ألناصرية ألأختيار الثالث

أشتراكية عبد الناصر

جذورها ، مسيرتها ، أستمراريتها !   

حسين الربيعي

ان العدالة الأجتماعية أساس ألمجتمع ـ  جمال عبد الناصر 30/6/ 1956

 

جـــذورها : 

                            

ونحن نتواصل معاً في دراسة ألتجربة ألناصرية ، فأننا سوف نكون معاً على حافات و في بطون الأحداث ألتأريخية قديمها و حديثها .. نتابع معاً مسار ألفكر ألعربي ، ثم الأنساني لكي تتوضح لدينا مكانة تجربتنا ألناصرية ، ومكانة ألفكر الذي آلت أليه هذه التجربة ، وألحقيقة ان ما يميز هذه ألتجربة إستباق ألتجربة على ألفكر أو .. أو تحول ألتجربة لفكر سياسي ممارس على أرض ألواقع قبل أن يكون فلسفة منطقية في رؤوس "ألقادة" .

والذي نريد ان نعرفه ، صلة ألأشتراكية ألتي كان يعمل بموجبها ألنظام ألناصري ، بجذورً الواقعية ؟ وهل ان ألأسلام مثلاً وغيره من ألأديان ألسماوية ، بمضامينها لاتتعارض مع ألأخذ بالتطبيق ألأشتراكي أو ألتطبيق اللارأسمالي نحو مجتمع ألعدالة " ألأشتراكي " .؟ وقد يسوقنا هذا مرة أخرى بالعودة الى موضوع ألدين و آثره في ألتجربة ألناصرية ، اذ يبدو لي أن التفريط بهذا ألأثر يعود بالخسارة للتجربة و للباحثين في ألأستفادة من نتائجها " مستقبلاً ! ".

اذاً هل ألأشتراكية ، أو ألتطبيق ألأشتراكي كان مسألة شرعية وفقاً للعرف والدين ؟ ذلك ما سوف نستعرضه في هذا ألجزء من " ألناصرية .. ألأختيار الثالث " .ومن ثم نعود للتجارب ألأشتراكية ألعالمية ، ونفهم ولو بعض ألشئ مواقف " ألقوى ألأشتراكية " غير ألناصرية من تجربتنا ألناصرية وبعض ألتلميحات منها أو ضدها .

ان أصول ألصراع لم تكن آنية ، بل أنها على مر ألتأريخ مترابطة مما يجعل مهمة فهمها منذ بداية ألتأريخ واجبة ، فمنذ ألأزل كانت هناك قيم وتصورات تعبر عن مصالح ألحكام . وكان بالتأكيد هناك ما يعارضها ، تعبر عن حاجات ألمظلومين و المضطهدين في ألأنعتاق و ألعدل ألأجتماعي وقد برزت حركات و حروب و صراعات متعددة بما فيها ألأديان معبرة عن تلك ألرغبات و ألطموحات للناس ألمضطهدين و ألمظلومين .

" أن ألأشتراكية و ألأقطاعية و ألرأسمالية و ألشيوعية و غيرها من أنماط " ألنتاج " " أزلية "  أزلية أللقمة لم تختلف سوى أسمائها و ممارساتها و كانت كلها متعاصرة ، وليست متعاقبة ،و ألعرب أول من علم ألأشتراكية للعالم ـ د. أحمد ألربيعي ـ رسالة خاصة ".

وقد أورد ألدكتور أحمد الربيعي في رسالته ألخاصة لي بعض ألحقبات " ألأشتراكية  ألتأريخية "  من وطننا ألعربي ، ما يؤكد كلامه ألسابق " ففي تأريخ ألعراق ألقديم ، كانت هناك مزارع جماعية ، وهي مزارع تملكها " ألدولة " وكان فيها " عمال زراعيون " وهم ألفلاحون وألفلاحات ألمعينين بأجور ثابتة ، حيث كان يعمل في كل مزرعة أربعمائة فلاح و فلاحة ، وكان يمكن أن تمنح ألدولة لكل فلاحة أو فلاح أرضاً يزرعها لنفسه ، و لكن لا يحق له بيعها ، ولا تعطى هذه ألأراضي ألزراعية للفلاحين اٍلا اذا كانوا يعملون بالمزارع الحكومية ألجماعية ، وكان ألفلاحون يفلحون مزارعهم بالتعاون وفق نظام ألمزارع ألتعاونية .

