الناصرية الأختيار الثالث
الاثر الديني في التجربة الناصرية
حسين الربيعي
حوار وصراع تأريخي :
لايزال الخلط بين السياسة والدين ، والعلاقة بين الدين والدولة .. مجالاً واسعاً للأستخدام ، وتختلف الأسباب وراء هذا الأستخدام أو الأستخدامات في التعبير الأصح ، ومن تلك الأسباب فرض تغييرات في الأتجاه السياسي العام والتي ستؤدي إذا نجحت النيات السيئة التي تقف وراء بعض تلك الأسباب لقلب عدد من الموازين الأساسية داخل الأتجاهات الأساسية السياسية، مابين خطين خطيرين ، أما التقوقع داخل أطر متحجرة تؤدي بنا لنصبح طوائف وليس أدبان ، وأما الأنفلات شبه التام والتحلل من الألتزامات الدينية باتجاه العلاقات التي يطلق عليها العلاقات المدنية والأنعطاف بعيداً عن العلاقات الأساسية التي قامت عليها مجتمعاتنا بمستوياتها السياسية والثقافية والأجتماعية .
ولأن الخلط بلغ مداه ، فإن السكوت عليه جريمة قومية كبرى ، وشذوذ عن القيم والمبادىء الوطنية القومية ، والسماوية الدينية لأن من نتائجها إشاعة الفرقة ، وأي تفريق وتفتيت بين الناس بأنتساباتهم الدينية أو الطائفية تخريب للمسألة القومية ، وأي أستخدام " أحمق " للمسائل الدينية والطائفية سيؤل لاحقاً لتخريب المفاهيم الدينية الداعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة المساواة والعدل بين الناس . ذلك نقوله لأننا لانتصور مجتمعنا العربي بعيداً عن تلك القيم الدينية ، وعليه فإننا نحتاج للأصلاح .
ولهول المعاناة ، ولهول الأعداد والتخطيط ، ولهول التنفيذ الذي أنجرف اليه بعض " الولاة " و" الرعية " وأنجر معه بعض " الطليعة " الذين لم يستطيعوا أن يغضوا طائفيتهم ، ولم يستطيعوا بتأريخهم العريق أن يمنعوا الطائفية من الأسأة له . وفي أمثالنا البغدادية نقول " ضيع المشيتين " ، وإلا ماهو الدافع خلف أتهام البعض للمقاومين اللبنانين بالتوافق مع مايصدر من تشويه لهم من دوائر الأعداء في تل أبيب وواشنطن ؟ ولأن ذلك لايمكن أن يكون عمالة للأعداء .. فأنه لايمكن أن يوصف بغير الموقف الطائفي !
إذاً دعونا نقرأ هذه الكلمات ، فنحن نحتاج لأعادة قرأة تأريخنا النضالي القومي ، يقول لطفي الخولي في مقال له بعنوان : جذور وأبعاد الصراع العربي الأسرائيلي ، مايلي :
( يجب أن نحدد أولاً " التشكيل الديني للعرب " فهناك فكرة خاطئة شاسعة عالمية تجعل " العربي " مرادفاً "للمسلم" ، بمعنى أن العرب هم من يدينون بالأسلام فحسب . وهذه الفكرة ينقصها التأريخ والظروف والعلم والواقع العربي المعاشي . فالعربي هو نبت أنساني لأرض معينة من العالم ونتيجة تفاعل أصول عديدة تكون أجتماعياً ونفسياً ، وأقتصادياً خلال التطور التأريخي . وقد أسهمت جميع الأديان ، دون إستثناء ، في عملية التكوين هذه وخاصة من ناحية التراث والمزاج الثقافي والنفسي . وإذاً " فالدين " ليس هو " المعيار " الذي تميز به " العربي " عن غيره . أن الباكستانين والأتراك مثلاً تدين غالبيتهم بالأسلام ومع ذلك فهم ليسوا عرباً . كما لايتصور أن ينقلب من يعتنق الأسلام من البريطانيين أو الفرنسيين أو الأمريكان ، عرباً وينفصلوا عن قومياتهم .
