محطات على طريق التحرير
حسين الربيعي
بعثه والناس ضلالٌ . وخابطون في فتنةٍ . قد أستهوتهم الأهواء . وأستنزلتهم الكيرياء ، ولأتخفتهم الجاهلية الجهلاء . حيارى في زلزال من الأمر ِ. وبلاءٍِ من الجهل ، فبالغ صلى الله غليه وآله في النصيحة ، ومضى على الطريقة ، ودعا الى الحكمة والموعظة الحسنة .
علي بن ابي طالب
قد تختلف الرؤى ، أو تختلف الطروحات بين الناس .. وإذا كان هذا الأختلاف يبدو في ظاهره مصدر قلق وخوف ، فإنه في حقيقة أمره دليل على قدرة التجديد والبحث عن مبتكرات لابد أن توفرها فرص الأختلاف ، كما أنه دليل على ديمقراطية الحوار إذا أعتمد على أوليات وثوابت يتحرك عليها هذا الحوار .. ففي المجال الوطني العراقي لايمكن طرح صيغة للتعامل مع مشاريع الأحتلال بفرضيات أقل مايقال عنها إنها غير واقعية وغير علمية . فوحدة القوى المقاومة للأحتلال لم تطرح لحد الأن .. ومع ما يشاع من قبل الأطراف الحكومية والأمريكية عن حوار بين المقاومة وكل من الحكومة والأحتلال ، فإن تشرذم هذه القوى يصبح فخاً .. قد يؤدي للتفريط ببعض المساعي الجادة لأنهاء الأحتلال في أقرب فرصة ممكنة .
والأنباء التي توفرها وسائل الأعلام ( منها فضائية العربية ) عن تسهيل القوات الأمريكية ( لبعض الأطراف المسلحة ) إستخدام السجون لتنظيم وأعداد ( المقاتلين ) و ( الأنتحاريين ) لابد لها من متابعة وتدقيق يطلق في نهايته فرزاً بين العناصر الوطنية المستقلة التي لاترتبط بشبكات وخيوط يحركها .. عن قرب أو بعد .. مؤسسات صهيونية وآمبريالية متعددة . ونحن (كتيار عربي) أعلنا في مؤتمر المصالحة ( المهمشة توصياته ) أن السجون والمعتقلات يمكن أن تستخدم لتفريخ الأرهاب ، وطالبنا بالتوصيات التي أصدرها المؤتمر ( ولم يعرها أهمية الذين دعوا للمصالحة ) .. ضرورة إطلاق سراح المعتقلين الذين لم يثبت تورطهم بجرائم أرهاب ضد الشعب العراقي ، وتعويضهم مادياً ومعنوياً ، وقد وجدنا في أخر الطريق إن الطرف الحكومي لم يلتزم بواحدة من تلك التوصيات على الأطلاق .!!؟
أني لا أخاف عليكم أحد الرجلين : مؤمناً قد تبين أيمانه ، وكافراً قد تبين كفره ، ولكني أخاف عليكم منافقاً يتعوذ بالأيمان ويعمل لغيره . عمر بن الخطاب
إن من أخطر ما تواجهه المسألة الوطنية .. روح المغالاة .. لدى الكثير من القيادات التي فتحت الطريق واسعاً أمام مشاريع التقسيم والفصل الطائفي التي أصبحت السمة المميزة للعراق عن غيره من بلدان وأقطار المنطقة لشدتها وسعتها ، ولم يدرك الكثيرين إن هذه ( الشدة ) وهذه القوة لم تأتي عن فراغ وتحتاج لأمكانيات هائلة تؤشر لعدم نقائها وعدم عفتها .. بل وأرتباطها بالسياسة الأستراتيجية للأحتلال والأهداف التي يسعى لتنفيذها .