كما عرف ألعراقيون ألقدامى " ألعمل ألشعبي " حيث يتولاه ألعبيد و ألأسرى ، ليردموا ألمستنقعات ويشقون  ألشوارع و يبنون ألمعابد و ألمدارس و ألمستشفيات بالسخرة ، كما كانت لكل مزرعة أدارة على شكل حلقات متسلسلة ، فلقد كان على كل عشرة مراقبين للفلاحين رئيس ، وعلى كل عشرة رؤساء مدير حتى يصل ألتسلسل الى ألكاهن ألأعلى وهو مسؤول أمام الملك حيث تقدم ألاٍدارة تقريراً كل شهر له ، ويكون ألملك مسؤول أمام ألآله .

كان هذا هو ألنظام ألسائد حتى  أبطله حمورابي ، فوزع ألأراضي ألزراعية على ألفلاحين فالملكية ألخاصة تدفع ألفلاح لزيادة ألنتاج و تحسينه ، اما ألمزارع ألحكومية ألجماعية فتقوم على ألرقابة و ألعقوبة ( وردت هذه ألمعلومات بكتاب ـ تأريخ ألعراق ألقديم ـ لجماعة من ألمستشرقين ألسوفييت مترجم عن ألأنكليزية لسليم طه ألتكريتي ) .

أما في مصر ، فكان ألملك ألمصري سيزوستريس  ( وهو من أصل ليبي )  فقد أعطى لكل فلاح أرضاً كي يزرعها لحسابه ألخاص ( كما جاء في كتاب تأريخ ألعالم وهو لمستشرقين أوربيين و أمريكان) من رسالة ألدكتور أحمد ألربيعي .

ومن تراث العرب قبل الأسلام الكثير من الشواهد على وجود حركة العدالة الأجتماعية والتي كانت الرسالة الأسلامية متممةً لها " جئت لأتمم مكارم الأخلاق في أمتي ـ نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم " وقد كانت في كثير من الأحيان ماتظهر هذه الحركات بشكل وآخر " تداعت قبائل قريش : بنو هاشم ، وبنو طالب ، وأسد بن عبد العزي ، وزهرة بن كلاب ، وتيم بن مُرة فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان التيمي لسه وشرفه فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لايجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه ، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته ، وشهد هذا الحلف رسول الله ص ، وقال بعد أن أكرمه الله الرسالة : لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حِلفاً ماأحب أن لي به حمر النعم ، ولو أدعى به في الأسلام لأجبت ـ سيرة رسول الله ـ الرحيق المختوم ـ للشيخ صفي الدين المباركفوري " 

تحت ظل ألأسلام

والحقيقة أن مهمة أضفاء ألشرعية على " ألتطبيق ألأشتراكي " ليست عسيرة على ذوي "ألتدبر" ألقرآني . ولا هي عصية على ألدارسين و ألباحثين ، الا اذا كان أستخدام كلمة "ألأشتراكية" في حد ذاته أمراً غير مستساغ من قبل فئة من هؤلاء ألدارسين و ألمتطلعين و ألباحثين ، كونها لم ترد بهذا ألشكل في ألأدبيات " ألدينية " وألشرعية ، وقد أعتمدت كلمة ألعدالة ألأجتماعي ، و ألعدل ، وألمساواة و غيرها ولكن ذلك لايمنع بعض ألباحثين من ألأنفتاح على هذه " ألتسمية " .

