يعيش
العراقيون حالة سلبية ومؤلمة جداً لها آثارهاالكبيرة على واقعهم المتردي في المجالات الامنية
والاقتصادية والخدمية، تتمثل بهجرةاعداد كبيرة من المواطنين لاسباب شتى والى اماكن عديدة داخل
وخارج العراق، وتقفالعوامل الامنية والاقتصادية وراء هذه الظاهرة التي تستفحل
يوماً بعد يوم حتى اصبحالشغل الشاغل لاكثر المواطنين تدبير اية طريقة للخروج
ومواجهة مصير
مجهول يعاني منه الان حوالي اربعة ملايين ونصف مليون عراقي بحسبالاحصائيات المعلنة من قبل المفوضية العليا لللاجئين
التابعة للامم المتحدة التياعتبرت العراقيين على رأس الجنسيات الاربعين التي تطلب
اللجوء السياسي في الدولالاوربية ،وسيسجل هذا الرقم ارتفاعاً بنسبة 50% كما تتوقع
المفوضية. ويمكننا القولان الهجرة تأخذ شكلين ومسارين:- الاول- داخلي يتمثل في
عمليات التهجير القسري علىاساس الهوية الطائفية والمصحوب بالتهديد والقتل ومصادرة
الدور، فهناك اكثر من 200الف عائلة جرى تهجيرها يصل عدد افرادها الى اكثر من نصف
مليون مواطن نزحوا بالقوةمن مناطقهم في عمليات متبادلة طائفياً كشكل من اشكال
الاحتراب الطائفي الفعلي الذيتعيشه البلاد، ويعيش المهجرون في ظروف سيئة جداً من حيث
السكن في الخيم والصرائفومن دون اية خدمات في اجواء مناخية صعبة وانقطاع موارد
الرزق. ولاشك ان هذه الظاهرةالمؤسفة تعمق من الانقسام داخل المجتمع العراقي وتمزق نسيجه
وتخلق حالة من التوترالمستمر بين المناطق المتصارعة طائفياً،من دون اي فعل حقيقي
من جانب الحكومة والقوىالسياسية لايقاف هذا النزيف البشري والتهجير القسري. اما
الشكل الثاني للهجرةفيتمثل في خروج اعداد كبيرة من المواطنين الى سورية والاردن
ومصر من دون تمكناغلبهم من تدبير اوضاعهم السكنية والمعيشية في تلك البلدان،
وقد وصل عدد العراقيينفي الخارج الى اربعة ملايين ونصف شخص، وهذا يمثل شعباً
باكمله، وباتت الدول التييقصدها العراقيون تنوء بالاعباء نتيجة عدم قدرتها على
استيعاب هذه الاعدادالمتزايدة ، فالارقام شبه الرسمية تشير الى هجرة ثلاثة الاف
مواطن يومياً، فلواستمر هذا الرقم المتصاعد لمدة سنة فكيف ستكون الحالة؟ وقد
كان عدد العراقيين فيالخارج سابقاً لايتجاوز الثلاثة ملايين نسمة لم يعد اكثر من
نصف مليون منهم وابقواعلى لجوئهم في البلدان التي هم فيها،كما ان اعداداً كبيرة
من المسؤولين مازالوالاجئين في الخارج ويحتفظون بدورهم واملاكهم وعوائلهم وحتى
جنسياتهم المزدوجةوجوازات سفرهم غير العراقية. اننا عندما نتطرق بألم الى هذه
الحقائق التي يعيشهاالعراقيون بمرارة نلقي بمسؤولية ذلك على الاوضاع الامنية
المتردية وانعدام الخدماتوتدهور الحالة الاقتصادية والمعيشية مع زيادة البطالة
وارتفاع مستويات التضخموارتفاع اسعار المواد الغذائية وغيرها. فالاضطراب الامني
والارهاب الاعمى والعنفالطائفي ادى الى الضعف الشامل في مجالات المعيشة والعمل
والخدمات ، حتى اصبحتالحياة لاتطاق وتدفع المواطنين الى الهجرة. ان من الحقائق
المعروفة تاريخيا عنالعراق انه كان بلداً جاذبا للاخرين وليس طارداً لمواطنيه،
فارض السواد كانت تستهويالاخرين الى العيش فيها ، كما ان ظهور النفط ووجود الخيرات
بمختلف اشكالهاومجالاتها جعلت العراق محطا للانظار وموئلا للمحتاجين
،ولاشك ان عكس هذه الصورةالمشرقة للعراق وصيرورته الى موطن يسوده الاقتتال الطائفي
والتخلف الشامل والشللالكامل في جميع المجالات مع انعدام للامن بكل مظاهره
ومتطلباته ، يلقي على الدولةمسؤولية كبيرة في ايقاف هذا التدهور ، فالجميع يتساءلون :
اين الحكومة ومؤسساتها منكل ذلك ، واين تذهب المليارات المعلنة في الميزانية ، وما
نتيجة الخطط الامنيةالمتعاقبة بمختلف مسمياتها ومحاورها ؟ الجواب : لاشيء ، فكل
يوم كما يقول العراقيون، هو افضل من اليوم التالي وليست هناك اية خطط او رؤية
لحلول آنية وسريعة لايقافالازمة ثم حلها. فاذا ما استمرت الاوضاع على حالها فقد نجد
العراق يوماً ارضامحروقة ومقسمة من دون شعب ! فهل هذا ما يريده اهل الحكم وهم
عاجزون على الاتفاقفيما بينهم على ابسط الامور والبلد يسير من
سيء الى اسوأ ؟