيها غلالات من ضباب الأكاذيب و الادعاءات فلا ينتبه لها الكثيرون إلا بعد لأي , اما اليوم فهي واضحة وضوح الشمس تتناقلها نشرات الأخبار المسموعة و المرئية صباح مساء , بل ان اجهزة التصوير و النقل تنقلها الى البيوت حية فور وقوعها. و لما كانت الصفة الجامعة لهذه الأحداث هي فقدان الحياء و عدم احترام الأخلاق التي اصطلحت عليها البشرية في تعاملها فقد صح أن نسمي هذا العصر "عصر اللا حياء" , و ارجو هنا الا ينصرف ذهن القارئ الى الصور الفاضحة او الكليبات التي تتنافس الفضائيات في ارسالها الى بيوتنا , فالأمر اشد في قلة الحياء من هذا .
نقلت لنا الصحف خبر اعتداء أحد ابناء العم سام على قاصر جنسيا في احد أقطار العروبة , و أضافت انه أحيل الى المحكمة في ذلك البلد التي حكمت عليه بالسجن ثلاثة أعوام و اكملت الخبر بعبارة ( مع إيقاف التنفيذ ) . لا شك عندنا أن هذه الإضافة الأخيرة جاءت احتراما لكونه من أبناء الدولة العظمى ممن تباح لهم أرواح الناس و أعراضهم بعد أن استباحت هذه الدولة أراضي العالم شرقا و غربا و انتهكت سيادة دوله برا و بحرا و جوا. سيدي القاضي أرجو عطفك فلا تتهمني بالتدخل بأمر القضاء فأنا لست من رجال القانون لكنني أستغل حلمك لأسأل فضيلتكم هل كنتم تصدرون هذا الحكم لوكان "الجاني" من ابناء البلد أو أبناء عمومتهم؟ أحسب أن قرار الحكم هذا كان ( هل أسميه سياسيا ؟ ) و كان يمكن أن يصدر منكم و على وفق قوانينكم حكم يتناسب مع بشاعة الجريمة و مع نظرة قانون بلد الجاني الى مثل هذه الجريمة فتحترم القضاء في بلدكم و يحترم القانون السائد عندكم و كرامة أبنائه و تترك لرجال السياسة عندكم مهمة الانبطاح و الخضوع لإرادة الدولة العلية ذات الحياء لكي يتولوا ارسال الجاني مكرما معززا الى بلده .
أوردت وكالات الأنباء بالمقابل جواب قائد الكتيبة التي قام أفرادها بقتل أربعة و عشرين عراقيا من المدنيين العزل بينهم الأطفال و النساء داخل بيتهم في حديثة حين سئل هل اتخذ إجراء أو بدأ تحقيقا في الأمر عندما بلغه ذلك فقال "لا , كان الأمر روتينيا و لم أجد ضرورة للتحقيق" .
بعد هذا اتحفتنا وكالات الانباء بقرار من الحكومة الفلبينية بنقل بعض السجناء من ابناء العم سام من السجن الى السفارة الأميركية في مانيلا بعد إدانتهم بجريمة اغتصاب (أيضا) و صدور الحكم عليهم ! و لا يظنن احد ان الحكومة المذكورة قد تساهلت بشرف فتياتها أو تراخت في تطبيق القانون , اذ لعلها وجدت من المناسب ان توفر على ميزانيتها مصروفات إسكان هؤلاء المجرمين و حراستهم و اطعامهم فقررت أن ثحول هذا العبء عن كاهلها الى بلدهم فتوكل الى الإدارة الأميركية القيام بهذه الأعباء و تنفيذ هذه الأحكام.
هذه الأخبار تذكرني بواقع حال عائلة من جيراننا , فقد كان لهم إرث عظيم كان مطمعا لكل طامع, و استغل أحد الأقوياء تفرق الورثة و اختلافهم و علاقته الوثيقة بأحد المتنفذين فوضع اليد على جزء منه يستغله و يزحف على الباقي منه يوما بعد آخر بينما يستمر في مشاكسة أصحاب المال لدفعهم الى ترك إرثهم . و لم يسكت الورثة طبعا فاتبعوا كل السبل الممكنة للحصول على حقهم , لكن القوة و النفوذ و تشتت الجهود نتيجة اختلاف اصحاب الحق حالت دون حصولهم على حقوقهم , و طالت الخصومة و المطالبات والأخذ و الرد مما دفع بعض الشركاء الى ما يشبه اليأس الذي دفعهم الى محاولة مصالحة المعتدي متنازلين له عن بعض حقوقهم قانعين براحة البال و بعض المال مما أثار أفراد العائلة الآخرين , لأن هذه المصالحة منحت المعتدي القوة في محاولة خنق باقي الورثة لدفعهم الى الاقتداء بإخوانهم و التحلي بالـ(عقلانية و الاعتدال) و القبول بما يمنحه المعتدى الذي أصبحوا يدعونه الجار ! و للجار حق في تقاليدنا و هم , متعهم الله بالسلامة , حريصون على تقاليد العائلة و سمعتها. لكن كل هذا لم يكن كافيا لهم, فلعلهم شعروا بالمهانة تجاه إخوانهم الذين ظلوا متمسكين بحقهم و تحملوا الجوع و الأذى و لم يلينوا أو يتنازلوا عن حقهم فكان لابد من جر الممتنعين الى حفرة الاستسلام ليشاركوهم المهانة , و حين عجزوا عن اقناعهم بالإغراء و الوعود للتخلي عن حقهم اندفعوا يستعملون القوة تجاههم لعلهم يستطيعون إجبارهم على الركوع !!! هل هناك " حياء " يضاهي هذا العصر؟
و رحم الله الشاعر الذي قال :
عبيد للأجانب هم و لكن على أبناء جلدتهم أسود
16/5/2007