الناصرية .. الأختيار الثالث/2

 أشتراكية عبد الناصر

جذورها ، مسيرتها ،إستمراريتها

حسين الربيعي

مسيرتها :

لقد كان الأستقلال السياسي يجري جنباً الى جنب مع الأستقلال الأقتصادي والأجتماعي الذي  يهدف الى تقليص الفوارق بين الطبقات الأجتماعية " الحرية لاتكون إلا إذا تحررت الأرزاق وتحررت لقمة العيش .. وشعر كل فرد أنه يعيش في وطن تتكافأ فيه الفرص ، ويستطيع أن يقول ما يريد أن يقول ، لايعيش مهدداً في رزقه أو في أولاده أو في مستقبله ـ جمال عبد الناصر 19 / 9 / 1955 "

وإذا كان ماذكرناه على لسان قائد الثورة والتجربة ، فإننا  سوف نتنقل بين وجهات نظر متعددة عاشت مع الثورة أو لها رآي فيها ، وهاهو أحد القادة العماليين يقول " وجاءت الثورة .. وحصل الفلاحون على قانون الأصلاح الزراعي أسبق القوانين وأكثرها إلحاحاً لِما عرف عن أساليب الأقطاع في إذلال وسحق العامل الزراعي ، بينما كانت رؤية الثورة للحركة العمالية مازالت في دور التكوين .. إلا أن هذا لم يمنع من سن بعض القوانين التي تعالج قصوراً ما أو تحمي العمال من ظروف معينة ـ جمال البيشبيشي ـ أوراق منسية من نضال العمال " .

ومن الجدير بالذكر أن قانون الأصلاح الزراعي ( في مفهومنا الأقتصادي ) الخطوة الأولى في طريق الأختيار الأشتراكي " وفي هذا السياق يُذكر أن الإصلاح الزراعي المصري في عام 1952 كان ( معجزة ) قياساً على ظرف الزمان والمكان الذي حدث فيه . فلم يترتب على التغيير الكبير والواسع في شكل الملكية الزراعية ( التأريخية ) في مصر ، أي تدهور في الأنتاج .. بل زاد الأنتاج الزراعي ، على عكس ما حدث في البلدان النامية التي طبقت تغييرات في الملكية أقل إتساعاً وأقل تأثيراً ـ التقرير الناصري العام " وكان من ضمن الأهداف الرئيسية لقانون الأصلاح الزراعي الذي صدر بعد شهرين من قيام الثورة ، توجيه رؤوس الأموال الى المجال الصناعي ، وقد جاء في مذكرته التفسيرية " ينبغي لرفع مستوى المعيشة إستكمال التنمية الأقتصادية للبلاد ، وإستكمال تصنيعها بأقصى مايمكن من السرعة ـ عن ثورة 23 يوليو وحتمية الحل الأشتراكي ـ ميشيل كامل "

جاء التطور في التجربة والفكر الناصري الأشتراكي بشكلٍ تدريجي ، ولذلك فقد كان تأثيره يأتي بشكل طبيعي .. الذي هيأ لإشراك العمال في مجالس الإدارة وتخصيص أكثر من نصف مقاعد مجلس الشعب لممثلي العمال والفلاحين " بينما كانت رؤية الثورة للحركة العمالية مازالت في دور التكوين .. إلا أن هذا لم يمنع من سن بعض القوانين التي تعالج قصوراً ما أو تحمي العمال من ظروف معينة .. وأول هذه القوانين قانون رقم 165 لسنة 1954 الذي ينص على منع فصل العاملين تعسفياً ـ جمال البيشبيشي أوراق منسية من نضال العمال " " وفي 1955 صدر القانون رقم 513 والذي يسمح بتكوين النقابات لوكلاء رجال الأعمال .. وصدر القانون رقم 143 لسنة 1955 وينص على : في أي وقت يبلغ أعضاء نقابة المنشآة ثلاثة أخماس مجموع عمالها يعتبر الباقون أعضاء في النقابة ـ نفس المصدر السابق " . وصدر قانون العمل الموحد رقم ( 91 ) لسنة 1959 ، ثم جاء عام 1961 ليحمل للطبقة العاملة والطبقات المطحونة رياح الثورة الأجتماعية الكبرى فجائت قرارات التأميم وقرارات إشتراك الدولة بما لايقل عن 50% في عددٍ من المنشأت والشركات وقرارات تحديد ملكية الأفراد في تلك الشركات " وقد صدر كل هذه القوانين في يومٍ واحد فقط هو 20 مايس سنة 1961 ـ نفس المصدر السابق "