والواقع أن هذه الفكرة المضللة تنبع اليوم عن العقلية الأمبريالية والرجعيات العربيات المحلية المنهارة التي تتخذ من الدين سلاحاً دعائياً تشهره في وجه حركات التحرر القومي النامية والمتجهة نحو الأشتراكية في تطورها والمهددة بالتالي لمصالح الأحتكارات العالمية والنظم والقوى الأقطاعية والرجعية عموماً في المنطقة . )
صحيح أن هذا الكلام ورد في ذروة أنتصارات القومية العربية ! ولكن ظرفه ومكانه التأريخي لايلغيه ، بل العكس بالكامل فالظروف التي تنبهت لها الحركة القومية قبل نظوج هذه الظروف ، بل حددت وسائل التعافي منها ، هي الظروف التي نعاني منها في الوقت الحاضر ولذلك فإننا بحاجة بالعودة لتلك الوسائل التي هيأتها الحركة القومية ، وتستدعي العودة لتجربتنا " الواقعية " والأستفادة من خطوطها وثوابتها وتحذيراتها التي كانت أإكثر واقعية بدلالة ما نحن فيه من زمن ٍ أنتصرت فيه إلأرادة المناهضة للوحدة والتقدم والعلم " لأبتعاد " السياسيون الرسميون عن تلك التحذيرات والثوابت والعمل في الأتجاه المخالف لها .
نعم ، لاأنكر إن ما أصاب الأمة العربية جراء النكسة العسكرية في 1967 ، ثم غياب القيادة الناصرية دون أن تنجز معركة " إزالة أثار العدوان " تحت قيادتها ، رغم إنها أكملت الأستعداد لها ، والفوضى السياسية والأقتصادية بسبب تراجع الأنظمة وعلى رأسها النظام الساداتي ، قد أثمر عن قبول جماهيري لدعاوي قيام حكومة دينية " في مناخ مثقل بالمتناقضات وأسباب الشك والحيرة والقلق ، وتضارب في القيم الأجتماعية والثقاغية ، وتخبط في السياسات الأقتصادية والأجتماعية كانت العودة الى الدين طلباً لليقين حركة طبيعية ـ محمد حسنين هيكل ـ خريف الغضب "
ولم يتبادر في حينها أن تتحول الحركات الأسلامية لحروب فيما بينها ، تحركها وتؤججها قوى معادية للأسلام في أكثر الأحيان عن طريق تفعيل التطرف الطائفي ، لذلك فإن عبد الناصر كان يحذر بأستمرار من الأنجرار وراء هذه السياسات يحددها الأستعمار ليوقع العرب والمسلمين في الفرقة ما يعزز هيمنته عليهم " فالأستعمار كان يسعى دائماً الى التفرقة ، وكان يتبع دائماً المبدأ المعروف : فرق تسُد ـ جمال عبد الناصر" .
وإذا كان هناك من شك في مالاقته أمتنا من تجارب قديمة من الأحتلال والضعف والفرقة ، فها نحن اليوم نعيش نفس أحداث الماضي ، بذله وخذلانه وتبعية حكامه ، وخوفهم ، وهاهي القوى المعادية تستخدم بعض الرجال ، تلبسهم رداء الدين لتوغل فينا جهلاً وظلماً .. بينما الدين منهلاً للمؤمنين والفقراء والمظلومين وداعياً للحرية والعدالة " ولهذا فنحن نقرر حقيقة تأريخية ، حينما نقول إن اليسار في مجتمعنا هو الوريث الحقيقي لدين محمد بن عبد الله الذي هدم الأصنام وبشر ومارس العدالة الأجتماعية ، ولدين عيسى بن مريم الذي قلب الموائد على المرابين والفريسيين في القدس .. وهو الوريث لنضال أبي بكر في حرب الردة وكفاح عمر من آجل المساواة ، وجهاد علي بن أبي طالب ضد الفقر والجهل وتضحيات الصحابي أبي ذر الغفاري من آجل فضح وكشف الأستغلال المتستر بالدين منذ فجر الأسلام ـ لطفي الخولي ـ مدرسة السادات السياسية واليسار المصري " .