" ويكفي مثالاً على هذا ألخداع : ان الممارس الذي يريد أن يتعرف على طبيعة ألأقتصاد ألأسلامي من خلال ألتطبيق قد يوحي أليه ألتطبيق باٍن ألأقتصاد ألأسلامي رأسمالي ، يؤمن بالحرية ألأقتصادية ، ويفسح ألمجال أمام ألملكية ألخاصة و النشاط الفردي ألحر ، كما ذهب الى ذلك ـ بكل صراحة ـ بعض ألمفكرين ألمسلمين ، حين تراءى لهم أفراد ألمجتمع ألذين عاشوا تجربة ألأقتصاد ألأسلامي وهم أحرار في تصرفاتهم ، لا يحسون بضغط أو تحديد ، و يتمتعون بحق ملكية أي ثروة تتاح لهم " ألأستيلاء " عليها من ثروات ألطبيعة و بحق أستثمار وألتصرف فيها . وليست ألرأسمالية ألا هذا ألأنطلاق ألحر ، ألذي كان أفراد ألمجتمع ألأسلامي يمارسونه في حياتهم ألأقتصادية . ويضيف ألبعض الى ذلك : أن تطعيم ألأقتصاد ألأسلامي بعناصر لارأسمالية و ألقول : بأن ألأسلام أشتراكي في أقتصاده ، أو يحمل بذوراً أشتراكية .. ليس عملاً أميناً من ألممارس ، واٍنما هو مواكبة للفكر ألجديد ألذي بدأ يسخط على ألرأسمالية و يرفضها ، ويدعوا الى تطوير ألأسلام بالشكل ألذي يمكن أن يستساغ في مقاييس هذا ألفكر ألجديد .

ويبرز ألمضمون أللارأسمالي باطراد ويتضح في مجال ألتطبيق (ألأمين) للأسلام . و يبرز لكل ممارس مالم يكن أعمى : ان ألنظرية ليست ذات طبيعة رأسمالية ، ونحن نملك ألدليل ألتأريخي على تفنيد هذا ألأتهام ، واٍثبات أمانة ألإتجاه أللارأسمالي في تفسير ألأقتصاد ألأسلامي ، وهذا ألدليل هو ألنصوص ألتشريعية و ألفقهية ألتي نجدها في مصادر قديمة يرجع تأريخها الى ماقبل مئات ألسنين ، وقبل أن يوجد ألعالم ألحديث و ألأشتراكية ألحديثة ، بكل مذاهبها و أفكارها ـ محمد باقر الصدر ـ أقتصادنا "

ورغم أن مهمة تفسير ألقرآن ألكريم ، يتأهل لها بعض ألعلماء ألأجلال ، اٍلا اٍن ماجاء على لسان ألمجتهدين و ألمشايخ ألكرام بشأن تفسير ألنصوص و منها ما قاله ألشيخ محمود شلتوت يشجعنا على ألتطرق لبعض تفاسير لغير ألمجتهدين ، فقد قال ألشيخ شلتوت : ان ألأسلام لا يخص أحداً بحق ألأستثناء بتفسير ألنصوص ، و لابحق اٍلزام ألناس برأيه . بل يمنح هذا ألحق لكل مسلم حائز لأهلية ألبحث . أما من ليست له أهلية ألبحث ، فاٍن واجبة أن يسأل أرباب ألأهلية عما يحتاج أليه ، ولا يلزم بأتباع شخص معين ، اٍذ لا واجب اٍلا ما أوجبه الله ورسوله . ولم يوجب الله ورسوله على أحد من ألناس أن يدين بمذهب فقيه معين . فأيجابه     تشريع مشرع جديد .. ولم يزل ألناس في ألصدر ألأول يسألون من يرون من ألباحثين ألمعروفين من غير تقييد برأي معين منهم .

