دولة عراقية كويتية واحدة أو اتحادية عاصمتها البصرة
هارون محمد


في حزيران (يونيو) 1965 جاء الي بغداد، وفد كويتي برئاسة الشيخ عبد الله الجابر وكان وزيرا للمعارف والشؤون الاجتماعية، كما أتذكر، وهو شخصية مهيبة وودودة وينظر اليه كعميد لأسرة آل الصباح الحاكمة، وكان يتميز بعقاله (المكصب)، وهو الذي كان يستخدمـــه الملك الراحل فيصل الاول، واذا لم تخني الذاكرة فان الشيخ جابر الاحمد أمير الكويت الحالي، كان ضمن أعضاء الوفد باعتباره وزيرا للمالية يومها.
وكعادة الوفود الكويتية الرسمية خلال زياراتها للعراق، فان موضوع الحدود وأهمية ترسيمها بين البلدين، يأخذ جانبا من المباحثات بين الطرفين، دون التوصل دائما الي نتائج ملموسة، بسبب تشابكه وتعقيداته، وعدم وضوح وجهة النظر الكويتية ازاءه، وفي بعض الاحيان، المبالغة في المطالبة ومحاولة الامتداد والزحف باتجاه الأراضي والشواطيء العراقية، ومن يطلع علي محاضر الاجتماعات الثنائية التي جرت بين البلدين منذ الخمسينات لغاية التسعينات بهذا الخصوص، يلمس شيئين، الاول: ان الكويتيين يفتقرون الي وثائق ومستندات تأريخية او جغرافية تثبت أحقيتهم في مطالباتهم، والشيء الثاني ان المسؤولين العراقيين في مختلف العهود، كانوا يتحرجون عند تعاطيهم مع ملف الحدود، لأسباب تبدو نفسية ووطنية في آن، وهكذا تجد ان الجانبين يدوران في حلقة مفرغة، وتمنيات ومجاملات وكلام عام.
وبعد سلسلة اجتماعات عقدت بين الوفد الكويتي الزائر والمسؤولين العراقيين عهد ذاك، لم تسفر عن أي نتيجة ملموسة حول قضية الحدود، تقرر ان يقابل الوفد الضيف، الرئيس عبد السلام عارف والبحث معه في هذا الشأن، وفعلا استقبل الوفد في القصر الجمهوري بحفاوة واقبل الرئيس عبد السلام باشا ومرحبا برئيس وأعضاء الوفد، ولاحظ الصحافيون العراقيون الثلاثة المكلفون بتغطية زيارة الوفد، ان رئيس التشريفات والمراسيم في القصر الجمهوري السفير عبد الجبار الهداوي، لم يطلب منهم مغادرة قاعة الاجتماع قبل بدء المباحثات الرسمية، كما جرت العادة في مثل هذه المناسبات، بالعكس خصصت لهم مقاعد في ركن من القاعة، مما أثار دهشتهم وسعادتهم في الوقت نفسه.
وبعد كلمات المجاملة والعبارات البروتوكولية، بدأ الشيخ الجابر حديثه بتهذيب بالغ اشبه بالهمس عن موضوع الحدود وضرورة ترسيمها وفق ما يراه الجانب العراقي، مبديا استعداد حكومته قبول أي صيغة او شكل يحددهما الاخوان العراقيون، والتقط الرئيس عارف الجملة الاخيرة وقال بأريحيته المعروفة: (وصلت يا أخ.. العراقيون والكويتيون أخوة.. وداخلين ابعض.. خالك عمك، وماكو فرق بيناتنا) فسكت الشيخ وكأنه أخذ علي حين غرة بملاحظة الرئيس، ثم قال بعد تردد واضح، نحن نطلب من سيادتكم الرأي والمشورة في هذا الموضوع!
فاعتدل الرئيس عبد السلام في جلسته وكانت هذه عادته عندما يكون جادا، وقال موجها حديثه لرئيس وأعضاء الوفد: يا اخواني انا رجل قومي وحدوي، لا أؤمن بالحدود بين الدول العربية واعتبرها مفروضة بالغصب علينا، ومضطرون للتعامل معها بالرسميات علي الاقل، ولكن انا شخصيا لا استطيع ان أقول وأقرر (هذا الكم وهذا النه.. هاي شغلة الخبراء والمختصين والمساحين) هم أصحاب الرأي والفصل في هذه الامور، وران صمت في قاعة الاجتماع لبعض الوقت، قطعه الرئيس أبو أحمد يرحمه الله، قائلا: يا اخوان العراق شقيق كبير للكويت، ومساحته كبيرة ومدنه عامرة، فاقترح عليكم ان تأخذوا البصرة، لان الكويت بلد صغير ومساحته ضيقة، والبصرة (تكعدكم تمام.. وتعرفون شنو البصرة) ونهض مسلما ومودعا لاعضاء الوفد.
ونقل عن الفريق طاهر يحيي رئيس الوزراء في حينه، ان رئيس واعضاء الوفد وقبل ان يعودوا الي بلادهم، قاموا بزيارة توديعية له في مكتبه الرسمي، وسمع من عضو في الوفد معلقا علي ما قاله الرئيس عبد السلام، انه لا يقصد الحاق البصرة بالكويت، انما يريد ان تبلع البصرة الكويت! ولما استفسر منه الفريق يحيي، كيف يا أخ؟ رد الضيف الكويتي، اذا الحقت البصرة بالكويت فستختفي الاخيرة، دولة وكيانا، وتصبح قضاء او محافظة تابعة للبصرة، هذه لعبة لن تنطلي علينا.