وأتساءل بأستمرار .. كيف يمكن للعمل الوطني الصادق الأمين البعيد عن دوائر الشك والخيانة أن يستمر ويتواصل ويتوسع على حساب العمل الأخر المرتبط بالمحتل .. أو الذي يخدم المحتل بقصر نظره ؟ كيف يتم هذا الأستمرار والأحتياطات الأمنية بسبب الأنتماءات الطائفية ، والحدود المفتعلة ، والمناطق المغلقة على طائفة دون أخرى تتحدى النيات الوطنية والقومية الصادقة لمقاومة المحتل وطرده ؟
ولكوني قومي عربي لا أستطيع أن أعزل ما يدور في العراق عما يدور ببقية الوطن الكبير ، ولبنان مثلاًُ .. ولأنني أشعر أن من واجبي أن أحافظ على التواصل بين العراقيين بعضهم ببعض .. و بينهم وبين أبناء أمتهم ، فأنني أحذر من محاولة توسيع ( تيار المستقبل البناني ) على الساحة العراقية ، رغم يقيننا ان الساحة التي يرومون العمل بالتوسع عليها ، إحدى أهم الساحات الوطنية والقومية ، لكن محاولات التزوير و الضغط من خلال ( التنسيق ) مع جهات الأحتلال .. وأطرافه العربية لغرض الدفع بهذا الأتجاه ، نحذر من تفعيل هذه الأتجاهات وتوسيعها على حساب مواجهة الأحتلال وتحويلها لحربٍ ضد الشيعة وأيران وغيرها من القوى والأقطار المقاومة للمشروع الأمريكي ـ الصهيوني .
ومن مظاهر هذا الأتجاه الموقف السلبي من مظاهرات التنديد بالأحتلال يوم التاسع من نيسان التي شهدتها مدينة النجف الأشرف ، الظاهرة الجديدة التي نريد لها أن تستمر وتتوسع .. بل وتعالج الأخطاء التي نتجت عن سوء تصف من أفراد وجماعات تحت طائلة التوجهات الطائفية التي أفتعلتها الدوائر المرتبطة مع الأدارة الأمريكية والأحتلال ببرنامج واحد على أرض الرافدين ، يجب الأنتقال من الشعور بالكبرياء ، لدعم مثل هذه المواقف الوطنية ، التي يمكن أن تكون محطات على طريق التحرير .
كما لاتحتاج مسألة تعميم المواقف والتجارب القومية على أطراف الجسد القومي الواحد ، فالسيد حسن نصر الله حينما تحدث في خطابه يوم 8 نيسان عن الدولة اللبنانية وهو يقول : دولة لاتستطيع أن تفرض سلطتها على بقية المناطق إلا بالأعتماد على الأعداء ليست دولة . وكأن هذا الكلام هو نفس الكلام الذي يردده المواطن العراقي البسيط ! الذي سقطت أمامه كل الحواجز المانعة للوضوح والتي شوهت رؤيته الحقيقية خلال مرحلتي الأنتخابات والأستفتاء على الدستور . ولعل صورة الحكومات التي صورها السيد حسن مخطط لها وهذا ما نبه له الأخ الأستاذ المناضل كمال شاتيلا في لقاء له في تلفزيون المنار ( تحويل السلطات في الأقطار العربية الى سلطات حكم ذاتي تحت سيادة الحلف الأطلسي ) ، ولعل هذه الخلاصة من التجربة الأمريكية في المنطقة كانت وراء القرار الأيراني منع مرور طائرة المالكي في أجوائها . وقد أجاب المالكي من طوكيو على الموقف الأيراني كما أجاب على الموقف الشعبي في النجف حين عارض جدولة الأنسحاب الأمريكي ( وأعتبر النجاحات والأنتصارات !!!؟؟) هي التي تحدد رحيل الأحتلال ؟ وهذا معناه أن قوات الأحتلال لن ترحل قبل تحقبق أهدافها ؟
وذكر عسى تنفع الذكرى :
والسيد رئيس الجمهورية ، هو الآخر هاجم مسيرة النجف ، و( ندد ) بحق علم الأحتلال . فالمواطنين في مدينة النجف وغيرها من مدن العراق عبروا عن توفهم للحرية ، التي يجدون فيها الحماية لهم ولوطنهم ، والرافضين لهذه الحرية يجدون حماية أنفسهم وكياناتهم الخاصة في الأتجاه الأخر .. والغريب أنهم يتكلمون كثيراً عن الديمقراطية والوسائل السلمية للمقاومة ، وحينما يسلك الناس هذا السلوك يلجأون للتشويه والهجوم .