واذا كنا نؤمن بأن ألأسلام قد أقر بالعدالة ألأجتماعية ألتي يكون طريقها  " أشتراكي " فأننا نستشهد بمقولات ألكثيرين من ألكتاب و ألباحثين للدلالة على حسن أتجاهنا : " أما أشتراكية ألأسلام فعظيمة . وقد وصف ألقرآن  ألغنى بالطغيان . (كلا . أن ألأنسان ليطغى . أن رآه أستغنى) . وقد وضع لنا قانون للضمان ألأجتماعي أسس بموجبه ألمجتمع ألأشتراكي . فلقد كانت كفالة ألطفل على ألدولة لا على والديه " لا تضار والدة بولدها " حيث تمنحه (ألطفل) عشرة دراهم من بيت ألمال وما يكفيه من بيت ألرزق لسنين حتى فطامه . وكان تعليمه على ألدولة ، ثم تعيينه حتى يجد عملاً .ولقد كانت ألدولة تعطي ألرجل ألمهر والبيت و الأثاث والركوبة  وميرة سنة كاملة ( في أموالهم حقٌ للسائل وألمحروم ـ من رسالة ألدكتور أحمد ألربيعي ) .

وقد أستخدم بعض ألباحثين تسميات متعددة لغرض ألفصل بين ألأتجاهات ألأسلامية ، فكانت هناك تسمية أليسار في ألأسلام ألذي كان يسعى لتحقيق ألمساواة و ألعدل بين أبناء ألمجتمع و تقليص ألفوارق بين ألفقراء و ألمستضعفين وبين فئة ألأغنياء وهذا ألتيار أليساري ، هو ألذي كان يمتلك ألرؤيا ألتي أصبحت أليوم تندرج تحت ألمفهوم ألأشتراكي . و ألحقيقة فاٍننا نجد حذراً غير مبرر من قبل ألكثيرين لأعتبار ألفكر ألأشتراكي وكأنه دخيل وكأنه حرام في حين نقرأ في بعض ألمطالعات ألفكرية و ألسياسية ما يدعم هذه ألفكرة " ألأشتراكية ليست مجرد نفي للرأسمالية ، حتى يكفي أن تكون أشتراكياً أن ترفض ألرأسمالية ، و اٍنما هي مذهب أيجابي له أفكاره و مفاهيمه ونظرياته ـ محمد باقر ألصدر ـ أقتصادنا " .

ورغم ان ألقرآن و ألسنة ألنبوية لا مجال فيه للتناقض أو الأختلاف وخصوصاً بالدعوة الى المساواة و ألعدالة  " وأعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين أحساناً وبذي ألقربى و أليتامى و ألمساكين و ألجار ذي ألجنب و ألصاحب بالجنب و أبن ألسبيل وما ملكت أيمانكم ،ان ألله لا يحب من كان مختالاً فخورا (36) ألذين يبخلون ويأمرون ألناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ، و أعتدنا للكافرين عذاباً مٌهينا (37) وألذين ينفقون أموالهم  رئاء    ألناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم ألآخر ، ومن يكن ألشيطان له قريناً فساء قرينا (38)  وماذا عليهم لو آمنوا بالله و اليوم ألآخر و أنفقوا مما رزقهم الله ، وكان الله بهم عليماً (39) ان الله لا يظلم مثقال ذرةٍ ، وأن تكً حسنةُ يضاعفها ويؤتٍ من لدنه أجراً عظيما (40) ـ سورة ألنساء"

