سوق الصفافير و شرم الشيخ

د.عبدالكريم هاني

 

كانت أغلب أواني الطبخ قبل عقود تصنع من النحاس قبل أن تظهر الأواني المصنوعة من الألمنيوم (أو الفافون) , و كان النحاس يطلى بالقصدير (أو القلاي) لمنع تأثير النحاس في الطعام و لتغطية الصدأ الذي يصيبه و معالجته و تسمى هذه العملية "البياض" و يدعى العامل الذي يقوم بها "المبيّض". و كان المعتاد أن تنقل القدور و الطشوت و الصواني النحاسية الى سوق الصفارين حيث يجري إكساؤها بالقلاي ثم يقوم صغار العاملين في السوق بتلميع الأواني بواسطة قشور الرز فيقف العامل داخل الإناء و يستند الى مسند يساعده حين يحرك القشور تحت قدميه ليكسب الآنية بريقا مغريا. و كانت هذه الحركات و نقل الآنية الى السوق و عودتها منه تشكل مراسيم تغري الأطفال و تلذ لهم متابعتها .

لا شك ان الكثيرين سيسألونني مستنكرين : ما علاقة هذه القدور و الطشوت و سوق الصفارين بمؤتمر  قامت له كل هذه الطنة و الرنة حتى لقد حضرته كرواتيا و غيرها من الدول التي لا تقل عنها أهمية و خطورة في الشأن العراقي ؟! و لكن مهلا ,فإن هذه الطنة و الرنة و الضجة التي صاحبت "زفة" مؤتمر شرم الشيخ  قد ذكرتني بكل هذا إذ لم أجد ما يشبهه إلا "البياض" و "المبيّض" إياه ! فالمؤتمر قامت الدعوة اليه لتبييض ثلاثة و رفع الزنجار(الصدأ) الذي لحق بهم جراء التخبط في وحول مستنقع الفشل , و الثلاثة هم الإدارة الأميركية و الاحتلال و ثالثتهم عمليته السياسية (او عميلته لا فرق) بالإضافة طبعا الى الوجوه (المزنجرة) التي تحمل الصدأ خلقة. و لعل هذه الرغبة في "التبييض" هي التفسير الوحيد لكل الزفة الإعلامية التي قدمت المؤتمر و كأنه فتح الفتوح .

غير ان العين الفاحصة حين ترى الذين اجتمعوا بادعاء بحث أحوال العراق لا تلبث أن ترتد استنكارا و اشسمئزازا حين ترى الموجودين بالرغم من العناوين الساحرة و الخلابة التي منحوهاا لأنفسهم  و لعملهم, فقالوا انهم يضعون ما سموه عهد العراق !! "من أجل دعم الشعب العراقي . . . و من أجل دعم الوحدة الوطنية و استعادة الاستقرار الداخلي . . . و تعزيزسيادة و استقلال العراق ."  لكننا نتلفت بين الوجوه فيخنقنا الرعب و يدفعنا للتساؤل بغضب و عجب   كم من هؤلاء الحاضرين الذين يبكون على حال العراق اليوم و يريد إنقاذ أبنائه قد شارك في النحضير للعدوان على العراق ؟ من منهم أرسل قواته و صواريخه, و من منح للغزاة التسهيلات و القواعد و من تواطأ علنا و من تواطأ سرا و من صفق عن بعد  فرحا أو شماتة بتدمير العراق الذي يتظاهرون اليوم بالرغبة في إعماره؟ ثم نلتفت الى الجهة الأخرى لنبحث عمن يمثل العراق , و تصدمنا بين الوجوه صور "الأبناء" العاقين الذين كانوا يطالبون دائما بتشديد الحصار الجائر و إطالة أمده حتى بلغت ضحاياه أكثر من مليون بينهم أكثر من نصف مليون طفل ماتوا بسبب الجوع و انعدام الدواء اللذين كان يصفق لهما هؤلاء "الأبناء" و لعلهم كانوا يقولون مع "عمتهم" في ذلك الحين ان الثمن يستحق, و الذين حفيت أقدامهم و هم يتنقلون من عاصمة الى عاصمة و بح صوتهم في دوائر مخابراتها يحاولون إغراء قادتها بكل وسائل الإغراء لغزو العراق. كل هذا لا يهم ! المهم هو الاجتماع و اللقاء مع العمة الجديدة ليتم "التبييض".

1- و حاءت توصيات السادة الحضور في البيان الختامي بعد ارتياح العمة ربة البيت فبدأت بـ "إعادة تأكيد سيادة العراق و وحدة أراضيه و وحدته الوطنية و هويته العربية و الاسلامية و عدم جواز انتهاك حدود العراق المعترف بها دوليا " و ألمطلوب أن ننسى و ينسى العالم معنا أن أغلب الحاضرين ساهم , و ما زال يساهم في انتهاك كل كلمة في هذه المادة!