أسوق هذه الحادثة التأريخية التي لا بد وتكون حيثياتها ووقائعها مسجلة وموثقة في الدوائر الرسمية الكويتية، وانا أقرأ مقالا في صحيفة (الوطن) الكويتية للاستاذ فؤاد الهاشم، الاثنين الماضي، يقترح فيه علي الحكومة الكويتية ان تتفاوض مع مجلس الحكم الانتقالي او الحكومة العراقية المقبلة علي تأجير البصرة للكويت لمدة 99 عاماً وبمبلغ مليار دولا سنوياً علي طريقة تأجير الانكليز لمدينة (هونغ كونغ) الصينية، ويشترط منع دخول البصريين الي الكويت، او الانتقال اليها للعيش او الاقامة او العمل، لان ذلك في رأيه سيفسد عملية التأجير علي اعتبار ان الكويتيين سيحولون البصرة الي هونغ كونغ الخليج وبالتالي لابد من ان يبقي اهلها وعمالها وفلاحوها وموظفوها فيها لزوم الشغل!
واكاد اجزم ان الاقتراح الفؤادي هو نوع من الردح علي تصريح خائب ادلي به احد مساعدي احمد الجلبي ويدعي مضر شوكت وعرض فيه تأجير جزيرتي (وربة) و(بوبيان) الي العراق، بالتفاهم مع الحكومة الكويتية لضمان مصالحها وتعاملاتها التجارية والاقتصادية كما جاء في تصريحه، وقد اتضح ان شوكت اطلق هذا التصريح وهو يدرك انه يسبب حساسية للكويتيين بعد فشل زيارة ذات طابع تجاري بحت قام بها الي الكويت في التاسع والعشرين من كانون الاول/ديسمبر الماضي، يبدو انها لم تحرز نجاحاً او لم يلق استجابة من الكويتيين، الذين صارت لهم تحالفات سياسية ومعاملات تجارية مع قادة الاطراف والجماعات الشيعية والكردية الاعضاء في مجلس الحكم الانتقالي والحكومة المؤقتة، والدليل علي ذلك زياراتهم الدورية والمنتظمة الي الكويت بمناسبة وغير مناسبة، اعتقاداً من الكويتيين وهم تجار بالفطرة رسميين وصحافيين وعامة، بان كفة الشيعة والاكراد هي الأرجح في ميزان هذه الايام وماءهم بالصدر.. كما يقال.
وبالتأكيد فان تصريحات مساعد الجلبي ليست لها منطلقات وطنية وتمثل تشويهاً للحقوق الوطنية والتأريخية العراقية، اضافة الي ان شوكت نفسه شخص عابر لا يستند الي مرجعية سياسية او شعبية وايامه في العراق معدودة ومرتبطة بوجود سلطة الاحتلال التي لابد وترحل في قابل الايام، عاجلاً ام آجلاً، وتعود السيادة الي اصحابها الشرعيين من الشرفاء والوطنيين العراقيين.
وعودة الي دعوة الهاشم الخرافية، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو من يؤجر من، الكبير أم الصغير، الجزء ام الكل، ومقارنته بتأجير بريطانيا عندما كانت عظمي لمدينة هونغ كونغ الصينية تؤكد ان الكبار هم الذين يؤجرون الصغار وليس العكس، ثم لو سلمنا بمنطق الكاتب الكويتي علي اعتبار ان بلاده غنية ولها اموال واستثمارات، ويعتقد ان البصرة فقيرة ومعدمة وتحتاج الي كم مليون او مليار لتعميرها، فهل يعرف ان هذه المدينة بنفطها ومياهها ونخيلها وزرعها هي اغني منطقة في الخليج برمته وليس في العراق فقط، وانتاج حقول الرميلة الشمالية والجنوبية وحدها، اضعاف اضعاف انتاج النفط في الكويت كلها، ناهيك عن حقول القرنة والزبير والبادية الغربية التي لم تستثمر لحد الآن، واحتياطاتها تساوي احتياطات منطقة الخليج برمتها، اما المليار دولار الذي عرضه الهاشم لتأجير البصرة سنوياً، فأذكر وعسي ان تنفع الذكري، بان شركة نفط يابانية عملاقة دخلت في مفاوضات مع الحكومة السابقة عام 1986 لاستثمار حقل القرنة وحده وعرضت ثلاثين مليار دولار منحة عند توقيع العقد وقبل ان تبدأ العمل، وهذا المبلغ يعادل ايجار ثلاثين سنة كما اقترح الكاتب الكويتي المحترم، وعرضت الشركة اليابانية ايضاً ان تتقاسم ايرادات ومبيعات الانتاج مناصفة مع العراق لمدة ثلاثين سنة ثم تتخلي عن حقوقها كاملة للعراق بعد نفاذ هذه المدة، وقد رفضت الحكومة السابقة هذا العرض انطلاقاً من سياسة كانت تتبعها في ذلك الحين تقوم علي الاستثمار الوطني المباشر.
والحديث عن البصرة ومواردها وثرواتها وخيراتها طويل لا يسع المجال لتناوله في مقال، وهي معروفة للكويتيين أكثر من غيرهم، منذ كانت مركز ولاية في العهد العثماني ترتبط بها مشيخات الخليج.
وعموما فان السيد الهاشم كان يظهر أكثر رصانة ومنطقا، لو دعا في مقاله الي وحدة او اتحاد بين العراق والكويت في دولة واحدة عاصمتها البصرة، وهي تستحق ان تكون سيدة العواصم، وعندها كانت جموع العراقيين والكويتيين بالملايين تخرج تأييدا لدعوته الخيرة، ومن المؤكد ان الجماهير في كلا البلدين ستطالب وباصرار، قيادة الدولة الجديدة، بان يكون الاستاذ فؤاد الهاشـــــم، أول وزير للثقافة والصحافة والاعلام في دولـــــة الوحدة وبالاجماع.