جريمة الأنفصال .. ردة على الخيار الأشتراكي الناصري :

 كان للقرارات الأشتراكية تأثير بالغ على المسار الثوري في عموم الوطن العربي ،وأفرز القوى صاحبة المصلحة في الثورة وأهدافها ، وخصوصاً الوحدة ، وذلك ما هيأ القوى المتنفذة على قطاعات الإنتاج من الرأسمالية الوطنية ( العربية ) المسارعة في إسقاط تجربة الوحدة " وفقدت الرأسمالية رشدها ، فسارعت الى ضرب الوحدة السورية بمؤامرة الإنفصال في أيلول سبتمبر 1961 ـ ثورة يوليو وحتمية الحل الأشتراكي ـ ميشيل كامل "

 فزعت قوى الأقطاع والرأسمال من القرارات الجريئة التي أتخذها عبد الناصر فراحت تخطط للأنقضاض على الثورة وأنجازاتها ، ولم ترى أفضل من أفشال المشروع الوحدوي الناصري ، ولكن ما يستغرب له بشكلٍ جدي تورط قوى ( أشتراكية ) في تنفيذ مؤامرة الأنفصال مما يضع مؤشرات سلبية على الألتزام بالفكر الأشتراكي لتلك القوى ، ويدهش كذلك للسرعة الفائقة في المواجهة التي ابدتها تلك القوى المتعددة الأتجاهات .. المرتبطة أراداتها بعواصم وحكومات أجنبية  " بعد شهرين من صدور هذه القوانين وبداية تطبيقها في مصر وسوريا ، حدث الأنفصال الذي مزق الجمهورية العربية المتحدة ـ أحمد حمروش ـ قصة ثورة 23 يوليو " .

ولم تنقص عبد الناصر الشجاعة في يومٍ من الأيام وهو يحدد الأخطاء التي تتعرض لها تجربته السياسية / ولكي يحدد طرق معالجتها " القوى الأنفصالية في سوريا هاجمت القرارات الأشتراكية ، وجمال عبد الناصر قال للشباب العربي يوم 2 أكتوبر : أخطأنا أولاً في أمتنا ، آمنا الى الرجعية وخدعنا بالرجعية .. وأخطأنا أيضاً في أننا هادنا الرجعية العربية .

القوى الرجعية لم تكن قد آفرزت ، فالفرز كان يتم من خلال مسيرة الثورة وخطواتها الجريئة في تنفيذ برنامج التحول الأجتماعي وفق أسس أشتراكية ، لتستعيد الثروة والحقوق التي أستحوذ عليها ( النصف من 1 % ) ، وحينما وجدت تلك القوى المتسللة للمواقع المتقدمة بتضارب مصالحها مع مصالح الجماهير التي عبرت عنها الثورة ، عبرت عن أنفصاليتها .. خصوصاً في سوريا " أحد هؤلاء ( مأمون الكزبري ) رئيس وزراء الأنفصالين .. كان آميناً للأتحاد القومي في دمشق ـ نفس المصدر السابق " .

الأنفصال كان بداية لطلاق نهائي بين البرجوازية والفكر القومي الأشتراكي الناصري ،كما إن الأتجاه الناصري لعبد الناصر خلق تحالفاً رجعياً ضد الثورة من الذين سُلبت مزاياهم كما نوهنا سابقاً ، وانظمت اليه مجمات منحرفة " هو ما يسمى بالطبقة الوسطى ، أبتداءً من أعيان الريف ، الى المقاولين ، الى بعض أصحاب المهن الحرة الى كبار المديرين والفنيين ورجال الدولة ـ عادل حسين ـ الأستمرار في الثورة الأجتماعية "