ولكوننا قد أقررنا بوجود تيارين داخل ألأسلام فعلينا أن لا نرد ألأختلاف في وجهات ألنظر لقصر في ألنظرية ، اٍنما لوجود مصالح معينة تقف في وجه ألأهداف ألتي من أجلها أختار ألله محمداً خاتم ألأنبياء وداعياً لدينه " أما أليمين فهو ألأتجاه ألمعاكس ، فهو ألذي سمح بالفروق ألشاسعة بين ألمجتمع ، وحارب أليسار ليحتفظ بالثروة و ألحكم ـ أحمد عباس صالح ـ أليسار واليمين في ألأسلام" أن أختلاف وجهات ألنظر ، و أختلاف ألمصالح ، وأختلاف ألأتجاهات ، لم تكن أمراً محرماً على ألأطلاق " ترد على أحدهم ألقضية في حكمٍ من ألأحكام فيحكم فيها برأيه ، ثم ترد تلك ألقضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه ، ثم يجتمع ألقضاة بذلك عند ألأمام ألذي أستفتاهم فيصوب آرآءهم جميعاً والههم واحدٌ ، ونبيهم واحدٌ ، وكتابهم واحدٌ ،  أفأمرهم ألله تعالى بالأختلاف فأطاعوه ، أم نهاهم عنه فعصوه . أم أنزل أللهُ ديناً ناقصاً فأستعان بهم على اتمامه . أم كانوا شركاءً لًهُ . فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى أم أنزل الله سبحانه ديناً تاماً فقصر الرسول  صلى الله عليه وآله  عن تبليغه وإدآئه والله سبحانه يقول ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) فيه تبيان كل شيء ، وذكر ان الكتاب يُصًدًقُ بعضه بعضاً وأنه لا أختلافً فيه فقال سبحانه ( ولو كان من عند غيرً اللهٍ لوجدوا فيه اختٍلافاً كثيراً ) . والقرآن ظاهره أنيقٌ . وباطنه عميقٌ . لاتفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبهُ ولا تُكشف ألظلماتُ الا به ـ علي بن أبي طالب ـ نهج ألبلاغة " لقد نشأ خلاف بين تيارين أسلاميين ، تيار العدل ألأجتماعي ألذي مثله صحابة ألرسول (ص) ألداعين لأن تكون ألأموال قسمة بين ألمسلمين ، وبين ألداعين ألى ألأكتفاء بالزكاة عن ألأموال ألخاصة مهما بلغت كثرتها ، وقد عبر ألامام ألرازي عن رأي ألتيار ألأول في عرضه للآية ألكريمة ( وان ليس للأنسان الا ما سعى ) حيث قال ( أستدل بالآية العلماء ألمثبتون  للتسوية بين ألناس ، ألمانعون للترجيح بين أفرادهم ، وشعوبهم بغير ألأسباب ألكسبية من عملهم وجهودهم ، فان صيغة ألآية تنفي عن أي أنسان أن يكون لهُ حقٌ أو أمتياز أو رجحان على غيره في شيء ألا ما كسبه  بسعيه وعمله ، فذلك حقه وجزاءهُ ، وليس له بغير سعيه وكسبه شيء غيره ، لا من جهة أنتسابه لشخص أو تعلقه بطبقة أو خروجه من جنس معين ، أو أتصافه بلونٍ معين ، فالطبقة و ألعنصر و ألنسب ألشريف كل ذلك بحسب ألآية ألقرآنية هدرٌ وهذر في تقييم ألأنسان .

وقد كان هذا ألكلام قد أستخدم وطبق من خلال أجراءات متعددة أقدم عليها أصحاب التيار ألأول من ألخلفاء ألراشدين " وعمر هو صاحب قانون من أين لك هذا ، وكان يشاطر ألولاة أموالهم واذا أعترضوا على قراره جلدهم ـ كراس ألراشدون ـ للأستاذ محمد علي ألسباهي " . وقد برز ألمفهوم ألأشتراكي بأعلى مراتبه ، فقد كان رأي ألأمام علي وحزبه في ألآية ألكريمة ( يسألونك ماذا ينفقون ، قل ألعفو ) و ألعفو هنا ألمال ألزائد عن حاجة ألأنسان فهو مأمور بأنفاقه وعدم جمعه وكنزه ، هذا ما لحضه ألعالم ألأزهري ألدكتور سعاد جلال . وفي رأي ألسيد محمد باقر ألصدر فأن هذا ألمفهوم قد تطور مما يوجب أن ( يهيء ألذهنية ألأسلامية ويُعدها لتقبل نصوص شرعية تحد من سلطة ألمالك وفقاً لمتطلبات ألمصلحة ألعامة للجماعة ، لان ألملكية بموجب ذلك ألمفهوم وظيفة أجتماعية ، وتسمح بأنتزاع ألمال من يد صاحبه في بعض ألأحيان) أقتصادنا لمحمد باقر ألصدر .

