الهزيمة المنكرة
ادهم عبدالرحيم عبدالباقي
ان عدم الاعتراف بالهزيمة ليس بالشيء المنكر ، وهو ليس منطقا معاكساً لرؤية الانسان الذي جعله الله خليفة في الارض ، كما ان عدم الاعتراف بالهزيمة شيء ذاتي لدى الانسان العربي الذي تكونت شخصيته وقيمه من خلال رسالة الاسلام التي شرحت له بأن للفئة القليلة امكانية الغلبة والنصر ، وان الاعداد للقوة واجب روحي قبل ان يكون واجبا دنيويا ، وان لا يهن ليتكون الاصرار الذي يستجلب النصر النهائي فيكون الاحباط والاستكانة شيئا مخالفا لحقيقة الرسالة التي يؤمن بها ، وكذلك منطق الاشياء الظاهرية صنوا للضعف والهزال اللذان يجهزانه ويهديانه دوماً لتقبل المزيد من الضربات الخارجية التي تنهك تماماً وتحيل الواقع الى فتات من الركام والانحدار .
لقد جمع الاعداء كل العناصر والاسباب التي تمكنهم في احالة المواطن العربي الى مواقف العجز والخوار مع صنع سواتر ضبابية تمنعه من التفتيش عن مكامن القوة التي ربما يمتلكها ، وهو بالفعل كذلك ، رغم توفر قراءات سردية منقولة نصا لما يريده الآخر ، من مثل : اننا نعيش في عالم معرفي عظيم يمتلك من الوسائل والتقنيات ما يجعلنا لصيقين بعصر الزراعة مع استمرارية ثوابتنا القديمة المتمركزة في دونية الاحداث ، فيتعذر علينا النجاح في مواجهة الصعاب وقراءة أخرى مثل : ان التغيرات المتسارعة الخارجية وسقوط القطب السوفيتي واستفراد الولايات المتحدة الامريكية ، مع توارث انظمة تعليمية وتربوية خاملة وكاسدة ، كرست درجات العجز الكبير في داخل شخصية المواطن العربي ، وقد تكثر القراءات ، حتى تأتينا قراءة أخرى معاكسة ، ومن فم امريكا عضو في مجلس الشيوخ ، حيث قال : ( لقد استطاع هذا البدوي المتخلف ان يظهر ضعفنا وهشاشتنا ) والمقصود هنا ( اسامة بن لادن ) الذي اظهر ان القدرة موجودة فعلا اذا كان بالامكان توظيف هذه القدرة عبر وسائل تحيل وتغير مفهوم القوة المجردة الى قوة للموقف ، كقصة الفيل والفار المشهورة ، مع عدم تغييب المعرفة التامة بالمناورة وسرعة الدخول والخروج ودراية تامة بقراءة المواقف بطريقة تفريخ الاحتمالات ، وكذلك خلق مناطق صراعات متناثرة مزيفة تعطي مجالا كبيرا للاختراق .
ان مفهوم القوة الجديدة التي تظهره وتعربد بها امريكا ، يسمح للمواطن العربي ان يلعب دورا كبيرا في مواجهة الاحداث اذ استطاع الركوب على خيول ناجحة ، مع لفظلً تامت لمفهوم القوة القديمة وثقافتها والتي تختصر بحرباً او سلاماً ، ألم تبقى كوريا ولم تزل رغم فقرها وضعفها ؟
ان احساسا مزيفا بالهزيمة هو الذي يمنع الانسان العربي من التفتيش عن مراكز الضعف في الآخر الامريكي ، الذي احيط بهالة جبارة من الدعاية والاعلام مع محاولات رخيصة للدفع باتجاه تناسي هزائمها المتعددة من فيتنام وكوبا ، مرورا بلبنان والصومال .
ان هذه الدولة الامريكية التي ابتلعت بلادنا لا تستطيع ان تجرب حظها الا مع الدول التي تنتمي الى العالم الثالث ، حيث تعد سياساتها على ( البلطجة ) والاخذ بالقوة من الدول الضعيفة لانتشال الحمار من ورطة التكنولوجيا التي بدأت تنحسر لديها مقارنة بالدول الاخرى ، من ورطة الاقتصاد وتعاظم درجات العجز في ميزانيتها وميل اقتصادها لأن يكون خدميا أكثر منه انتاجياً ، من ورطة الاستدانة من اليابان واوروبا ، من ورطة التحول الكبير للبنوك الاجنبية الى اليورو ، من ورطة الطلب الاستهلاكي المتعاظم للاستيراد من الخارج ، ولا ادل على بلطجة هذه الدولة المزيفة الا استمرارية طبعها لعملتها بدون توفر الرصيد الكافي وذلك لتغطية الاستيرادات الخارجية مع حقيقة استجدائها اوروبا للصرف على جنودها في العراق .
ان الحقيقة التي يجب استنتاجها وقراءتها وفهمها هو ان ذعراً كبيرا في اواسط الـ (5%) من الشعب الامريكي ، الاثرياء ، الصقور ، الصهاينة الجدد ، اصحاب الشركات العملاقة ، القوة المسيطرة الوحيدة ، جراء البناء الاوروبي الذي يرقى لأن يكون قطباً آخراً مضاداً والذي يستورد (80%) من مقدراته البترولية من المنطقة العربية وايران ، هذا الذعر كان دافعاً لدخول امريكا المنطقة العربية وقترابها ايران ليكون ذلك تهديداً مباشرا للدول الاوروبية ، احساساً من امريكا ان هناك لعبة كبيرة وخفية يتم اعدادها من قبل الصين والمانيا واوروبا عبر منح المزيد من البضائع الاستهلاكية والقروض لإيصالها الى حافة الهاوية .
هذه اللعبة تتطلب من المواطن العربي وجميع القوى العربية والاسلامية الرافضة التطلع لفتح المزيد من دوائر الصراع لاشغال هذا الحمار أولاً ، واستنزافه ثانيتً ، وطرده كأي غريب مر على ارضنا العربية وانتهى .