رفقاً بالبصرة
حسين الربيعي
منذ صباي عرفت مدينة البصرة .. و أحببتها ، فقد ظلت لفترة طويلة هدفاً لرحلات عائلتنا ..ثم رحلاتي في مقتبل شبابي ، أحببت فيها كل شيء .. شط العرب .. الكورنيش و التنومة و جزيرة السندياد ، احببت فيها بساتين النخيل و السمك الزبيدي ، و فيها فقط اتذوق الجبن المظفور و اتلذذ بالتمر المطبوخ .
مدينة البصرة اواسط الستينات تملك من الجمال .. و من المتنزهات و المناطق السياحية مالم تمتلكه بغداد ، بل انها المدينة التي لا تضاهيها في ذلك الوقت مدينة أخرى في الخليج ، كانت بمثابة دبي في يومنا هذا ، اليها يحج الخليجيون .. ان لم نقل كل يوم فعلى الأقل كل أسبوع فتمتلئ شوارعها و فنادقها عصر الخميس بالاكثرية من أبناء الكويت .. و تملأ سياراتهم الشوارع ، كانت السوق و المتنزه و المدينة الآمنة التي يقضون فيها عطلهم الاسبوعية و يتسوقون من خيرها و خير العراق . كانت البصرة مدينة منفتحة و نظيفة و حضارية ، لا تكاد تراها عين حتى تتمنى العودة اليها ، كل شئ فيها حلو و جميل تمرها و سمكها .. بساتين الكرمة و تراب الزبير ، كان ذلك يوم كان أسمها ثغر العراق الباسم .
البصرة لم تبخل عليها الحكومات القديمة بالاهتمام ، الذي كان يفوق الاهتمام بالعاصمة . كانت مصدر الكثير من الخير الذي عم العراق .. نفطها و ما توفره موانئها العامرة . وأستمر هذا الاهتمام حتى أوائل الثمانينات ، حتى داهمها الشر على يد الدكتاتور و أعداء ألشعوب من مثيري الحروب ، عندها أنتهى الأهتمام بها .. إلا الشؤون العسكرية فأصابها الخراب والدمار وتقطعت رؤوس نخيلها ، ودب الهلع و الخوف والموت ، وأستمرت معاناة أهاليها ثمان من السنين العجاف . و حين حل السلام في 8 / 8 / 1988 ، عادت اليها الحياة مبكرة ً، فأهالها رجال و نساء يعبدون العمل ، فكانت عملية اعادة بناء مدينة الفاو ، و وعد النظام أن تجري فيها مشاريع متعددة لتنقية المياه ، و توسيع المطار ، واصلاح شبكات الخدمة و تنشيط مشاريع الري و الزراعة ، و تشغيل معمل الحديد و الصلب .. الخ .
و لكن هوس الدكتاتور و أحلامه ، بل و أوهامه حولت أطماعه نحو الكويت و ثرواته ، فوقع العراق كله في الفخ الامريكي ، و كانت البصرة تتحمل ألوزر الاكبر ، خصوصاً بعد هزيمة صدام أثر الانسحاب من الكويت ، و تحملت البصرة ايضاً واجبها الوطني فانطلقت منها الانتفاضة و قدمت بسببها المزيد من أبنائها قرابين لهذا الوطن . و أستمر الجور بها بالمطرقة و السندان . النظام من جانب و القوات الامريكية من الجانب الآخر .. و دام هذا الطرق لأثني عشر عاماً .
البصرة قاتلت قبل غيرها ، بل هي أول من واجه الاحتلال ، و قاتله قبل ان يسقط النظام الدكتاتوري وتحتل بغداد بعشرين يوماً . وحينها تصور الطيبون من أهلها ان مدينتهم ستعود كما كانت ثغراً باسماً .. او هكذا كان يجب ان يكون ، و تحدث بعض مثقفيها عن الحكم الذاتي و الفدرالية .. ظناً منهم انه الحل .
لكنهم لم يصيبوا ، وأصبح الحل مصيبة أكبر ، و عمت الفوضى ، وكان خلف بؤس مدينتهم النفوس التي تبدلت ولاءاتها .. و تعددت هوياتها .. و غيرت أسم مدينتهم من ثغر العراق الباسم .. الى ثغر العراق البائس .. و حتى تهدأ النفوس و تعود للحكمة و الموعظة الحسنة و يعود الانتماء الوطني الخالص ، ويرحل الاشرار ، عندها سوف يرحل البؤس عن ثغر العراق ، و أهله .. لتحل البسمة و الكلمة الطيبة و الوحدة و الرزق الوفير باٍذن الله .
نشرت في جريدة الموقف البغدادية في عددها 19 الصادر في 22 نيسان 2007 الموافق 5 ربيع الثاني 1428