وقد أقر ألكثيرين بأن ألثقافة ألأسلامية أشتراكية ألمنطلق " ذا ألثقافة ألأسلامية يستطيع أن يصل الى ألأشتراكية ألعلمية بدءاً من منطلقات أخرى غير سُبل (هٍجل) أو (ريكاردو) أو (سان سيمون). ، فلقد كان لهُ ميراثهُ ألعقلاني ، والجدلي  ممثلاً بأبن رشد ، وكان له مبشر بالمادية     ألتأريخية في شخص أبن خلدون . وهو على هذا ألتراث يستطيع أن يقيم أشتراكيتهُ ألعلمية ، وهذا لايمنعه أبداً من أن يتمثل تراث ثقافتنا ، تماماً كما ينبغي لنا أن نتمثل تراث ثقافته ـ (رجاء جارودي قبل أن يفتح ألله صدره للأسلام) .

نعم ، فرغم كل ألجور ، ألذي تعرض له تيار ألعدل ألأجتماعي " ألأشتراكيون " أو ذوي ألميول " أللارأسمالية " أستمر هذا ألتيار في حلقات متفرقة  بحركات فكرية متعددة ، ألزنج ، ألقرامطة ، ألمعتزلة . و غيرها .. وكانت ألتجربة ألناصرية أستمراراً تاريخياً لها . وما دمنا في خصوص ألمسلك ألأشتراكي في ألأسلام ألذي وجدته ألناصرية معيناً لها في مسارها ، فقد كان ذلك يتفق مع ألمفهوم ألناصري للدين ( لم يكن ألدين أحتكاراً لفئة معينة ، حتى في عهد النبي .

ولكن الدين تآلف ومحبة وتسامح وتعليم ، ولم يكن قصراً على فئة من الناس ، بل جعله الله نوراً وهدياً للعالمين . أما هذا الأحتكار الذي يزعمونه فما هو إلا نوع من أنواع الكفر والأستغلال ونوع من أنواع الأستبداد ـ  جمال عبد الناصر 20 / 9 / 1954)

وإذا كانت كل تلك الجهود التي توجت بأستمرار فكر العدالة الأجتماعية ـ الأشتراكية ـ كل تلك السنين الطويلة ، فرغم " تعزيز نمو قيم المجتمع الأستهلاكي ومجتمع السوق في الوطن العربي بتواكب مع نخر القيم السليمة للمجتمع العربي الأسلامي بمقوماته وخصوصياته ، بعد أنتشار ظاهرة الأستهلاك والخصخصة بكثافة ملحوظة فيه مع زحف العولمة ومفاهيمها وأدواتها ـ من التقرير الفكري لملتقى الحوار الثوري العربي الديمقراطي 2004 " إلا أن مراهنتنا نحن الناصريون ومعنا كل الأشتراكيون والقوميين الوطنين ، المخلصين من أبناء هذه الأمة ، على الميراث الثقافي والديني والسياسي لأبناء هذه الأمة حتى تعود رايات الأشتراكية من جديد تحت نفس المفاهيم التي تجعلها مستقلة متحررة " أن هذا الميراث الضخم من المعارضة والرفض يفتح المجال أمام العديد من الدراسات التأريخية والسياسية والفكرية ، لكنه قبل كل شيء يؤكد على حقيقة هامة ألا وهي حيوية القوى الشعبية بالأمة وأنها لم تكن مجرد جثة هامدة أو كتل ساكتة تستسلم لأقدار حكامها وأحكامهم مهما كانت جائرة ـ جذور النضال العربي ـ تقرير المؤتمر الناصري العام "

جذور اشتراكية عبد الناصر مع الفكر الأشتراكي الجديد

وإذا كان ما ذكرنا ، محاولة حقيقية وواقعية لربط التجربة الناصرية بالأسلام تحت مفهوم الرغبة بأفامة مجتمع العدالة والمساواة ، فإن الفهم الأخر مع بقية القوى الأشتراكية تبدو " في بداية التطبيق العملية للتجربة " شائكة " بسبب الخلافات البعيدة عن التنضيرات الأشتراكية وهي خلافات آنية ، يحلوا للبعض العودة اليها بين الأحايين تعبيراً عن موقف غير ملائم .