وعلى العموم ، فمن الواضح إن الخوض في موضوع الدين والدولة لم يكن جديداً ، إنما كان هناك حوار ونقاش ، وأيضاً صراع دائم حوله منذ بداية التأريخ ، وهو نزاع سياسي . ورغم الخصوصية الأجتماعية والثقافية والدينية للمجتمعات ، إلا أن ذلك لايمنع إستفادة كل المجتمعات البشرية من تجارب مختلف المجتمعات ، فمنذ القدم كان هناك رأيان متناقضان :
" رأى البعض ، وقد أشرنا الى أوغسطين ، أن الكنيسة يجب أن تبتعد بمقدار عن الدولة وتكتفي بالأرشاد والتوجيه " و " أما الرأي الأخر فقد رأى أن الوقت قد حان لكي تندمج الدولة بالكنيسة " " وكان آيزوب 260 ـ327 م أول منظر سياسي مسيحي يقول بالمطابقة مابين الأمبراطورية والكنيسة ولكن آوغسطين رفض القبول بهذه المطابقة وقد خرج رأي ثالث " وخلال هذه الفترة ـ القرن الرابع الميلادي ـ ظهر ( نسطوريوس ) الذي كان يعلن أن مريم لم تكن أم الطبيعة الألهية في المسيح ، بل أم طبيعته البشرية وأن من الأفضل تسميتها بأم المسيح لا أم الله . وقد أدى جهره بهذه العقيدة الى حرمانه من الكنيسة ونفيه الى واحة في صحراء ليبيا " ( المقاطع المؤشرة من مقال بعنوان عبر الظلام نحو النور لكاتبه علي ضياء الدين ـ جريدة الزمان البغدادية 7 أذار مارس 2007 ) فالواقع أن هذا الحوار تأريخي ، وكان هناك باستمرار ثلاث أتجاهات ، إثنان منهما متصارعان ، رافضان بعضهما لبعض ، فيما يكون الأختيار أو الأتجاه الثالث في مكانته المرموقة والمقبولة والقريبة للعقل والوجدان والدين والعدالة .
تسؤلات وملاحظات :
إن بعض الملاحظات التي تؤشرها الأقلام الحريصة .. مخاوف حقيقية لدى فئة من المثقفين أن يحاول بعض ضعاف النفوس لجعل الدين ستاراً تتخندق خلفه غايات وأهداف غير وطنية وغير أسلامية ، وهاكم بعض هذه الغصات " لأنهم آمنوا أن الدين طقوس ، وأن الجهاد ـ سِنام الدين ـ إرهاب أقتنعوا لأنهم أعتبروا أن الدعاء على الأعداء يكفي ، فلم يعدوا ولم يستعدوا ، فكان ماليس منه بُد ، وهو الأعتراف " بأسرائيل " .. فأعترفوا .
ولقد منحهم الله آية لعلهم ينتفعون بها فلم ينتفعوا بها ، فقد نصرهم الله بحزب الله في جنوب لبنان بعدد قليل من المجاهدين الصادقين ، ولكن المعترفين عصبوا عيونهم وجعلوا أصابعهم في آذانهم فأنكروا إن النصر نصر .. ومنحهم الله آيات ، إذ رأوا مقاومة العراق وفلسطين ولبنان تعلوا وتصعد وتقدم الشهداء فلم ينتفعوا ، وقلبوا الصفحات الى أن وصلوا الى صفحة الأعتراف فأعترفواـ مجيد البرغوثي منشورات موقع حركة القوميين العرب " . ولعلي آهون على اخي صاحب القول حين أطلعه على كلام الأمام علي في مثل هؤلاء : أيها الناس سيأتي عليكم زمانٌ يكفأ فيه الأسلام كما يكفأ الأناء بما فيه ، أيها الناس إن الله قد أعاذكم من أن يجور عليكم ، ولم يعذكم من أن يبتليكم ، وقد قال جل قائل " إن في ذلك لأيات ٍ وإن كنا لمبتلين " .