 وشهدت الفترة التي تلتها عدداً من القرارات والقوانين ، وقد تمحورت لدى عبد الناصر فكرة بناء قيادات جديدة قادرة على إدارة وحماية المكتسبات الأشتراكية ، ينقل أحمد حمروش بعض المناقشات في اللجنة التحضيرية للأتحاد الشتراكي  : يقول جمال عبد الناصر في اللجنة التحضيرية ( من الذي سيقوم بالقيادة ..؟ عندما نقول أشتراكية لابد لها من أشتراكيين .. أنا أريد للأشتراكية أناساً لاهم رجعيون ولاهم رأسماليون مُستغلون ) . وقد جاء في الميثاق ما يلزم العمل لغرض تحقيق نتائج تلك الدروس الصعبة التي أستخلصها عبد الناصر من تجربته تلك  " لقد قامت الثورة في مصر ـ قامت بها طليعة الشعب العامل . وفي عبارات لجمال عبد الناصر ( أحنا ما طلعناش أبداً نمثل الأقطاع أبداً .. ماطلعناش نمثل الرأسمالية ) وكان من أول إنجازات هذه الثورة قانون الأصلاح الزراعي . وواصلت الثورة عملها وصدرت قوانين يوليو 1961 وآغسطس 1964 . وأعلن الميثاق حتمية الحل الأشتراكي ، وإن الأشتراكية العلمية هي الصيغة الملائمة لأيجاد المنهج الصحيح للتقدم ، وأن أي منهاج أخر لايستطيع بالقطع أن يحقق التقدم المنشود . أولاً الأشتراكية هي سيطرة الشعب العامل على وسائل الإنتاج .وفي نفس الوقت وطبقاً للميثاق ، يعتبر الملاك الوطنيون في ظل الأشتراكية أحدى قوى الشعب العاملة. أن حقهم في الدخل القومي وفي المشاركة في السلطة السياسية داخل الأتحاد الأشتراكي العربي ليس أساسه مجرد ملكيتهم ، بل عملهم بأعتبارهم أحدى القوى العاملة في الشعب ـ د. وليم سليمان ـ الفلاح المصري وملكية الأرض" .

وجاء في الميثاق النص على ضرورة خلق جهاز قادر وكفوء يتحمل مسؤلية قيادة تنظيم سياسي معبر عن القوى التي يجب أن تمتلك وسائل الإنتاج " إن الحاجة ماسة الى خلق جهاز سياسي جديد داخل إطار الأتحاد الأشتراكي العربي يجند العناصر الصالحة للقيادة وينظم جهودها ويبلور الحوافز الثورية للجماهير ويتحسس أحتياجاتها ويساعد على إيجاد الحلول الصحيحة لهذه الأحتياجات " .

بعض الأنجازات بالأرقام :

 أستمر التخطيط الأشتراكي للموارد والحياه الأقتصادية ، رغم كل محاولات القوى "المتضررة" " من أصحاب رؤوس الأموال والأقطاع والقوى الأخرى لأيقاف العمل على توسيع القطاع العام وسن القوانين والقرارات لدعم وتحقيق البناء الأشتراكي ، فقد تحقق بالأضافة لقرارات التأميم عدة قرارات من آجل تحقيق تلك الغاية " وفي عام 1963 صدر القانون رقم 15 بتحريم ملكية الأجانب للأراضي الزراعية .. أما ما يخص العمال .. فقد صدر يوم 19 يوليو 1961 القانون رقم 111 بتخصيص 25% من أرباح الشركات المساهمة للموظفين ـ جمال البيشبيشي ـ أوراق منسية من نضال العمال " " في 6 يناير 1964 أبحت هذه المشاركة في الأرباح شاملة المؤسسات العامة والشركات ذات المسؤلية ـ نفس المصدر السابق " .

 بدأ الأستغلال يهوى أمام الضربات المتتالية ، من خلال سحب الأمتيازات التي كان يتمتع بها ، وهي قوة المال ولذلك فقد صدر في آذار مارس 1964 بتوجيه الأموال الخاصة بالتعويضات عن عمليات التأميم لأستثمارها في خطة التنمية " أنهيت مشكلة التعويضات عن التأميم وقامت بعملية تصفية للأمتيازات القديمة التي لم يكن منها مفر . ولم يكن توجيه الضربات الى الأستغلال موقفاً سلبياً ولكن تحويل رأس المال الضخم ـ آداة الإستغلال الرئيسية ـ الى الإنتاج العام ، والخدمة العامة كان من أبرز نقاط الإرتكاز للعمل الوطني الأيجابي ـ جمال عبد الناصر آذار مارس 1964 " . ولم يقتصر  الأنجاز الأشتراكي  التنموي " في المجال الصناعي والمالي وحده ، فلقد كان قطاع الزراعة يتحمل مسؤلية " توفير سلع للتصدير من خلالها يمكن توظيف مردوداتها لأغراض التنمية ، فأدى ذلك "أن توجه الزراعة توجيهاً أقتصادياً " يهدف " الى توفير الفائض في العملية الصعبة الذي يسمح بمواجهة متطلبات الخطة القادمة للتنمية ـ ميشيل كامل ـ ثورة يوليو وحتمية الحل الأشتراكي " .

