الزميل العزيز الاخ شامل عبد القادر المحترم
تحية
اكرر اعجابي بنشاطكم الذي اعطى حيوية لصفحاتكم في (المشرق) وجعلها موضع اهتمام السياسيين والمؤرخين مهما اختلفت وجهات نظرهم.
اود هنا أن ابدي ملاحظاتي بصدد مقالكم عن (محكمة المهداوي) راجيا نشرها (ان كانت صالحة للنشر).
في البداية اود القول بأنني لا أحمل آية ضغينة أو تحامل على حكم المرحوم الزعيم عبد الكريم قاسم او على المرحوم فاضل المهداوي ، لانني اعتبر ان الخلاف بيننا كقوى قومية عربية مع ذلك النظام شابها الخطأ من الجانبين ، فلم يكن طرح شعار الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة صحيحاً بعد ثورة 14 تموز 1958 من قبلنا ، كما ان رد فعل نظام الزعيم عبد الكريم قاسم والقوى التقدمية والديمقراطية بأتهام القوى القومية العربية والرئيس جمال عبد الناصر بالعمالة للاميركان ، والعمل على سرقة (بلح ونفط) العراق كان خاطئاً هو الاخر. ولو حاكمنا تلك المرحلة بمقاييس اليوم لوجدنا ان الاوضاع آنذاك كانت تتطلب تكاتف جميع التيارات الوطنية ، القومية واليسارية، والديمقراطية لبناء الجمهورية العراقية وتقدمها وتكوين أفضل العلاقات مع محيطها العربي.
كما أود قبل مناقشة موضوع (محكمة المهداوي ) أن اقول بأنني ( زاملت) قادة نظام المرحوم عبد الكريم قاسم في سجن رقم واحد عام 1963 ومنهم المرحوم احمد صالح العبدي والمرحوم خليل سعيد والمرحوم حافظ علوان والاخ السيد قاسم الجنابي وغيرهم إذ كنا متجاورين ونلتقي يومياً وجمعتنا الالفة والمحبة ، حتى تم اطلاق سراحنا بعد حركة 18 تشرين الثاني 1963.
كما ان رابطة صداقة أخوية جمعتني مع السيدة (نضال فاضل المهداوي) بحكم زمالتنا في وزارة الاعلام في السبعينات ، وقد رجتني بعد أحداث ايلول 1970 ان تنضم الى المقاومة الفلسطينية ففاتحت المرحوم الدكتور وديع حداد قائد عمليات تلك المرحلة ، ورحب بها كثيراً ، وكانت تقول لي ان والدها المرحوم المهداوي هو مثلها الاعلى في الحياة ، ولم نتقاطع في ذلك.
نعود الى موضوع المحكمة لأقول انني أود ايضاح بعض الحقائق التي عايشتها آنذاك يومياً متجرداً في احكامي من آية عقد ماضية بسبب سجني عام 1961 في سجن بعقوبة وغيره من المعتقلات والسجون والمطاردة .
ابتداءً لابد من القول ان آية محكمة لايترأسها رجل قانون تفقد اهم صفاتها ، ورغم اعجابكم بطريقة المهداوي بأدارة المحكمة ومناقشته للمتهمين والشهود ، الا انني ابدي بعض الملاحظات العملية:
1-لم يكن المتهمون احراراً في توكيل المحامين، فما ان يطلب المتهم محامياً معيناً حتى يقول المهداوي (وكلنا عنك المحامي جميل دنو ، علما بأن اكثر المحامين كانوا مطلقي السراح ولاتوجد مترتبات قانونية ضدهم كالمحامي داود السعدي وغيره، وكان المحامي جميل دنو يشارك هيئة الادعاء العام في اتهاماتها ضد موكليه ولكنه كان يطلب في نهاية مرافعته الرأفة بهم!
2- لقد كانت اجواء المحكمة تخلق قلقاً لدى المتهمين بسبب وجود اعداد غفيرة من الحضور تهتف بأستمرار مطالبة باعدام المتهمين وتلقي عليهم الحبال تهديداً بسحلهم ولم يكن القاضي يردعهم بل يسمح لهم بالقاء القصائد الشعرية والخطابات ، حتى انه طلب من الشاهد الذي أراد ان يبدأ شهادته بالقاء قصيدة ان يدلي بشهادته ثم يأخذ (دوره) في القاء القصائد ، كما ان التصفيق الشديد في كل مرة يرد فيها اسم (الزعيم الاوحد والاوحد والاوحد) يطغي على وقائع المحكمة مما أحالها الى وضع غير قانوني واطلق عليها البعض اسماً لا اريد ذكره.