والله أن الصورة لتبدوا مضحكة ، ففي لبنان أعتبروا المقاومة شيعية ، لذلك يجيشون لها الطائفيون الذين تصب مصالحهم مع مصالح الأعداء ، وفي العراق أعتبروا المقاومة سنية ، فجيشوا ضدها جيوش العالم . وتنزل من أبراجها شخصيات لتطلب دعم طائفة ضد طائفةً أخرى ، وذلك ما يدعونا أن نتسأل مع تساؤل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر : " لقد كنت أسأل نفسي دائماً ياأخواني ، هل نترك الأسلام نهباً للخداع والضلال يسيرانه كيفما شاءا ؟ وكنت اسأل وأسأل : هل هذا في صالح الدعوة الأسلامية ؟ وكنت أشعر في الوقت نفسه بأن الأسلام يطلب من أهل الرأي وآهل العلم يعملوا ويعملوا ، ليسيروا بهذه الدعوة في طريق الحق ، وينقذوها من نهازي الفرص المخادعين المضللين ـ عبد الناصر 9 / 11 / 1954 . "
وقد أستغل الدين ، أو هكذا حاول البعض ، ضد الثورة الناصرية قي محاولة لأيقاف تقدمها نحوتحقيق المجتمع الأشتراكي ، مجتمع العدالة والمساواة " أستغلال الدين في تسعير الحملة ضد التجربة الناصرية بدعوى أنها " أشتراكية ماركسية ملحدة " قامت ، بنهب أموال الناس تحت أسم التأميم والحراسات والأعتداء على كرامتهم وحرياتهم وما آفاء الله عليهم به من رزق . وأن تصحيح هذه الأوضاع أمرٌ لايستلزمه الدين وحسب ، وإنما أيظاً ـ روح الأيمان في ثورة يوليو ـ لطفي الخولي ـ نفس المصدر "
تفاصيل من الحاضر وأجوبة سابقة :
إذاً .. أختارت ثورة 23 يوليو أن لاتترك نهازي الفرص المخادعين المضللين ليسيروا بالدعوة الأسلامية بغير طريق الحق ، الذين سبق لهم أن مكنوا الأستعمار من العرب والمسلمين " أيها المسلمون : والله أن السماء لتبكي على ماصارت عليه أمور المسلمين من ضعفٍ وهوان ، نسوا الله فأنساهم أنفسهم وتخلوا عن رسالته فحل عليهم غضبه ، واستبدت بهم قوى الشر ، وتمكنت فيهم يد الأستعمار وأصبح بأسهم بينهم شديد ـ آلم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ، ولايكونوا كالذين آوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد ، فقست قلوبهم وكثيرٌ منهم فاسقون ـ جمال عيد الناصر في ذكرى المولد النبوي الشريف 18/ 11 / 1953 . "
وليس هناك مراوغة في أسس الدين ، ولايملك مؤمن أن يجري بالدين نحو طريق الفرقة والفساد ، وقد لاحظت من نهازي الفرص المخادعين المضللين الكثير من العقول الطائفية المتحجرة ، من لادخل له في الدين " ممارسةً ً" .. يتحدثون عن طوائفهم .. شيعية أو سنية ، حتى وهم متلبسون بخطيئة السكر أو لعب القمار ، لايؤدون صلاة ، ولازكاة ، ولم يؤدوا الحج ، ولم يأمروا بمعروف ولم ينهون عن منكر ، ولم يساهموا أو يدعوا لخيرٍ أو جهاد ، يشربون الخمر ويمارسون البغاء والخيانة ، يسرقون أموال الناس وأموال الدولة ، يأكلون أموال اليتيم ,, منافقون ، ومع ذلك فإنهم طائفيون ! آليس السني أو الشيعي مسلماً قبل كل شيء ؟ آلم يدرك آولئك واجبات المسلمين أولاً قبل أن يحاولوا تخريباً بالأسلام ؟
ولكن .. هل وقفت ثورة يوليو الناصرية موقفاً سلبياً من الألتزامات الأسلامية ، ومن الدعوة للتمسك بها وأيضاح مسالكها ؟ تعالوا نتابع الأختيار الأسلامي للثورة الناصرية فقد كان واضحاً لعبد الناصر أن التغيير الذي يسعى نحوه لايختلف إطلاقاً مع تعاليم الأسلام إن لم تكن متوافقة معه بالكامل " وعلى سبيل المثال فإن الدين لم يكن عقبة ضد التحولات الأجتماعية الكبرى التي حدثت في عصر ( جمال عبد الناصر ) . وبالعكس فقد خرجت أقوال النبي والصحابة تؤيد كلها مطالب العدل الأجتماعي ، وشاع في كتابة الكتاب والمفكرين القول المأثور عن الصحابي الجليل ( أبو ذر الغفاري ) : " ثلاث للناس جميعاً ، النار والماء والكلاء ." كانت تلك هي وسائل الأنتاج في العصر الذي قيلت فيه ، وأعتبرها ( أبو ذر الغفاري ) ملكاً للمجتمع . وبهذا القول فإن ( أبو ذر الغفاري ) سبق الفكر الأجتماعي التقدمي الحديث بأربعة عشر قرناً كاملة ـ محمد حسنين هيكل ـ خريف الغضب "
