العراق: صراعات أحزاب السلطة بدأت ومعركة الآيات انفتحت!
هارون محمد
من يتابع ما يحدث في
الساحة الشيعية بالعراق تبرز أمامه العديد من المعطيات والتداعيات في مقدمتها،
الإنقسام الذي بدا واضحاً في الائتلاف الشيعي بين المجلس الاعلي برئاسة عبدالعزيز
الحكيم وجماعة حسين شهرستاني وميليشيات بدر من جهة، وحزب الدعوة بشقيه والتيار
الصدري وحزب الفضيلة من جهة أخري. وإذا كان قادة الإئتلاف قد حرصوا خلال الشهور
الاربعة التي اعقبت الانتخابات الاخيرة علي الادعاء بإن إئتلافهم متماسك ومنضبط
امام الرأي العام ووسائل الاعلام، فإن استبدال ابراهيم الجعفري وتنازله عن رئاسة
الحكومة المقبلة لصالح نوري كامل (جواد المالكي) سابقاً، كشف عن عمق التناقضات وحجم
الخلافات القائمة بين الفريقين، وصار معروفاً لدي أوساط حزب الدعوة والصدريين علي
الأقل، ان الذي اسقط الجعفري وهزمه بالنقاط وليس بالضربة القاضية هو عبدالعزيز
الحكيم رئيس كتلة الائتلاف الذي نجح بعلاقاته الوثيقة مع السفير الامريكي زلماي
خليل زاد، وتحالفاته المتينة مع القيادات الكردية وخصوصاً جلال طالباني في محاصرة
رئيس حزب الدعوة وتوجيه السهام له، وإظهاره بمظهر المتشبث بكرسي رئيس الوزراء
والسلطة وإمتيازاتها، وعزوفه عن (مظلومية) الشيعة التي تستخدمها الاطراف الطائفية
كسلعة تتاجر بها، رغم ان الجعفري كما أثبت خلال عام كامل من رئاسته للحكومة
المنتهية ولايتها انه طائفي من الطراز الأول، ويفتقر الي أبسط مواصفات الوطنية، ولم
يكتف عبدالعزيز بهزيمته للجعفري والحكم عليه بالابعاد المؤبد عن رئاسة الوزراء،
وانما لعب لعبة جديدة رمي من خلالها شق حزب الدعوة عندما زكي نوري كامل (المالكي)
مساعد الجعفري واختاره بديلاً لرئيسه، بطريقة انطلت علي الدعويين الذين سعدوا لان
منصب الرئاسة لم يذهب الي غيرهم دون ان ينتبهوا الي ان الطوفان وصل الي حزبهم الذي
بات اليوم علي ابواب تشرذم جديد هو الخامس في تاريخه خلال عشرين عاماً يقوده نوري
كامل (المالكي) يضاف الي دعوات الجعفري وآصفي ومهندسي (عنزي) والبصرة الذي كان
يرأسه عبد الزهرة عثمان (عز الدين سليم) قبل مصرعه في مطلع العام 2004.
والنجاح الآخر الذي احرزه عبدالعزيز علي جبهة الجعفري كان في توسيع الشقة بين حزب
الدعوة والتيار الصدري، والاخير وجد نفسه الوحيد الذي يقف مع الجعفري حتي النهاية،
بينما تخلي عنه قادة حزبه ومساعدوه، مع ما يحمله هذا الموقف من خسارات سياسية
سيعاني منها التيار في المنظور القريب، خصوصاً وان المالكي اعلن عقب تكليفه برئاسة
الحكومة انه سيعمل علي حل الميليشيات والمقصود بها جيش المهدي، اما قوله دمجها في
الجيش والشرطة فان المقصود بها ميليشيات بدر التي اصبحت منذ عام مضي جزءا من قوات
المغاوير والطوارئ وحفظ النظام وفرق الموت في وزارة الداخلية في عهد وزيرها باقر
صولاغي، اما ميليشيات البيشميركه الكردية فقد شكلت منها فرقتان عسكريتان في الجيش
الجديد من أصل سبع فرق، واحدة تابعة لبارزاني والثانية تخضع لطالباني.