3- ان المرحوم المهداوي كان يبدأ المحكمة بشتيمة (الخسيس الدرنفيس خادم الانكليس والفرنسيس) حسب قوله عن جمال عبد الناصر ثم يبدأ بتوزيع شتائمه بلهجة غير قانونية على المتهمين ، ومعارضي النظام في الداخل والخارج ، واذا ما ناقش اي متهم ما يوجه اليه كان يقابل بالشتائم، فقد ذكرتم انه كان يعامل المتهمين بالحسنى، ولكني أقول وبالامكان الرجوع الى وقائع المحكمة (في كل ماذكرته اعلاه) انه كان يشتم المتهمين بكلمات نابية إذ قال للمرحوم ناظم الطبقجلي وهو من قادة الجيش العراقي بعد الثورة ومن قادة الضباط الاحرار ( انه مأبون) وهي كلمة لايليق بأن تقال في المحكمة لاضد شخصية مثل الطبقجلي ولاغيره):
4-لقد كان حكم الاعدام جاهزاً ضد اغلب المتهمين ومن مطالعة المدعي العام ماجد امين الذي شتم المرحوم رفعت الحاج سري بالرغم من كونه مسؤولاً عنه في تنظيم الضباط الاحرار وهو مؤسس التنظيم اصلاً ، فالقرار كان سياسياً اكثر منه قانونياً ويظهر ذلك من سير المحاكمة والشهود، صحيح ان الوقائع تنقل على الجو ويستطيع المتهم والشاهد ان يقول مايشاء في لحظتها ، ولكن يعرف انه سيتلقى (نتائج قوله) عند خروجه من قائمة المحكمة إذ كانت عمليات ضرب وتعذيب المتهمين مستمرة ويحاسبون على ما يقولونه في المحكمة. وكدليل على ذلك اقول ان المرحوم فاضل الشكرة انكر طيلة محاكمته التهمة الموجهة له، ولكنه دخل قبل ايام من اعدامه وهو حليق الرأس ومتعب جداً وأثار التعذيب بادية عليه ليغير أقواله ويثبت التهمة الموجهة له.
5- ان اكثر الشخصيات التي حاكمها المهداوي كان لها تاريخها في حكم العراق ومهما كان رأينا بها سواء قبل ثورة 14 تموز أو بعدها الا انهم كانوا يستحقون معاملة أفضل خلال التحقيق او المحاكمة وان لاتوجه لهم الشتائم ، فقد قال المهداوي لتوفيق السويدي (كنت وزيراً للمعالف) اي المعارف ! وهذا موجود في نص المحاكمة المنشور.
لذلك اقول ان اجواء المحكمة لم تكن سليمة قانونياً واجرائياً واعلامياً ، حتى ان المذيع الذي يشهر ينقل المحكمة راح يشرّ بكلمات غير لائقة بالسيدة يسرى سعيد ثابت .
6- لقد مرتّ عمليات اعدام الطيارين والضباط بعد حركة الشواف عام 1959 بأجواء (ارهابية) في المحكمة سبق النطق بالحكم وبالامكان العودة الى الوقائع للاطلاع على ماتلقوه من شتائم وتهديدات وتوعدهم بالاعدام، وهنا لا أريد الدفاع عن الموضوع سياسياً ولكني اقول ان هناك خللاً قانونياً في أصول التعامل مع المتهمين قبل الحكم.
7-ان المجموعة التي حوكمت واعدمت في 20 ايلول 1959 كانت تضم قادة من تنظيم الضباط الاحرار والجيش العراقي ، وقد جرت مساومة المرحوم ناظم الطبقجلي قبل ليلة من اعدامه ، وبعد ان رجا المرحوم نجيب الربيعي ومحي الدين عبد الحميد وزير الصناعة وغيرهم من الزعيم عبد الكريم قاسم عدم اعدام رفعت وناظم على وجه الخصوص، فقد استدعاه الزعيم وطلب منه (الاعتراف) بدور عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة في حركة الشواف وسوف يعفو عنه ، ولكن المرحوم الطبقجلي رفض ذلك، مما جعل الزعيم يصر على اعدامهم جميعاً ، و(لتشويه) صورتهم فقد جرى اعدام بعض رجالات العهد الملكي معهم بعد ان كانت الاحكام ضدهم قد مضى عليها وقت طويل وهم المرحومين سعيد قزاز وسعيد فهمي وعبد الجبارأيوب من منتسبي وزارة الداخلية قبل الثورة ، على اساس ان جميع المعدومين من (الرجعيين) ، وقد حضر المرحوم المهداوي والمدعي العام عملية الاعتراف في ام الطبول واخذوا (صوراً تذكارية) ثم غادروا في رحلة الى الصين.
8- يقول البعض ان المرحوم الزعيم عبد الكريم قاسم اتبع سياسة (عفا الله عما سلف) عندما لم يعدم الذين حاولوا أغتياله عام 1959، وللحقيقة أقول انه عفا عنهم بسبب حدوث انفصال سورية عن مصر في 28 أيلول 1961 وابتعاد (الخطر) عن حدود العراق ! ويقال بأن العلاقات لم تكن جيدة بين الزعيم والمهداوي بسبب اختلاف نظرتهما في تصريف امور البلاد والعلاقات مع القوى السياسية . ولا اريد الخوض في هذا الموضوع حالياً وقد سيتحقق بحثه مستقبلاً.
وأخيراً أقول ان ملاحظاتي على محكمة المهداوي لاتعني ان المحاكم التي اعقبته كانت افضل منه، ويحسب لمحكمته انها كانت علنية وتبث على الهواء مباشرة.
رحم الله الجميع من حكام وقضاة ومتهمين من الذين ذهبوا (ضحية) التخبط السياسي لثورة 14 تموز 1958 ، فقد كانوا أبرياء وأصحاب وجهات نظر مختلفة في كيفية خدمة الوطن وختاماً ارجو تقبل آرائي برحابة صدر
مع الشكر والتقدير
امير الحلو
كاتب وصحفي