2- المادة الثانية بيت القصيد و الغاية العظمى لعراب هذا الجمع : "المساندة الكاملة لجهود الحكومة الدستورية المنتخبة و مجلس النواب العراقيين." لا شك أن من هيأ لهذا الجمع قد بذل جهودا كبيرة لضمان أن لا يرى أحد من الحضور , إن حاول أحدهم البحث , الملايين الأربعة الذين تقول المنظمات الدولية انهم اضطروا للنزوح من مساكنهم داخل العراق أو خارجه و لا يرى أيضا أو يسمع عن أكثر من مليون عراقي فقدوا حياتهم تحت ظل الاحتلال و ممارسات الحكومة التي يشيد الحاضرون بجهودها و يطلبون لها "المساندة الكاملة." الحكومة التي تقطع مياه الشرب عن المدن العراقية (المارقة.)

3- إدانة جميع أنواع الإرهاب (طبعا باستثناء إرهاب الدولة تمارسه مليشيات الأطراف المشتركة في "الحكومة الدستورية" و الذين "بزي قوات الحرس الوطني أو الجيش" و قوات الاحتلال.)

4- لست أدري كيف وقّّّعت العمة كوندي على المادة الرابعة التي تطلب "إعادة تأكيد التزام جميع الدول اتساقا مع القانون الدولي و الاتفاقات الدولية . . . الخ" فلسنا  و لا العالم بحاجة لنتذكر جميعا أو لنذكرها بسجل حكومتها في خرق اتفاقيات جنيف و غيرها في هذا المجال.

5- المادة الخامسة نكتة تصلح للترفيه! :"مساندة جهود الحكومة العراقية في . . . ضمان أمن و أمان الشعب  العراقي !" ألم أقل لكم ان الجهود قد بذلت كي لا يرى أحد ملايين العراقيين النازحين و المليون القتلى؟ فلنساند الحكومة في جهودها لعلها تنجح في دفع الباقين للنزوح الى وطن بديل. و تتضح النكتة أكثر في المادة السادسة التي "تشيد بالحكومة العراقية و تشجيع التزامها بحماية الشعب ( نعم حماية!! ). . . و تفكيك جميع المليشيات . . . الخ " لكن الواشنطن بوست رغم هذه الإشادة الثمينة تقول ان إدارة المالكي قد ساهمت في التحريض على فصل ضباط الأمن الكبار الذين تحركوا ضد احدى المليشيات الكبيرة, بحيث تقول الصحيفة ان سكوت بوش عن هذا التخريب لخطته يلفت النظر.

8- المادة الثامنة "تشجيع كل السلطات العراقية المعنية و ذات الصلاحية للاستمرار في اتخاذ خطوات بناءة نحو مراجعة الدستور " , هنا يجب أن نعود الى اللغة فالاستمرار يعني وجود عمل سابق يطلب الاستمرار فيه و نتساءل متى و أين بدأت الخطوات "البناءة" أو غير البناءة نحو هذه المراجعة؟ فلقد مرت أكثر من سنة و نصف منذ أقر مشروع الدستور بعد أن أضيفت اليه في آخر لحظة مادة تجيز إعادة النظر في بعض مواده خلال أربعة شهور , و نجحت هذه المادة في زحلقة بعض الأطراف التي كانت تتمنع في المصادقة عليه  لكنها أهملت بعدها ,ثم أقر المجتمعون في مقر الجامعة العربية  في القاهرة فيما سمي باللجنة التمهيدية للمصالحة و الوفاق الوطني في بيانهم في 27/7/2006 ضرورة إعادة النظر في الدستور, لكن الأمر أهمل بعد انتهاء "الزفة" التي كانت مطلوبة لخدمة الإدارة الأميركية في برنامجها السياسي و التي جرى توقيت عقد المؤتمر لخدمتها . لكن العمل يجري مع ذلك بإصرار لتثبيت أغلب النقاط المختلف عليها و الإسراع بتشريع القوانين التي تسهل تنفيذها بحجة النصوص الدستورية بالرغم من مطالبة الكثيرين بتعديل تلك النصوص , بل النص على إعادة النظر بها حسب نص المادة المشار اليها.

11- "حماية و مساعدة النازحين العراقيين و مساعدة الدول المجاورة للعراق في التعامل مع احتياجاتهم العاجلة و المنظورة. " هنا تمكن الحاضرون أن يروا النازحين , لكنهم لم يروا أصل المشكلة التي دفعت بهؤلاء لترك ديارهم أو لعلهم لم يريدوا إغضاب الفاشلين الحاضرين أو إحراجهم بمطالبتهم بإعلان فشلهم في حماية أرواح العراقيين و ضمان "الأمن و الأمان" اللذين مر ذكرهما أعلاه. الغريب أن دولا بعينها لم تجد حرجا في مطالبة "الدول المجاورة . . . في التعامل مع احتياجات" هؤلاء , بينما يقف العراقيون في نقاطها الحدودية ينتظرون موافقة أجهزتها على دخولهم و تتزايد الإشاعات عن نيتها إخراج جميع الموجودين منهم داخل أراضيها.