هذا علي صعيد احزاب وجماعات واطراف الائتلاف، ولكن الأخطر في التشرذم الشيعي هو ما
ظهر علناً في التنافس المرجعي بين آية الله علي السيستاني وآية الله سعيد الحكيم
واتساع انشطة وفعاليات ولقاءات الاخير بحيث غطي علي مرجعية السيستاني المعتكف
والبعيد عن الأضواء. ولعل أبرز مظاهر الصعود المفاجئ لسعيد الحكيم، ان مكتبه نظم
مؤتمراً في النجف مطلع الشهر الحالي أطلق عليه تسمية ـ مؤتمر التبليغ ـ باشراف عمار
الحكيم دعي اليه بحدود مئتي ملا وداعية شيعي من العراق وايران وباكستان وافغانستان
والكويت والسعودية والبحرين والامارات ولبنان وكندا وامريكا وبلدان اوروبية
وافريقية، تمت تعبئتهم بتقليد مرجعية سعيد الحكيم والتخلي عن تقليد السيستاني
ومراجع الشيعة الآخرين. وإضافة الي هذا المؤتمر وما اسفر عنه من قرارات وتوصيات
وتبليغات وتوجيهات صبت كلها في تهميش مرجعية السيستاني وتقزيمها، فقد نظمت للمرجع
الجديد لقاءات واجتماعات مع وفود شعبية كما وصفت وصلت من مناطق ومدن كالحلة وكربلاء
والهندية والناصرية والبصرة والعمارة ترأسها بنفسه والقي فيها خطباً ومواعظ تضمنت
دعوات صريحة لتقليده.
ورغم ان سعيد الحكيم يحمل رتبة آيه الله منذ سنوات، الا ان الشائع عنه انه كان خلال
العقود الثلاثة الماضية منصرفاً الي التأليف وكتابة الأبحاث الفقهية والأدبية، ولم
يعرف عنه انشغاله بالفتاوي والتقليد والانخراط في العمل السياسي، حتي انه رفض
باصرار مقابلة مندوب عن باقر الحكيم الذي اوفد باقر صولاغي للاجتماع به في دمشق
التي توقف فيها وهو في طريقه لتلقي العلاج الطبي في مستشفيات المانية أوائل عام
2002 وتردد في حينه ان الرئيس السابق صدام حسين هو الذي تكفل بعلاجه وارساله الي
الخارج. وتشير المعلومات المتسربة من الحوزة الشيعية النجفية، ان ايران هي التي تقف
وراء دفع سعيد الحكيم لتبوؤ مركز المرجع الاعلي في النجف علي حساب السيستاني وان
المجلس الاعلي برئاسة عبدالعزيز الحكيم هيأ ووفر الامكانيات والسبل التي يتطلبها
مثل هذا التحول، ويتردد بهذا الصدد ان السبب الرئيسي الذي شجع الايرانيين علي
التزام سعيد انه بدأ يتفهم نظرية ولاية الفقيه المعمول بها في ايران، وصار مؤمناً
بأهميتها وضرورة تمهيد الآليات لتطبيقها في العراق في المستقبل، بينما السيستاني
يجاهر برفضه لهذه النظرية التي يجدها غير صالحة لبلد مثل العراق يضم اطيافاً وفئات
واعراقاً ومذاهب واقليات اذا جمعت فاق عدد منتسبيها عدد الشيعة بنسبة كبيرة. ورغم
ان قضية إزاحة السيستاني عن المكانة التي يتمتع بها ليست يسيرة وقد تقود الي احتراب
شيعي شيعي، غير ان الجهود الايرانية ومساعي المجلس الاعلي لتنصيب سعيد الحكيم مرجعا
اعلي، تسيران وفق نسق منظم وهادئ بعيداً عن الجدل والنقاش العلنيين، وقد شاعت في
الفترة الاخيرة دعوات في بعض الحسينيات والجوامع الشيعية تنتقص من منزلة السيستاني
لانه في رأي أصحابها نأي بنفسه ومرجعيته عن التدخل لحل ازمة الجعفري وترشيحه لرئاسة
الحكومة، ولم يبادر الي نصحه بالانسحاب من سباق المنافسة حفاظاً عن وحدة الائتلاف
الشيعي، وراحت مجموعة من المواقع علي شبكة الانترنت والنشريات المدعومة من المجلس
الاعلي وميليشيات بدر تشير صراحة الي ان حزب الدعوة ـ جناح الجعفري وجماعة حسين
شهرستاني هما الطرفان الوحيدان اللذان يقلدان السيستاني، وهما لا يشكلان شيئاً امام
المجلس الاعلي الذي يقلد خامنئي والتيار الصدري ومرجعه كاظم الحائري وحزب الفضيلة
ومرشده الاعلي اليعقوبي. وتاريخيا فان المشاحنات والخلافات الفقهية بين مراجع
الشيعة حول ولاية الفقيه ليست جديدة، وانما هي قائمة منذ مرجعية الطوسي قبل الف عام
حتي يومنا الراهن، ومعروف ان السيد السيستاني كما استاذه الراحل ابو القاسم الخوئي،
له موقف واضح في معارضة ولاية الفقيه المطلقة.