ومع إنخفاض عدد ملاك الأراضي الزراعية الذين يملكون أكثر من 50 فداناً الى نحو ( 15,2 بالمائة من مساحة الأراضي الزراعية ) بتأثير تطبيق فانون الإصلاح الزراعي بعد أن كان عدد الملاك الذين يملكون أكثر من 50 فداناً (34,2 ) وعدد الذين يملكون خمسة أفدنة (35,4)بالمائة ـ نفس المصدر السابق .

نقل لنا أحمد حمروش في "قصة ثورة 23 يوليو" هذه الأرقام المتحققة في مجال الصناعة فقط عن هذه الفترة  كما يلي :

" الدخل المتولد في الصناعة ، حجر الزاوية في تطوير أقتصادنا القومي أرتفع خلال الخطة الخمسية الأولى 1960 ـ 1965 من حوالي 256 مليون الى 385 مليون بنسبة تزيد عن 50 % بمعدل أرتفاع 10 % سنوياً كما وردت في كتاب ( سنوات التحول الأشتراكي ) لعلي صبري .

 كانت التجربة الناصرية تتطور بشكل ٍ تلقائي مع متطلبات الغالبية الفقيرة من أبناء الشعب من العمال والفلاحين المحتاجين للتنمية التي تستطيع أن تنقذهم من أحتكار وسيطرة الأخرين ( كما قلنا سابقاً ) ، فقد جاء في الميثاق " رأس المال في تطوره الطبيعي في البلاد التي أرغمت على التخلف ، لم يعد قادراً على أن يقود الأنطلاق الأقتصادي في زمن نمت فيه الأحتكارات الرأسمالية الكبرى في البلدان المتقدمة ، أعتماداً على أستغلال موارد الثروات في المستعمرات " " أن العمل من أجل زيادة قاعدة الثروة الوطنية لايمكن أن يترك لعفوية رأس المال الخاص المستَغل ونزعاته الجامحة " "الرأسمالية المحلية الكبيرة أستطاعت أن تحول نتائج الثورة الى أرباح لها " " لقد كان عبئاً لافائدة منه أن يدفع الشعب تكاليف الحماية ليزيد أرباح حفنة من الرأسماليين " "إن ذلك يضع نتيجة محققة أمام إرادة الثورة الوطنية ، لايمكن بغير الوصول اليها أن تحقق أهدافها . وهذه النتيجة هي ضرورة سيطرة الشعب على كل أدوات الإنتاج ، وعلى توجيه فائضها طبقاً لخطة محددة " " التخطيط الأشتراكي الكفء هو الطريقة الوحيدة التي تضمن أستخدام جميع الموارد الوطنية والطبيعية والبشرية بطريقة عملية وعلمية وإنسانية ، لكي تحقق الخير لجموع الشعب وتوفر لهم حياة الرفاهية " .

ومع ذلك فإن المؤشرات السلبية كانت تؤشر على أن الملكيات الصغيرة ( خمسة أفدنة ) ملكيات غير مستغلة كونها لم تستخدم عمال في الزراعة وأقتصارها على أفراد عائلة المالك . ومع ذلك فإن هذا الشكل من الملكية الشكل الأكثر قرباً للصورة الأشتراكية .لذلك برزت مهمة تنظيم وتوجيه الزراعة من خلال النظام التعاوني الذي يتطلب جمع كل (1500) فدان لغرض رعايتها علمياً وميكانيكياً من خلال التخطيط على نطاق القرية " هذا الى جانب الإتجاه الغالب في قيادة الثورة الى عدم توزيع جميع الأراضي التي تستصلح ـ حالياً ـ ومستقبلاً بمياه السد العالي ، حتى يمكن زراعتها باستخدام أحدث الأساليب العلمية ، وعلى نطاق الوحدات الكبيرة كقطاع عام ـ ميشيل كامل ـ ثورة 23 يوليو وحتمية الحل الأشتراكي           

الهجوم الخارجي على المشروع الأشتراكي الناصري :