 والحقيقة إن التجربة الناصرية لم تكن منعزلة عن التجارب والأجتهادات النظرية الأشتراكية ، وخصوصاً التجربة الشيوعية في كافة تسمياتها ، ولكن صراعاً " غبر ضروري " و" مضر " للحركة الأشتراكية بوجهٍ عام ، بين تيار الحركة القومية العربية الأشتراكي بقيادة عبد الناصر وبين الأحزاب الشيوعية العربية ، في حين أن العلاقة بين مصر وكلٍ من الأتحاد السوفييتي ، والصين ، وكذلك يوغسلافيا كانت تصل الى درجة التحالف الأستراتيجي ، والحقيقة أن عدم الأدراك والأقليمية وعدم الألتزام المنهجي بالنظرية الأيدلوجية الماركسية اللينينية من قبل بعض الشيوعيين قاد في النهاية الى خسائر فادحة للأمة العربية عموماً وللحركة الأشتراكية في العالم بما فيها الحركة الشيوعية التي أنتهت تجربتها العظيمة في الأتحاد السوفيتي لصالح القوى الرأسمالية والأمبريالية ، وقد فهمها الشيوعين العرب بشكلٍ متأخر " معالجة القضايا القومية ينبغي الأنطلاق من موقع طبقي ، من المصالح الأساسية للطبقة العاملة " " إن الموقف اللآمبالي من القضية القومية ومعالجتها مرتبط بموقف نظري مفاده الأعتقاد بأن الأنتقال الى الأشتراكية لايمكن أن يتم إلا بعد الأنجازالتام والكامل لمهمات الثورة الديمقراطية : قضايا الأستقلال والتوحيد وطرد المحتلين وأنجاز الأصلاحات الأجتماعية " " هناك موقفان خاطئان أزاء العلاقة القائمة بين المهمات الأشتراكية والمهمات الديمقراطية الأخرى التي منها حل القضايا القومية ، الموقف الأول : من يقول أن الأنتقال الى الأشتراكية ـ وخاصة في الظرف الراهن ـ لايمكن أن يجري ألا بعد الأنجاز الكامل لمهمات الثورة الديمقراطية الوطنية . الموقف الثاني : أن حل المهمات الديمقراطية لايمكن ان يجري أو ينجز إلا بعد أنتصار الثورة الأشتراكية ، وأستلام الطبقة العاملة وحزبها السلطة . أن تداخل مهمات الثورتين هي سمة من سمات العملية الثورية في العصر الراهن . " هذا الكلام من مداخلة للرفيق بدر الطويل من الحزب الشيوعي السوري  .

ومما يؤكد الأتجاه الذي نسوقه ، كون الناصرية لم تكن منعزلة عن باقي الفكر الأشتراكي مابينه لطفي الخولي في كتابه "مدرسة السادات السياسية واليسار المصري " ساند جمال عبد الناصر رؤيته بأن أشتراكية الثورة مثل الأشتراكية الماركسية ، ذات نبع علمي تأريخي موحد وقوانين واحدة . ولكنهما يختلفان ـ نظرياً ـ في آمرين أساسيين . الأول هو الموقف من الدين والثاني هو الموقف من دكتاتورية البروليتاريا وسلمية الصراع الطبقي " . 

