هل السكوت من ذهب؟
امير الحلو
كنت اشاهد فياما عن حياة احدى الممثلات الاجنبيات واستلفتت سمعي عبارة قالها المخرج للممثلة (ايتها البلهاء اذا لم تجدي سطورا تقرأيها في السيناريو فاطبقي فمك ولا تتكلمي) وقد يكون المخرج محقا لان ليس من حق الممثل ان يتحدث بما يشاء خارج اطار السيناريو (يحدث ذلك كثيرا في المسرح عندما يخرج الممثل عن النص بسبب الملل اليومي من ترديد الكلام نفسه). ولكن ما شدني الى كلمات المخرج هي الدعوة الى عدم الكلام خارج ما هو محدد، وتصورت ان هذا الامر يمكن ان يكون (قانونا) في جميع مجالات الحياة وخصوصا في السياسة فهنا تكمن الكارثة عندما يحدد لنا (سيناريو) مكتوب بشكل محدد لايسمح لاحد بالخروج عنه بالحديث او حتى بالهمس او الحركات! ويحدثنا التاريخ القديم والمتوسط والحديث عن مصير من خرج عن (السيناريو) بأي شكل من الاشكال، او فضل الذهب على الفضة وفتح فمه ونطق بما لايرضي الكبار، ولكنه يحدثنا ايضا عن الكوارث التي تصيب البشرية نتيجة الصمت المطلق، فلا صمت حقيقي الا في (القبور) ولو انها باتت تنتهك ايضا وتصبح ساحات للمعارك وتصفية الحسابات. السعيد في كل هذا المشهد هو الذي (يغرد) في الحدائق الغناء او الغابات الكثيفة، فصوته جزء من جمالية تلك الاماكن، ولكن المشكلة تكمن فيمن حاول ويحاول (التغريد) وسط اجواء كتم الاصوات بالقوة، او ان يغني وهو في الجحيم، ولكن الملاحظ، مع الاسف، ان من يغردون في جنات الدنيا الواسعة يلومون بل (يشتمون) من يصمتون في نيران الدنيا الحارقة، فترى (هذا) يحاسب (ذاك) وهو لم يعش نيران ما عاشه (ذاك) وفضل الانتقال من غصن الى اخر وسط شجيرات الغابات الغناء في ارجاء العالم، وصب جام غضبه على عباد الله المساكين الذين اكتووا بجميع انواع نيران الحروب والحصارات و (الديمقراطية) والاحتلال والحروب الاهلية والطائفية المقيتة. هنا، وهنا فقط يمكنني ان اردد اقوال اجدادنا بحق (بعضهم) فاقول (اكرمنا بسكوتك) او (تعال.. تعال وكفاية اللي فاتنا) فارض الوطن رحبة وهي على استعداد لسماع الحديث وكسر الصمت ولكن كل يتحمل وزر كلامه و(ذنبه على جنبه) ان تجاوز ما هو مسموح بالحديث به من قبل الكبار.. فقط.