حكم قراقوش وديمقراطية بوش

حسين الربيعي

 

حكم قراقوش :

كان الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير أبي السعيد بن مينا بم زكريا بن أبي المليح مًماتي : ينضم الكثير من القصص والحكايات عن قراقوش حاكم مصر بعد الدولة الفاطمية ، والواضح من خلال سير الحكايات عن حب الشعب المصري للدولة الفاطمية ، وهذا تؤكده الحكايات بنقدها وتعرضها بالسخرية لقراقوش ، ومن الجدير بذكره أن قراقوش ليس عربياً وموطنه آواسط آسيا .

ومن هذه الحكايات :

حكي أن قراقوش جاءه شاب مضروب ، فبعث معه خمسة رجال من ( الجاندرمة ) أي الحرس المتتبعين للعصاة والمجرمين ، فبلغ ذلك خصمه الذي ضربه ، فسبقه ووقف بجانب قراقوش . فلما أقبل الشاب قال الخصم :

" هذا الذي قتلني وضربني ! "

فأقبل قراقوش على الشاب المظلوم وبطحه وضربه ، الى أن أشرف على الموت وهو يقول :

" أنا مظلوم ! أنا مظلوم ! "

فقال قراقوش : " سبقك "

فحلف الناس أنهم ليقعدون مادام قراقوش في البلد حاكماً .

ديمقراطية بوش .. طلعت بوش :

إدارة بوش التي تتزعم أكبر قوة عسكرية وأقتصادية في العالم ، والتي تفاخر بالحرية .. أو بنصب الحرية ، فالفرق كبير ، والداعية الأكبر للديمقراطية إذ أنها الشرطي الذي يحمل هراوته ! أو طائراته وصواريخه وحاملاته العملاقة .. أيضاً فالفرق كبير .. كل ذلك بدعوى محاسبة دكتاتوري العالم !!

أمريكا صاحبة القبضة الحديدية ، والقلوب الغضة .. وهنا لافرق ، فالقلوب الغضة تصنع القبضة الحديدية التي واجهت قبل أن تواجه ( أعدائها ) خارج حدودها .. شعبها ( عفواً الرأي العام الأمريكي ) ، والقبضة الحديدية وقفت بالمرصاد مايقارب القرن للتجربة الأشتراكية السوفيتية بحجة الديمقراطية والمصالح القومية الأمريكية .. كما واجهت التجربة القومية الناصرية في مصر ولاتزال تلاحق ثقافتها ومنجزاتها ، وحاصرت كوبا منذ خمسون عاماً تقريباً وتستعد للتدخل بعد كاسترو بأي شكل ٍ كان ، وتحشد اليوم لأيران ، وتتأمر على شافييز ، وحاصرت ليبيا وفشلت وتراخت أتجاهها بصمود شعبها ، وتظغط على سوريا ، وتتدخل في شؤون لبنان .. وهي قبل كل هذا تزيد دعمها " لأسرائيل " تحت حجة إنها الدولة الديمقراطية الوحيد أوالأساسية في " منطقة الشرق الأوسط " .. رغم كل جرائمها وأغتصابها لحقوق الأخرين ، والأعتداء المستمر على " جيرانها " والتهديد بالمزيد .. لأنها عدوان مستمر ، ولاننسى أن نذكر بتضحيات الشعب الفيتنامي . ولم يتوقف تدخلها بشؤون الشعوب لافي يوغسلافيا ولافي أفغانستان حتى جاء الدور على العراق .. فإن تدخلها وحصارها وحربها ثم أحتلالها لأراضيه .. وألأرهاب الذي تمارسه كان تحت حجة الديمقرطية كما هو الحال .

فماذا عسانا نفعل ؟ علينا أن نجرع ( البلسم ) الديمقراطي .. رغم أنه بدون ( البل ) وأن نتجرعه سم !! ولكن إذا كان يحق لنا تحت سقف الديمقراطية أن نتساءل خصوصاً ونحن في دور التعلم ، فبعض ( الشياطين ) تصيح في رؤسنا أن نتسأل عن حق النقض الذي يتمتع به سيادة الرئيس الديمقراطي جداً بوش ؟ وعن حقه في أستخدام هذا ( الحق ) ضد قرار مجاس النواب ومجلس الشيوخ في آن واحد ، وهؤلاء نواب الشعب الأمريكي وممثليه (حسب ديمقراطيتهم)؟

فالمسألة الخلافية بين بوش و( ممثلي ) الشعب الأمريكي ، بل بينه وبين الشعب الأمريكي والتي بسببها تدنت مستويات ( تأييده ) لأقل من 28 % ليست مسألة تتعلق بالضرائب ، أو الأجهاض .. إنما هي مسألة تأريخية كبرى تتعلق بها مصائر شعوب بضمنها شعب الولايات المتحدة ، ولأنها تخص أرواح ودماء ، وفيها قتل وأرهاب وتدمير ، وتقسيم ، وسرقة ، وأعتداء على حريات الشعوب وشرف نسائهم ورجالهم ، وتدنيس مقدساتهم ( بعض الدور التي تتعرض للمداهمات في بغداد من قبل القوات الأمريكية يعمد الجنود الأمريكان الى التغوط والتبول على ممتلكات الناس وأثاثهم وفرشهم ووسط الغرف ) .. الخلاصة أنها مسألة حرب .. وربما حروب ، وما أدراك ما الحروب ( يقول الزعيم الخالد جمال عبد الناصر : أي زعيم يستطيع أن يبدء حرباً ولكن ليس أي واحد يستطيع أيقافها ) .

