بيلوسي وكرامة الولايات المتحدة
" فليس من المهم
أن تكون لوطننا علاقات دولية ، ولكن الأهم أن تؤدي علاقاتنا الدولية الى تزايد
في تحرر الشعوب ومسآواتها على أساس مبادىء تقدمية واضحة تهدف الى السعادة
الحقيقية للأنسان ، والى علاقات أنسانية سليمة . فالنطواء على الذات القومية لم
يعد وارداً في هذا العصر ، بالضافة الى أن الأنطواء يكبت في الأمة كما يكبت في
الفرد طاقات الأنطلاق وامكانيات العطاء "
لعلهم يظنون في
الغرب أن العربي ضعيف أمام الجنس الناعم ، ولعل عصر الحريم لايزال يملك تأثيراً
على المجتمعات العربية .. أو على أقل تقدير الحكام العرب !! فاستعاضوا عن
مبعوثيهم من الرجال ، الذين كثيراً ما تملاء الصرامة وجوههم بوجوه سيدات يحملن
مهمات أكثر خطورة .. يتوزعن بين التزمت والعنجهية التي توحي بها (
كونداليزارايس ) .. التي لاتستطيع كل مساحيق العالم أن تمسح عن وجهها آثار
الهزيمة للمشاريع التي حملتها ذهاباً وأياباً بين واشنطن وعواصم العالم خصوصاً
عواصمنا المعتدلة جداً ، وبينما تتمتع بالأنفتاح ( ميركل ) بتأثير النشوة من
خلال شعورها بالنجاة من هزيمة شاسعة تتعرض لها ( حليفتها الكبرى ) أمريكا ،
بينما تتميز (بيلوسي ) وهي تحمل مسؤلية كبرى لمهمة أخطر وأجرء في عالم السياسة
أمريكياً وعالمياً اليوم .
فالخروج من
المآزق الأمريكي في العراق .. المهمة الكبرى التي تواجه الحزبين الرئيسين في
الولايات المتحدة .. الجمهوري والديمقراطي ، فالعنف والقوة عنوان الحل "
الجمهوري " لغرض فرض النفوذ على العالم عبر العراق ، فيما راحت فكرة الحوار
تأخذ مكانها لدى الديمقراطيين .. فالأخطاء شخصها الديمقراطيين كونهم خارج
الحلبة وهم يحتاجون لتسجيلها قبل أن تبدأ مرحلة التنافس على منصب الرئاسة .
ولعل ذلك يذكرني
بهزيمة فيتنام .. مع تغيير في المواقع ، ففي الوقت الذي يصر فيه الديمقراطيين
المضي في مشروع ( الأنسحاب ) يمضي بوش بقواته نحو المزيد من الحرب والدمار عبر
خطط وأستراتيجيات أمنية في بغداد ، وفي تشابه ملفت للنظر بين هذه الأيام
والأيام الأخيرة للوجود الأمريكي في فيتنام ، وقد تكون بيلوسي تتصرف على خلفية
وصف السيناتور الأمريكي ( فوليرايت ) أثناء الحرب الفيتنامية وهو يصف التصعيد
الأمريكي أثناء إدارة ( جونسون ) بأنها " خطيرة وتتسم بالغباء وستكون نتائجها
بالنسبة للولايات المتحدة أشبه بالكارثة " .
وكانت الأدارة
الأمريكية حينذاك قررت تعزيز قواتها في فيتنام ب ( 000 50 ) خمسون الفاً من
الجنود الأضافيين ، لوقف الفشل الأمريكي في وقف الثورة التحررية في فيتنام (
الجنوبية ) ، ونستعيد بعض توقعات السياسين الأمريكيين المعارضين للحرب
الأمريكية ضد الشعب الفيتنامي لنتصور الصورة المقبلة للأحتلال الأمريكي للعراق
بعد أن تقارب الوضعين .. يقول السيناتور المريكي ثورستن مورتن " إذا أراد مرشح
الحزب الجمهوري هزيمة الرئيس جونسون في الأمنتخابات القادمة ، فإن عليه أن يقدم
برنامجاً لأنسحاب القوات الأمريكية من فيتنام ـ بطريقة لاتتنافى مع كرامة
الولايات المتحدة " .. إذاً هل تكون قرارات الكونغرس ومجلس الشيوخ التي أتخذها
المجلسين بشأن العراق بمستوى ذلك البرنامج الذي لايتنافى مع الكرامة الأمريكية
؟ وهل تستطيع (بيلوسي) فعلاً أن تخرج القوات الأمريكية المتورطة في العراق وفق
ذلك البرنامج ؟ أم إن هذه الكرامة قد مسخت فعلاً .. ويزداد مسخها كل ما زاد
وجودها فوق أرض الرافدين ، وإن عليعا أن تسرع الخطى دون مناورة أو مداورة ففي
الأفق يلوح الأفول الأكيد للأستراتيجية الأمريكية الأستعمارية .
