صرخة وحدوية من ارض العراق المناضل

امير الحلو

لم تكن الدعوة الى وحدة الامة العربية مجرد شعار عاطفي رفعته القوى والتنظيمات والشخصيات القومية لايستند على معطيات وحقائق تاريخية وواقعية، بل ان مثل هذه الدعوة استندت على واقع عاشته الارض العربية الممتدة من المحيط الاطلسي حتى الخليج العربي عندما جسدت عبر حقب تاريخية متعددة عوامل التوحيد بين شعبها الواحد الى نظام سياسي موحد ودولة قدمت للبشرية كلها نموذجا متطورا في العلوم والاداب والاجتماع وغيرها.

من هذه الحقيقة نقول ان الحركة القومية العربية التي شهدت عنفوانها في بداية القرن العشرين وظهور المنظمات والحركات الداعية الى وحدة الامة العربية استندت في عملها وشعاراتها على واقع ملموس وحاجة حقيقية لحشد وتجميع الامكانات المادية والبشرية لهذه الرقعة الجغرافية المهمة في خارطة العالم وقيام دولة موحدة لها مقومات واقعية تستند الى التاريخ والجغرافية واللغة والحضارة والمصالح المشتركة.

ان العمل الجماهيري الى وحدة الامة الذي جسدته الحركات والتنظيمات القومية كان لابد له وان يناضل بشتى الصور والسبل لقيام نواة مركزية لهذه الوحدة تكون منطلقا للتوسع والامتداد لتشمل الحدود الحقيقية للامة العربية، لذلك فأن الظروف التي اعقبت اغتصاب فلسطين عام 1948 اكدت ان الرد الطبيعي والمنطقي على هذا التحدي هو في حشد القوى المؤمنة بالوحدة لخلق تلك النواة على اسس جماهيرية ومفاهيم واقعية تأخذ بنظر الاعتبار كل المستجدات التي شهدتها البشرية عبر مراحل تطورها التاريخي.

واذا كان الاشقاء في سورية ومصر ممثلين بقياداتهم الجماهيرية والعسكرية قد حققوا احلام نضال طويل ودام باعلانهم قيام الجمهورية العربية المتحدة في 22 شباط 1958، فأننا في العراق قد ولدنا وفطرنا على المفاهيم القومية العربية، وكانت الاحزاب والشخصيات القومية من ابرز مناضلي الحركة الوطنية في العراق، كما ان المؤسسة العسكرية العراقية كانت بؤرة قومية، ثارت ووقفت باستمرار من اجل تأكيد عروبة العراق وكونه جزء اساسيا من الوطن العربي الكبير، لذلك فقد استقبل شعبنا في العراق قيام الجمهورية العربية المتحدة ليس بالفرح والحبور فقط، بل بتسريع وسائل النضال الجماهيري وحتى العسكري من اجل وضع العراق على خط مساره الطبيعي، لذلك فقد كان من الطبيعي بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، التي استلهمت في تأسيس خلاياها وتطورها وتنفيذها للثورة من ثورة 23 تموز 1952 في مصر بقيادة الرئيس والمعلم جمال عبد الناصر، ان تدعو القوى والتيارات القومية الى ايجاد نوع من انواع الارتباط الوحدوي مع الجمهورية العربية المتحدة بصفتها النواة الطبيعية لمشروع الوحدة الكبير، ولسنا هنا بصدد الحديث عن الصراع الدامي الذي شهده العراق بين تيار الوحدة واعدائها، ولكننا نؤكد ان كل ما قدمه القوميون في العراق من تضحيات لم تكن بالقليلة بكل المقاييس والاعتبارات كان هدفه الوحدة اساسا، ومهما كانت النتائج والتحديات الا ان الهدف يبقى هو المحرك لطاقة جماهيرنا وقواها القومية من اجل استكمال النضال الوحدوي، وان اختلفت الصور والاساليب التي بلورها واقع التطبيق العملي لمشروع الوحدة وما اكتنفه  من مصاعب واخطاء قادت الى تنفيذ الرجعية لمؤامرة الانفصال في 28 ايلول 1961.

اننا في العراق نعيش ظروف الاحتلال والاحتراب الطائفي المقيت، ونعمل من اجل ايقاف دوامة العنف، لن نتنازل عن هدفنا المركزي ومشروعنا القومي المبدئي، فمع عملنا على تحرير العراق والحفاظ على وحدته الوطنية والقضاء على كل عوامل التفرقة المفتعلة والطارئة، فاننا نعتبر ان ذلك كله جزء لايتجزأ من نضالنا القومي الذي يبدا اولا بتأكيد ان العراق جزء لايتجزأ من امته العربية وان اية قوة عاتية خارجية كانت ام داخلية لن تستطيع تغيير حقائق التاريخ والواقع الملموس لعروبة العراق، واذا كنا نتعامل مع واقع تعيشه الامة العربية في ظروف التجزئه والفرقة تجعلنا موضوعيين في طروحاتنا الوحدوية التي تنسجم مع هذا الواقع، الا اننا لن نتخلى عن هدفنا المركزي، لمعرفتنا ان مثل هذه الاهداف الكبيرة لاترتبط بفترة زمنية محددة او ظروف انية مهما طالت، والمهم بالنسبة لجيلنا الذي شهد قيام نواة الوحدة، الجمهورية العربية المتحدة وانجازات قائد النضال القومي الخالد جمال عبد الناصر، انه لم يتخل عن مبادئه وقد سلم الراية مع استمراره بالنضال الى ابنائه واحفاده الذين يدافعون اليوم ببسالة عن حرية ووحدة العراق وانتمائه العربي، من هنا فقد يستغرب من لايعرف العراق ان يجد التنظيمات والشخصيات القومية والناصرية في العراق هي في طليعة النضال الوطني من اجل التحرر ومقاومة الاحتلال والابقاء على عوامل الوحدة الوطنية بعيدا عن مفاهيم الطائفية والمحاصصة الغريبة عن شعبنا الواحد ونضاله التاريخي من اجل وحدته الوطنية، لذلك نؤكد لاشقائنا في ربوع الوطن العربي ان الظروف الصعبة التي يمر بها العراق وتعدد جبهات النضال لم تمنع القوميين العرب بتعدد تنظيماتهم ومسمياتها من ان يجعلوا الوحدة العربية هدفهم الاسمى، وهم يحتفلون وسط الجراح والدماء والالم الذي يعيشه العراق مع جماهير الامة العربية في احياء ذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة بقيادة قائدنا وملهمنا جمال عبد الناصر، فالقومية منطلقها النضال الوطني اولا.. ونحن على عهد الامة العربية وجماهيرها بنا سنبقى اوفياء للمبادئ، فالعراق الواحد بالنسبة لنا هو المدخل للنضال من اجل وحدة امتنا المجيدة وشعبنا الابي.

من بغداد العروبة نوجه التحية لجماهيرنا الوحدوية في عموم ارض الوطن الكبير ومن وسط النضال من اجل الحرية ونستلهم مبادئ عبد الناصر لاعلاء راية العراق وسط رايات العرب التي لابد وان تتجسد في راية واحدة ترفرف على كل الارض العربية الواحدة، مهما طال الزمن