إذاً .. إذا كانت دكتاتوريات العالم .. أو بالتحديد دكتاتوريات ( الشرق الأوسط ) وبالخصوص دكتاتوريات العرب التي لايتعدى تأثيرها في الغالب أبعد من حدودها ، هي السبب خلف هذه الحروب ، فماذا نسمي أستراتيجية بوش التي تتوعد العالم كله ؟

فهل هذه العقليات تتماشى مع الديمقراطية والسلام العلمي ، والتعاون بين الشعوب ، وحوار الحضارات !! أعتذر لأني أنسى أنهم لايملكون حضارة ، إذاً كيف يقنعنا بوش أنه أفضل من أي دكتاتور ظهر أو أنه سوف يظهر في مناطقنا ؟

وكيف نتصور بوش الذي يخالف برأيه الرأي العام في الولايات المتحدة الذي يبلغ تعداد سكانها حوالي 270 مليون نسمة ، الذي جعل أخطر أمورهم بيد شخص واحد .. ,أصبح الفيتو الذي يستخدمه على شاكلة : إذا قال صدام قال العراق .. فإذا " آفيت ـ أستخم الفيتو " بوش ، سمع الأمريكيون وأطاعوا !!

وإذا كان الأمر هكذا .. فلماذا فرض التغيير من الخارج ، في حين أنه كان لابد أن يجري في الداخل ومن خلاله ، على الأقل على يد أفراد السلطة نفسها ؟ إذا لم تتدخل الولايات المتحدة لكشف خيوط محاولات التغيير ، والواقع إنها تهدف لتأجيل الثورة ، والثورة الأجتماعية بالتحديد (ومن هنا حرص الأستعمار على تأخير يوم الثورات الأجتماعية في تلك الدول فأخذ يماطل في تأخيره ويتفنن في إطالة عهد الثورات السياسية ـ د. محمد حسين الزبيدي ـ ثورة 14 تموز في العراق ) . وقد كنا قد حافظنا على الأسس التحتية للدولة والمجتمع ، وحافظنا على وحدة العراق ، وعلى مؤسساته الأساسية كالجيش ، وكان يمكن أن لاتقع هذه الحرائق ، ولايجري هذا الهدم ، ولا تقوم هذه الفوضى الجهنمية .. وفي كلا الحالتين فإن الأستبداد الصدامي كان أقل عنفاً من الأستبداد الأرهابي الأمريكي ، الأشد عنفاً ، الهادف لضرب الوحدة الوطنية وتمزيق العراق .  

فهل هذه ديمقراطيتهم التي يروجون لها ؟

وهل تتعض شعوبنا ، وتقلع نهائياً عن تعليق آمانيها على البعض من الأشخاص والزمر وأن تتواكل على الأخرين ولاتتوكل على إرادتها وإرادة الله ، فلايغني عن إرادة الأمة نائب ولايعوض عنها تمثيل .. لأن غفلة الشعوب تحول بعض النفوس البشرية لشياطين صغيرة تدور في فلك الشيطان الأكبر .

والأدهى أن هذه الشياطين تتربص في كل مكان ، في السلطة .. أو في المعارضة . وهي مصرة على أن تسرق جهد ونضال وتضحيات الناس البسطاء فتفرض نفسها البديل عن الواقع الذي ساهمت في بنائه ؟ وإذا كان الشعب العراقي قد عانى بسبب سياسات الأنظمة العربية كثيراً ، فإن طلائعه الثورية تتسأل عن دور الأنظمة الوطنية في التغاضي عن سوابق البعض من الذين فقدوا مناصبهم التي منحت لهم بعد الأحتلال ، والتعاطي مع هذا البعض على أنهم ممثلين عن الشعب العراقي ؟ وليعلم الجميع أن النضال الحقيقي لن يكون إلآ في ساحة المعركة وليس خارجها .

وفي اللهجة العراقية الدارجة ، فإن كلمة ( بوش ) تعني كل شيء ليس له أساس ولذلك فإنهم على شاكلة السخرية من قراقوش فإنهم يعرفون أن ديمقراطية بوش .. طلعت بوش .

 

                                                                    بغداد العروبة 11 آيار 2007