فحزب الدعوة علي سبيل المثال شهد أخطر انشقاقين في تأريخه بسبب الموقف من ولاية
الفقيه، الاول في عام 1983 والثاني في منتصف التسعينات، وادي الانشقاقان الي انقسام
الحزب الي اربعة احزاب يقودها كل من الجعفري ومهدي آصفي وابو رياض مهندسي (عنزي)
والمرحوم عبد الزهرة عثمان المعروف بـ(عزالدين سليم) الذي قتل ببغداد مطلع عام
2004. ومعروف ايضا ان السيد السيستاني كما الجعفري يؤمنان بنظرية ولاية الفقيه
الجزئية التي تتيح للمرجع البت في القضايا الفقهية والشرعية الدينية وتقديم النصح
والارشاد وولاية الفتوي والقضاء، وقبل شهور أربعة نشر احد مساعدي الجعفري خاطرة قال
فيها ان الجعفري عكف عندما تسلم رئاسة الحكومة الانتقالية في العام الماضي علي
دراسة تجربتي الحكم في السودان وتركيا وانه خرج بانطباع جيد عن أداء وسياسات رئيس
وزراء تركيا رجب طيب اردوغان الذي جمع بين المفاهيم الاسلامية والعصرنة.
من هنا وفي ضوء ما يحدث من استقطابات ومزايدات بين الاوساط الحوزوية والحزبية
الشيعية فانه من المتوقع ان تشهد المرحلة القريبة المقبلة صراعات حادة بين المنظمات
الحزبية وميليشاتها، وتدافعات وتسقيطات بين المرجعيات، واذا كانت السنوات الثلاث
الماضيات وما رافقها من امتيازات سلطوية ومالية ونفوذية حصلت عليها الاحزاب
والمرجعيات الشيعية علي حد سواء قد غطت علي الخلافات بين الاطراف المختلفة ومنعت
الاحتراب بينها، فان الصورة المقبلة في طبيعة العلاقات بين الدعوة والمجلس الاعلي
ستكون في أسوأ حالاتها، ومساهمة عبد العزيز الفاعلة في ابعاد الجعفري عن رئاسة
الحكومة اولي مقدماتها، والتأزم بين المرجع السيستاني ومنافسه سعيد الحكيم سيكون في
اشد تداعياته، ومما يفاقم في تأجيج الصراعات بين الاطراف الشيعية افتقارها الي
برامج سياسية وطنية متكاملة ورؤية واقعية للمشكلات العراقية، وكل ما تستند عليه كما
اثبتت تجربة الاعوام الثلاثة الماضية ان مشاريعها الاسلامية كما تسميها هي مجرد
أحاديث عن (مظلومية) الشيعة المزعومة، وغلو في الفرقة والفتنة في صفوف المجتمع تحت
عناوين الاكثرية والاقلية، واشاعة ثقافة مستوردة من الهند وايران قائمة علي جلد
الذات واللطم وضرب الصدور والظهور والبكائيات لالهاء الناس واشغالها عن مهماتها
الوطنية في البناء والتنمية والانتاج، وانتظار (الفرج) ولو بعد مليون عام. لذلك فمن
السذاجة والعبث ان ينتظر العراقيون اعمالاً مفيدة ومنجزات ملموسة من حكومة المالكي
التي ستكون صورة مستنسخة (منقحة) ربما عن حكومة الجعفري، علماً بإن الاثنين
(المالكي والجعفري) من مدرسة حزبية واحدة، وتجمع بينهما أفكار وتوجهات وتقاليد
مشتركة، مع الأخذ بنظر الاعتبار انهما وهذه حقيقة غير خافية علي الجميع، لا يملكان
خبرة إدارية او تجربة وظيفية او اطلاع او معرفة في كيفية تسيير الشؤون العامة،
إضافة الي محدودية علاقاتهما الاجتماعية وانقطاعهما عن الجمهور العراقي الكبير
والواسع، وانشغالهما في قضايا ضيقة تتعلق بحزبهما ومشكلاته التنظيمية ومعاركه
السياسية مع الآخرين. وكما فشل الجعفري في حكومته الانتقالية الماضية، سيفشل
المالكي.