ولكن أين هو مكان
سوريا ، فالمراقب المنصف يستطيع أن يضع سوريا في أزهى صورها ، فلقد تمكنت أن
تقلب النتائج رأساً على عقب ، فبعد أن خططت إدارة (بوش) لوضع النظام السوري في
الزاوية بعد سلسلة الأتهامات الخطيرة بدءً من أغتيال الحريري وأنتهاءً بتسمية
الأرهاب ( وليس المقاومة ) التي يتعرض العراق بإسمها .. مروراً بمطالب الأصلاح
والديمقراطية وحقوق النسان و الأقليات وغيرها ، أستطاعت أن تفتح ثغرة في الساتر
الأمريكي الأخير ، وإن أخطر مافي السيناريو السوري على الأدارة الأمريكية أنه
سوف بُعمم على عدة ساحات أخرى ، لإن ذلك يحمل دليلاً على تمكن أيران قريباً
جداً لأرغام بريطانيا تقديم أعتذارها على التحرش بالمياه الأقليمية لأيران ،
وسوف تفشل الولايات المتحدة ـ حتى وإن لجأت لأستخدام القوة في مغامرة تقوم بها
قواتها أو قوات صهيونية لحسابها .
كما تتعالى
مقاومة جديدة في المنطقة ، وهي المقاومة الأفريقية ، وبالتحديد العربية ـ
الأفريقية عبر ليبيا ، التي فاءت الأعداء ولم تفاجأ قوى التحرر ، والعربية
القومية منها بشكل ٍ خاص كون هذه القوى تدرك أن (الفاتح) ماكانت لتقوم لولا
رفضها الأحتلال والتمزق .
غير أن الخروج من
المآزق الأمريكي في العراق لايمر عبر دمشق وطهران فقط ، بل عبر إرادة أمتنا
العربية وشعوب دول العالم الثالث أولاً والشرفاء في كل العالم عن طريق بوابة
المقاومة ، فقد أنجز النصر الفيتنامي تحالف بين المقاومة الفيتنامية مع قوى
التحرر العالمية وخصوصاً بكين وموسكو ، في وقت يسود الأختلاف في وجهات النظر
الصينية ـ السوفيتية . أن تحالفاً بين طهران ودمشق وطرابلس لابد أن يسلك طريق
النجاح لقوى التحرر والأستقلال ، إنما نتساءل بكل أخلاص ودون الحاجة لأستفزاز
أحد : ماذا يفعل السياسيون المتنفذون في العراق إتجاه التوجهات الأمريكية ..
فالمراهنة على بوش دليل على فشل وخسارة أكيدة ؟!
ولعل جولة بيلوسي
وحوارها مع دمشق يفتح طريقاً جديدة في العلاقة بين أمريكا والعالم ، رغم إن
الماضي لايشجع على الأطلاق ، ولكننا نستدرك .. فإن هيجان (بوش) وهو يحاول أن
يستجمع ( رزانته) لمواجهة قرارات الكونغرس ومجلس الشيوخ ويواجه تحدي بيلوسي بفك
الحصار الذي (كافح) بوش طويلاً لضربه على سوريا ، عسى أن يكون البعض قد استفاد
من التجارب ، ولأن الهزيمة في العراق ليست الهزيمة الأولى التي تتعرض لها
الأدارات الأمريكية ولكننا نتمنى أن تكون تجربتهم في العراق الأخيرة .. والأولى
باتجاه التوبة الحقيقية .
بغداد العروبة
4 نيسان آبريل 2007