لقد تعامل جميع الحاضرين مع قضية "النازحين" العراقيين و كأنها نتيجة كارثة طبيعية طارئة كالتسونامي مثلا, و هي تسونامي نعم ولكنه تسونامي الإرهاب تمارسه أجهزة ترتبط بسلطة الاحتلال و الحكومة التي أقامها هذا الاحتلال و التي يطلب المجتمعون مساندتها في فشلها في كل جوانب إدارتها السيئة لأوضاع العراق , و لعل ذلك مما تتطلبه عملية "البياض" التي اجتمع المؤتمر لأجلها  حتى أن الواشنطن بوست تقول "كلما فشلت حكومة بغداد في اختبار يمنحها بوش تمديدا في المواعيد و ينزل من مستوى طلباته. بل انه على العكس يرى (علامات الأمل ) في الوضع الأمني في بغداد الآن و يدعو الأميركان  لمنح سياسته الفاشلة مزيدا من الوقت." بل لعل من علامات هذا النجاح ما تعهدت به "الدول المانحة" من شطب بعض الديون و تقديم مساعدات , و هي تعهدات تكرر تقديمها طيلة السنوات الماضية لكنها تتلكأ أمام عجز الحكومة عن تنفيذ تعهداتها . و المبلغ الذي خرج به المؤتمر لا يكاد يوازي المبالغ التي نهبتها الأجهزة التي أقامها الاحتلال بأسمائها المختلفة سواء "سلطة الإدارة الموقتة CPA, أو الحكومة الموقتة أو ما بعدها , و كان على "قادة" العملية السياسية أن يضعوا حدا للنهب المنظم الذي يقوم به العاملون على امتداد الهرم الإداري بدلا من  تسول المعونات من أقطار العالم المختلفة.

لم ير أحد من الحاضرين أو يشعر بوجود الاحتلال و لا رأى له مسؤولية في كل ما أصاب العراق من مآس و كوارث أحرقت الحرث و النسل طيلة أربع سنوات عجاف, و لم يجد أحد الشجاعة للقول ان الحل الوحيد لكل هذه المصائب هو خروج المحتل و "أدواته" و التوقف عن قصف المدن و اقتحام البيوت, بل اننا نلمس بين سطور كثير من مواد البيان الشكر و الامتنان لما تقوم به قوات الاحتلال و الاستعداد "لمساندتها في جهودها لتحقيق نظام سياسي ديموقراطي."

16- في موضوع المحاكمة كنا نتمنى أن نرى أو نسمع المطالبة بمحاكمة مجرمي الحرب الجدد الذين ما زالوا يشنون الغارات على المدن بهدمون المدارس و البيوت ويقتلون الأطفال و المدنيين العزل و يقطعون عنهم المياه و مواد الإغاثة و المواد الغذائية .

يبقى الإعمار و إعادة الإعمار اللذين كانا اللافتة المغرية لكل طلبات المعونة و المنفذ السهل الذي تتسرب منه كل المليارات, آخر ما في باب الفضائح هذا حديث أمين سر صندوق إعمار العراق لصحيفة تورونتو غلوب اند ميل ( و هو كندي ) فقد قال انه لم يعد يعتقد أن بالامكان انقاذ العراق, إذ كيف يمكن لمجهودات الاعمار أن تنجح و هي غارقة في الفوضى , فقد تُركت لجنة بيكر هاملتون الأميركية تائهة بعد تقديم تقريرها و اهملت توصيتها "ان على الولايات المتحدة أن تعمل بالتعاون الوثيق مع القيادات العراقية لتحقيق أهداف واضحة . . . فيما يتعلق بالمصالحة و الأمن و الإدارة", و هم أجبروا العالم على أن يتساءل ماذا إذا كان الأميركان يعملون طيلة أربع سنوات إن لم يحققوا هذا ؟ و يبدو أن الإعمار قد سار في عالم مقلوب للأسف حسب قوله. لكننا نطمئنه أن الإعمار مستمر : في بناء جدران العزل الترابية و الكونكريتية و حفر الخنادق تفصل القرى و في قصف الجسور و نسف الأنفاق و ما يخبئه المستقبل سيكون أعظم.

أكد البيت الأبيض أنه راض جدا عن مؤتمر العراق  و أنه راض تماما عن النتائج التي خرج بها المشاركون في المؤتمر . عندنا في العراق مثل يقول " العروس تمدحها الماشطة " و الماشطة كانت في صدر الاجتماعات ترعى بضحكتها كل القرارات.

8/5/2007