لذلك فإن الخطاب الناصري ركز على مفاهيم الأسلام والسنة النبوية " أيها المسلمون هل آدلكم على سنة الله ورسوله ؟ لتكن المعرفة رأس مالكم ، والعقل أصل دينكم ، والحب أساسكم ، والشرف مركبكم ، وذكر الله آنيسكم ، والثقة كنزكم ، والحزن رفيقكم ، والعلم سلاحكم ، والصبر رداؤكم ، والرضا غنيمتكم ، والفقر فخركم ، والزهد حرفتكم ، واليقين قوتكم ، والصدق شفيعكم ، والطاعة حسبكم ، والجهاد حلتكم ، ولتكن قرة أعينكم في الصلاة ـ جمال عبد الناصر ـ المولد النبوي الشريف ـ 18 / 11 / 1954 "
هل الدين ملك ٌ لجهةٍ دون أخرى ؟ :
يعلق المسلمين كثيراً من أمورهم الدينية على فئة ً من العلماء والمشايخ ، ولقد أستغل البعض هذا الأمر ، ولم يكن ذلك وليد اليوم " في أيام الخلافة العثمانية كان المصريون يظنون أن الخلافة هي الأمل المنشود ، ولكن الخلافة أستغلت الدين في إذلالنا . أستعبدنا الأتراك وبثوا بيننا الأحقاد والضغائن ، وأستخدموا فئة من أهل الوطن ليتمكنوا من الجميع ، وهذه الفئة التي أُستخدمت في سبيل المنافع الذاتية ، كانت هي المعول الأول في هدم عزة هذا الوطن وكرامته ، كانوا يقولون إن خليفة المؤمنين هو ظل الله في الأرض ، وبذلك أستطاعوا آن يقضوا على معنويات هذا الشعب ، وكان كل فرد يبحث عن رزقه ، ويجد أنه إذا دافع عن كرامته قطِع رزقه ، لذلك كان الشعب يسكت محافظة ً على رزقه ، وهكذا خدُعنا بالكلمات البراقة والوعود الباطلة ـ جمال عبد الناصر ـ 29 / 5 / 1954 "
وإذا كان هذا الكلام غير واضح للبعض ، فنحن على أرض الواقع نعيشها بكل التفاصيل ، فأعداء الأسلام .. دول ومؤسسات ، وجدوا الكثير ممن يخدمهم ويعاونهم على إذلالنا ، وسرقة أموالنا وثرواتنا ، وبث الفرقة بيننا ، وتطوع البعض بقتل أبنائنا وتدمير قوتنا ، ومع ذلك فالمسؤلية تقع على كاهلنا وكاهل الذين يؤمنون أن الدين وسيلة لأسعاد الناس ووحدتهم " إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا " " وأعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا " .
إن بعض العناصر التي عرف عنها مواقفها الوطنية سنوات المد القومي ، التي لم تستطع الثبات على مساحاتها الوطنية تلك ، فتحولت عنها نحو المربعات الطائفية الضيقة ، هؤلاء الأن " هم أشد خطراً من الأنجليز و الأستعمار ، فالأستعمار كان يسعى دائماً الى الفرقة وكان يتبع دائماً المبدأ المعروف : فرق تسد . وكان الأستعمار يفرق بين تجار الوطنية من حيث الثمن ، يستخدمهم في تحقيق مأربه الذي ينحصر في بقائه بالبلاد ـ جمال عبد الناصر 2 / 8 / 1954 "
إذاً ، فقد حان زمن الفرز ، كما فعلت ثورة عبد الناصر حيمنا واجهت ولاحقت العناصر التي كانت تختبىء في الجحور وتدعوا " للجهاد " ضد الثورة خدمةً لأسيادها ، ولكي لاتختلط الأوراق ، فإن البعض ممن تغاضينا عن بعض أخطائهم ، حين كانوا يدعون لمقاطعة العملية السياسية كونها جائت بأرادة الأحتلال ، ثم فاجئو الجميع تصدرهم لمراكز رسمية رئيسية " تحت ظل الأحتلال " ، ومن نتاج العملية السياسية ووفقاً لشروط المحاصصة َ!! ثم وبعد خسارتهم لمركزهم ، يعودون لمواقعهم الأولى !! ولأننا نتصف بالطيبة لم نوقفهم عند حدهم .. وسكتنا ، ثم عادوا ليروجوا لمشروع جديد !!!! فأمريكا أفضل من أيران ، وأفضل من الشيعة .