ونذكر السيد الرئيس بكلام له : ففي مقال لسيادته في جريدة " وول ستريت جورنال" قال :فالمألة الأساسية التي تواجه العراق يمكن أن تكون علنية والتعبير عنها بصوت عال هو أفضل من الهمس خلف الأبواب . ولجريدة الوطن السعودية بناريخ 3 / 11 / 2003 قال سيادته : إذا كان مقتدى الصدر يمارس حقه في الجو الديمقراطي الأن في العراق فلا بأس ، وحتى وإن كون حكومة ظل لايهم . وبعد أن أقتنع الناس بالمقاومة السلمية وكان لابد أن يتحولوا من أرهابيين الى مواطنين على حد قول الرئيس في نفس الحديث " لبسوا مقاومين وهي كلمة ترمز الى بطولة البولنديين خلال الحرب العالمية الثانية الذين قاتلوا بنبل محتليهم ، فالذين يقتلون محررينا الأمريكان ( والعاملين في الصليب الأحمر ومكاتب الأمم المتحدة ) ومركز الشرطة الأيطالية من الأفضل أن يطلق عليهم وصف ( عصابات ) فهم أرهابيون . "
وهؤلاء المتظاهرون قد أقتنعوا أيضاً بمقولة سيادته لجريدة الأهرام العربي في نفس الوقت : نعتقد بأنه لاالأمريكيون ولا أنكلترا ولا الأتراك أو الأيرانيون ولا أحد قادر على فرض الأمن والأستقرار في العراق ، إنما العراقيون أنفسهم قادرون على فرض هذا المن والأستقرار في وقتٍ متزامن .؟؟
إنسانية الفكر التحرري العراقي والعربي :
ولاأجد فضلاً لفكر دون أن يتمتع بروحه الأنسانية الأوسع ، فحينما نقرأ عن ثورات الشعوب والفكر الذي قادها ، نجد تلك الروح الأنسانية ، ولكن تنفيذ المخطط الأستراتيجي الأمريكي الأمبريالي الصهيوني الجديد تطلب أول ماتطلب الفصل بين الفكر (المحلي ) القومي والوطني عن الفكر العالمي الأنساني .. وهوكذلك من دواعي بسط ثقافة العولمة الهادفة لتقويض ثقافات الشعوب وتجاربهم المشتركة في المواجهات المصيرية ، ففي الثورة الفرنسية وثقافتها نجد فولتير يذكر مركيزة دي ديفان بهذه المسألة : لايقولن لي أحد : " ما الذي يعنيك من هذا ؟ " " أن كل ما يعني الجنس البشري يجب أن يمنا بشكل ٍ جوهري لأننا من الجنس البشري ـ ثم يتابع في مكان آخر ـ أن بين البشر تضامناً أخلاقياً سببه على وجه الدقة أن البشر متشابهون أخلاقياً ، وأن في كل فرد منهم غريزة أخلاقية ، وأن كل أنسان منهم يستطيع ، في شعوره الشامل بالعدالة ، أن يشعر بالظلم الذي يقع على أنسان أخر . "
اذاً لننطلق معاً:
أننا نحتاج للتصلب في وحدتنا .. وثقافتنا الموحدة .. وتوجهنا الواحد ضد العدو الواحد ، ومثلما يحاجج بعض الأخوة بالموقف السعودي في مؤتمر القمة الأخير ! فإننا نحاجج بمقاومة الصهيونية ، ومقاومة الهيمنة ، ومقاومة الأحتلال . وأن نتعامل بظواهر الأمور ـ الحقيقية ـ دون أن تنتابنا مشاعر البحث عن ( الغيبيات ) !! فالتعامل بجدية مع الأحداث الدائرة لابد له أن ينقلنا الى محطة جديدة على طريق التحرير المشترك .
ولربما كانت كلمة طيبة لطيفة .. أكثر تأثيراً من ألفِ طلقة طائشة .. أن ما يحدث في كل العراق ولكل العراقيين نزيفٌ مقصود به وأد هذه البلاد والقضاء على روح أبنائها الوثابة نحو الجديد .. لابد أن يكون لما يحدث في النجف صدىً في الأنبار .. وما يحدث في الموصل يكون له نفس الصدى في البصرة وكربلاء .. وتلك مهمة الوحدويين الموحدين الشرفاء .
بغداد ـ العروبة
11 نيسان ابريل 2007