كان واضحاً لدى عبد الناصر أن حرب حزيران يونيو 1967 كانت مؤامرة كبرى هدفت القضاء على روح المواطنة العربية بخطها الأشتراكي ، بعد أن أمتدت " أشتراكية عبد الناصر " بأسلوبها وأهدافها في غير قطرٍ عربي ، فالقرارات التي أصدرها المرحوم طاهر يحيى ( رئيس وزراء العراق 1964 ) القاضية بتأميم عددٍ كبير من الشركات والمنشأت الصناعية والمالية تابعة للرأسمال الأجنبي والمحلي ، ومشاركة العمال في مجالس الأدارات وتوزيع الأرباح عليهم .. كانت تجري وفقاً لمفهوم التجربة الناصرية ، وكانت الجزائر تسلك طريقاً مشلبهاً أطلقت له عنوان ( التسيير الذاتي ) كما طبقت ( مشاريع ) على نفس الخط في اليمن والسودان، وبدى وكأن عصراً عربياً جديداً أطل من خلال أقامة نظم تتجه نحو الأشتراكية ، "لهذا كان تحولنا الى الأشتراكية الذي أعلناه في يوليو 1961 أمر يهم الرأسمالية والأستعمار على المستوى الدولي ، ولايمكن أن تقف آثاره ونتائجه داخل حدودنا ، إن تطبيق هذا النظام لابد إذن وأن يكون هذفاً من أهذاف الأستعمار والرأسمالية ، خصوصاً وأنه بعد أعوام قليلة من بدء التحول ، بدأت دول أخرى في المنطقة العربية تنهج النهاج الأشتراكي وإن كان بطرق ودرجات مختلفة ـ دور العمال في مرحلة تصفية العدوان ـ د. عبد الرزاق أبو علم " .  وهذا لايخدم الأعداء وأدواتهم من شركات عالمية ورأس مال محلي وأقطاع ، خصوصاً وأن المشروع الأقتصادي ومشروع التحول الأجتماعي قد حققا نجاحاً بالغاً ، فكسبت مصر إستقلالها الأقتصادي بعد أن بلغت أستقلالها السياسي ، وأصبحت قوة عربية تمثل الأتجاه العام العربي المعبر عن طموحات جماهير الأمة ، كما برزت مصر وهي تقود فوة عالمية ثالثة بعيداً عن النفوذ أو الأنتماء لأحدى القوتين ( القطبين ) العالميين ( آنذاك ) .

أسرعت القوى المعادية من الدول المبريالية وأسرائيل لشن ماسمي بحرب اليام الستة لتدمير البرنامج الأشتراكي والقومي  التحرري الناصري .. يقول عبد الناصر نفسه وهو يعبر عن هذا المعنى : أنها مؤامرة مرتبة أستهدفت أساساً منع مصر من العبور أقتصادياً وأجتماعياً من نطاق العالم الثالث المتخلف للحاق بالعالم المتقدم والمعاصر . وأدركت القوى الثورية هذه الحقيقة " وقد مرت تجربتنا في البناء تحت نفس الظغوط التي تعرض لها غيرنا ، فالدول الأستعمارية حاولت أن تعيق تفدمنا بمختلف الوسائل ، وكانت أسرائيل عنصراً هاماً في هذا الظغط ، لقد ألتحم عندنا الظغط والتهديد الخارجي المباشر مع عامل التخلف الحضاري ، وتكون عنهما مزيج يدعونا الى سرعة التقدم ، والى أحتمال التضحيات من أجل هذه السرعة . فقد كانت واجبات الدفاع الثقيلة ضمن دوافعنا لأنتهاج أسلوب الأقتصاد الأشتراكي ، وكانت ضمن دوافعنا للأسراع في العمل بعد ذلك ـ الأستمرار في الثورة الأجتماعية ـ عادل حسين ".

حدثت النكسة .. ودار نقاش شعبي هائل ، وشاركت مختلف القوى السياسية فيه ، حيث توزعت الأهداف وفقاً للأنتماء الفكري والطبقي لتلك القوى والفئات " وقد كانت قضية الأستمرار في الثورة الأشتراكية من القضايا التي أحتلت مكاناً هاماً في المناقشات .. فبعض الدوائر قالت أن التطورات الأشتراكية في السنوات الماضية قد خلقت حالة من الفوضى والتفكك الأجتماعي أدت الى الهزيمة .. وهذه الدوائر ترى بالتالي إننا يجب أن نتراجع عن التقدم الذي أحرزناه في طريق الأشتراكية ـ ويتابع كاتب المقال بعد حين ـ لكن هناك كتابات تحمل أتجاهاً مختلفاً ، أذ تقول أنه يحدث أن يتعرض الوطن لعدوان من قوة أجنبية خارجية ، وإذ ذاك يظهر خط قتال جديد ، ويتغير توزيع القوى المتصارعة . وبأستثناء حفنة محدودة من الخونة التي ترتبط بشكل مباشر وثيق بالعدوان الأجنبي ، فإن معظم فئات المجتمع تقف بكل أختلافاتها موقف الدفاع عن الوطن على درجات مختلفة من الأستعداد للتضحية والمقاومة ـ الأستمرار في الثورة الأجتماعية ـ عادل حسين "  .