فإذا كانوا يعتقدون أنهم بذلك يشهرون سيوفهم ضد الحكومة ، فإنهم يرتكبوا خطاءً تأريخياً ، ( والذين يحكمون لايمثلون كل الشيعة وأليكم ماقاله آية الله فاضل المالكي : إذا أردنا أن نتكلم عن العراق العربي .. العراق العربي لاينهض إلا بجناحيه من الطائفتين الكبيريين . وبالأضافة لكلام الشيخ فاضل المالكي ، فإن العديد من الأحزاب الشيعية ـ حزب الفضيلة مثلاً خارج الحكومة ولها مواقف معارضة لها ، ناهيك عن الشخصيات الشيعية المنتمية لأحزاب أخرى غير دينية )
إن هؤلاء لايمثلون طوائفاً ، إنما يمثلون طموحاتهم الشخصبة لأنهم " ويقولون إن الأسلام غايتنا ، لابل الحكم غايتهم ، ولبس الدين عندهم ألاوسيلة للوصول الى الغرض ، وهو الحكم ـ جمال عبد الناصر 29 / 10 / 1954 . ولأن " الدين محبة وتعاون لايغضاءـ جمال عبد الناصر" فقد أختط عبد الناصر لثورته رعاية الفقراء ، وبناء المساكن الشعبية ، وإقامة العدل ، وإنشاء المصانع ، وإصلاح الأرض وتوزيعها على الفلاحين ، وبث العلم ، والقضاء على الأستغلال والجهل والفقر والمرض ، وأراد عبد الناصر أن يكون قدوة ً للأخرين .. فمات وهو لايملك مسكناً له ، ولم يترك إرثاً لعائلته سوى مرتبه التقاعدي .. وحب الناس لذكراه وسيرته ، وسفرٍ عظيم لاتعكره شائبة ، لأنه كان يملك قلباً وسع أبناء مصر .. وأبناء العروبة .. والمسلمين والمظلومين في العالم .
ولم يحتكر حبه لأحد ، حتى من رفع السلاح وأطلق عليه الرصاص .. كونه تعلم الأسلام مبادىء وقيم نبيلة ، وليس كما أراده الأخريين .. الذين يستغلون ظروف الناس ليبنوا هياكل من الأرهاب والظلال ، ويعملوا بأسم الدين ليحتكروا السلطة والثروة .. " ومحمود عبد اللطيف ، الرجل الفقير الذي نعمل من أجل إزاحة الفقر عنه وعن أولاده ، ونوفر له حياة أجتماعية يشعر فيها بالسعادة ، ونوفر لأولاده التعليم والصحة ومستوى حياة أفضل ، كنا نعمل من أجل حريته وعزته في الوقت الذي كان الهضيبي بأسم الدين والأسلام يبث في نفسه الحقد والكراهية . كنا نحارب الفقر ، والهضيبي وأعوانه يستغلون الفقر في محاربتنا ـ عبد الناصر ـ 29 / 10 / 1954 "
كل ذلك تم تحت الأدراك الناصري للأسلام ، حيث أن عبد الناصر قد ميز ثورته " بالواقعية تعبيراً عن حاجة عميقة عند الأنسان العربي وعن مصلحة تمسه مباشرة ، فهدفت الى تبديل الواقع تبديلاً جذرياً لأنها كانت لاتريد الخضوع للوقائع ، فالواقعية الثورية هي نقيض تلك الواقعيات التي تخضع للواقع . ومن هنا لم تسر وراء فلسفات ونظريات بعيدة عن هذا الواقع بل أخذت تتحسس طريقها وفق مقتضيات التطور لأنها كانت تؤمن دائماً بأن الثورة جزء من التطور وليست منفصلة عنه وإن الثورة ماهي الآوسيلة لأزالة العوائق التي تقف في طريق التطور ـ كمال الدين رفعت ـ مجلة الكاتب ـ مقال بعنوان 23 يوليو "
لماذا أستعداء الأسلام على العروبة ؟
أستمرت محاولات التأزيم بين الدين والفومية ، وليس أي قومية .. إنها القومية العربية ، والعروبة بشكل ٍ عام .. رغم أن العروبة كانت مهد الأسلام ، ففي حين لم يهتم رجال الدين أو غالبية منهم بهذه الأتجاهات ، فقد سماها البعض منهم حنيناً للماضي ـ ماقبل الأسلام ـ ، وذاكرتي تحفظ جملة للأمام الخميني يستهجن فيها تصرف أيرانين بسبب حنينهم للماضي المجوسي ، ويقول حسب ذاكرتي : أتريدون أن تنتقموا من الذين أخرج أبائهم ، أبائكم من الظلمات الى النور .