ولقد كان عبد الناصر منفتحاً على كل القوى السياسية الوطنية في مصر والعالم العربي مما منحه فرصة التعبير عن تلك النظريات والمفاهيم التي تساهم في بناء المجتمع الذي يعمل عبد الناصر لقيامه.. عربياً اشتراكياً موحداً " كان الوحيد من أعضاء مجلس قيادة الثورة من غير الماركسيين الذي يتصل بأفراد من تنظيم قسم الجيش في الحركة الديمقراطية للتحرير الوطني ( حدتو ) وهم يعرف هويتهم السياسية ، في وقت كانت الشيوعية فيه مطاردة بشراسة من جانب أجهزة الأمن في النظام الملكي . وكما كانجمال عبد الناصر منفتحاً في علاقته مع الشيوعيين ، كان منفتحاً أيضاً على الأخوان المسلمين ومصر الفتاة وكافة القوى السياسية بدرجات متفاوتة ـأحمد حروش ـ قصة ثورة 23 يوليو "

وقد تولد أقتناع لدى الشيوعيين المصريين بالأتجاه الوطني الأشتراكي لعبد الناصر ، مما دفع الشيوعيين لإتخاذ خطوات جريئة " ووصل أقتناع الشيوعيين بالدور التقدمي الذي يؤديه جمال عبد الناصر الى حد أتخاذ قرارات بحل تنظيماتهم ... بعدما قيل لهم أن هناك فرصة أكيدة للدخول في تنظيمات الأتحاد الأشتراكي كأعضاء عاملين ... وكانت هذه أول مرة في التأريخ تحل الأحزاب الشيوعية فبها لنفسها أختيارياً ـ أحمد حمروش ـ قصة ثورة 23 يوليو "

وإذا كان عبد الناصر قد حدد مسار أشتراكيته العلمية " بطريقها العربي المتميز "قبل أكثر من أربعين عاماً ، فإن تأثير فكره ، ومضمون أشتراكيته أصبح اليوم أحد أهم الأسس والمضامين للقوى الأشتراكية العربية ، من خلال استخدام الأسلوب والجمل والمفاهيم التي كان يستخدمها عبد الناصر " ويسترشد الحزب الشيوعي العراقي في سياسته وتنظيمه ونشاطه ، وفي نضاله من آجل تحقيق أهدافه المتمثلة في القضاء على إستغلال اللإنسان للإنسان وتحقيق التحرر الإنساني ، بالفكر الماركسي وسائر التراث الإشتراكي ساعياً الى تطبيق ذلك بصورة مبدعة في ظروف العراق ، بألإستناد الى دراسة الواقع الطبقي والقومي والديني والسياسي للمجتمع العراقي المعاصر والتطورات الجارية فيه . كما يستلهم ، وهو يضع برنامجه ، الإرث التقدمي لحضارة وادي الرافدين والحضارة العربية والأسلامية وعموم الحضارة الأنسانية ـ مشروع برنامج الحزب الشيوعي العراقي ـ آب 2006 "

    ووفقاً لهذا الأستنتاج فإن اشتراكية عبد الناصر هي أشتراكية كل القوى الأشتراكية ، وكل قوى الشعب ، ودعماً لهذا الأستنتاج أعود للتقرير الناصري العام : وبتحديده لمعنى وحدود الأستغلال أصبح عبد الناصر يفرق بين الشعب وبين أعداء الشعب " الشعب هو جميع الفئات التي تساند الثورة الشتراكية ـ وليس اليفط الأشتراكية ـ وتساند الثورة الأجتماعية والبناء الأشتراكي . وأعداء الشعب جميع القوى التي تناهض هذه الثورة الأشتراكية ، والثورة الأجتماعية وهدفها القضاء على النظام الأشتراكي " . ويخرج عبد الناصر من هذه التفرقة الهامة بين الشعب وأعداء الشعب الى تفرقة أخرى لاتقل أهمية عنها بقوله " إن هناك تناقضاً واضحاً بين الشعب الذي يريد الثورة الأجتماعية ويريد التحرر من الأستغلال السياسي والأقتصادي والأجتماعي ، وبين الأقلية التي تريد مجتمعاً يسوده الأستقلال السياسي وألأقتصادي والأجتماعي ـ التقرير الناصري العام "

 

                          نتواصل بأذن الله على درب الناصرية .. الأختيار الثالث

                                        مسيرتها و إستمراريتها

 

                                                              بغداد العروبة 27 اذار مايس 2007