لقد أنحرف عددٌ من  السياسين الذين أغرتهم الرفاهية وأبعدتهم النعومة والرخاء عن حاجات الناس البسطاء وعن أمنياتهم العيش بكرامة ، وهذا الأنحراف أستطاع أن يفلت من الحساب تحت تأثير المستجدات الأضخم ـ تأثير النكسة ـ وأستطاع بعد عبد الناصر أن يقود ردة ضخمة وكبيرة هي ( ردة وانقلاب على مبادىء ثورة يوليو وأنتكاسة كبرى في نضال الأمة وزحفها نحو غاياتها في الحرية والأشتراكية والوحدة ـ التقرير الناصري العام )  . ومع ذلك فإن الصراع بين عبد الناصر وأعداء الشعب والأمة لم ينتهي حتى الأن ، كون إن قوانينه وقراراته لاتزال موجودة في الحياة اليومية للدولة والجماهير ، وخير دليل إن تغييراً في الأختيار الأشتراكي أحتاج لأربعين عاماً تقريباً .. ناهيك عن عجز أعدائه على تجاوز المكتسبات العلمية والعملية الثورية .. فقناة السويس مصرية منذ أن قرر عبد الناصر بأسم الشعب والأمة أعتبار شركتها ( شركة مساهمة مصرية ) ، والسد العالي يبقى عالياً واساساً لنهضة مصر ودخولها العصرين الأخيرين ( العشرين والحادي والعشرين ) مرفوعة الرأس .. والأهم من هذا وذاك يقين العربي في كل مكان أن مصر القلب النابض الذي بدونه لاصيرورة للأمة العربية .

كانت هناك بالفعل وسيلة وقرار ومسلك جاهز للأنقضاض على القرارات الجديدة من الطفيلين والمنحرفين عبر برنامج 30 مارس 1968 ، الذي جاء في الوقت نفسه رداً على النكسة العسكرية وحصرها في الجانب الحربي فقط ورفض أية تأثيرات سلبية لها على المسار السياسي وخصوصاً الأختيارات الأساسية .. القومية .. التحررية .. الأشتراكية ، وكان من المفؤوض العمل بموجب البرنامج بعد إنجاز " إزالة أثار العدوان " وهذا لايعني التوقف أو المراوحة دون التقدم في مسيرة التحول الأشتراكي ، ولكن التركيز كان ينصب على تعزيز الصمود العسكري وتهيأة القوات المسلحة المصرية لأستعادة مكانتها وثقة الجماهير العربية بها ، وكان الشعار الذي رفعه عبد الناصر في هذا المجال " لاصوت أعلى من صوت المعركة" فلقد أصبح واضحاً ، أن ماتحققه مصر وبقية الأقطار العربية معرضاً للهدم جراء وجود القاعدة الأمبريالية المتقدمة ( أسرائيل ) وان العمل على بناء مجتمع الرفاهية والعدل مرتبط بأسباب حمايته من المخاطر الداخلية والخارجية  " ولم يكن من اليسير وضع خطط بعيدة المدى في ظل ظروف عدم اليقين التي أحدثتها النكسة ، فظل التخطيط السنوي هو الأداة القادرة على متابعة التطورات التي اصابت قاعدة موارد الدولة المادية والمالية والبشرية والأمكانيات الداخلية والخارجية التي تيسر حشدها مع التصميم على السير في النهج الديمقراطي الأشتراكي ، وهو ما أكده بيان 30 مارس 1968 الذي أعاد ترتيب الأولويات وأكد على ضرورة أنتخاب الأتحاد الأشتراكي من القاعدة للفمة ، مع الأستمرار في عملية البناء الى جانب النضال

المسلح ـ التقرير الناصري العام " . 

 

                        نتواصل بإذن الله مع الناصرية الأختيار الثالث

                             اشتراكية عبد الناصر ـ أستمراريتها

                                                                                 بغداد العروبة

                                                                            7 نيسان آبريل 2007