ولكن الملفت للنظر أن ظاهرة الحرب " الأسلامية " ضد العروبة مستمرة ولم يفلح في ردها كل محاولات القوميين تمسكهم بالأسلام ، واليكم بعض الجمل من إحدى الصحف " الأسلامية " يقول كاتب مقال : وإن كنت أعرف جواب الأحجية أوأي مواطن من ( الأمة العربية المجيدة ) يعرف الجواب كما يقول أهل المنطق ـ والبعرة تدل على البعير ـ ملاحظة سقت مثل هذا المثل لأنه من قلب الجزيرة العربية وتراثها .
لقد نسي الكاتب " الأسلامي " إن هكذا كلمات ( البعرة والبعير ) عن منطقة لها أهميتها وقدسيتها التأريخية والدينية بقصد الأساءة للعرب ، غير لائقة خصوصاً أن الجزيرة العربية كانت مهد الرسالة الأسلامية ، وأن قلبها الكعبة التي بناها النبي أبراهيم . وقد سبق للكاتب أن هجم على العرب وموروثهم ، يقول : " وعلى موروثهم التأريخي القديم الذي أصبح من الماضي وصار العالم يتعامل معه على أنه تأريخ وآثار تصلح للسياحة فقط " ، ونسي كاتب المقال أن موروث العرب وتراثهم عظيم ، وأعظم مافيه الأسلام آدابه ومثله العليا ، وجهاد الرسول "ص" وأهل بيته ، والأولون في الأسلام من الصحابة والمجاهدين ، وفيه الحج الأبراهيمي ، وفيه مكارم الأخلاق التي قال عنها صلوات الله عليه واله " جئت لأتمم مكارم الأخلاق في أمتي " وكذلك قال " حب العرب أيمان وبغضهم كفر " .
ولايخفى على أحد أن هذه الدعوات لها أهداف سياسية ، تحاول أن تضرب أسفيناً بين العروبة والأسلام ، وهي سلسلة من الحروب لأجتثاث الأنتماء العروبي والأسلامي في آن واحد ، متزامنة مع التأجيج الطائفي التخريبي ، وخدمة لأعداء الدين في المقام الأول ، وبالتالي فإن غرضها سياسي وليس ديني ، واليكم المثل التالي :
نشرت إحدى الصحف التي تحسب نفسها على التيار الأسلامي مقالاً لكاتب جاء فيه : أن التأمر على العراق كبير وخطير وأن لوعقد مائة مؤتمر مصالحة أو مؤتمرات دولية أو أقليمية لما يسمونه بمعالجة الحالة الأمنية في العراق فإنها لاولن تجدي نفعاً لأن دول الجوار عربية كانت أم غير عربية تضمر العداء للعراق ولاتريد خيراً له ولاأستقرار .
وفي نفس المقال يتابع كاتبه فيقول : أن الولايات المتحدة أنتصرت في مكافحة الأرهاب وسوف لا ولن تُهزم أمام الأرهابيين والظلاميين ولن تخرج من العراق الى أن تفي بوعودها في تثبيت الديمقراطية وحقوق الأنسان وعدم التفريط بوحدة أراضيه وليكن واضحاً للجميع بلا لبس أو غموض ، ولكي لانغمط الحقائق ولانمارس التعتيمية على دور الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن يضع العراقيون يدهم بيد أمريكا نحو تحقيق هذا الهدف العظيم من باب العرفات بالجميل لها ولبريطانيا " وصاحب هذه الصحيفة يتأرجح بين الأنتماء للتيار الأسلامي والفكر الشيوعي !!!
والحقيقة أن الفكر القومي لم يكن بعيداً عن تصور ظهور عناصر على هذه الشاكلة ، فقد ورد في التقرير الناصري العام 2004 مايلي :
هذه البنى الأجتماعية الجديدة التي آحكمت السيطرة بدرجات متفاوتة على أجهزة الدول القطرية لديها ميل حتمي وخلقي نحو الأرتباط بالأستعمار الجديد في نسخته الأمبراطورية الأمريكية ، وذلك من آجل الحفاظ على أوضاعها القائمة في وجه السخط الشعبي المتزايد ضدها .
سنتواصل مع الناصرية الاختيار الثالث
بغداد العروبة 14 اذار مارس 2007