الباجه جي.. والمهمة العسيرة والامتحان الصعب!

 هارون محمد


بات واضحا إن التصريحات التي أفضي بها الحاكم الامريكي للعراق السفير بول برايمر في منتصف الشهر الحالي، حول التعديلات المزمع إضفاؤها علي قضية (نقل السلطة في العراق) التي أثارت لغطا وضجة في الأوساط العراقية، لغموضها وضبابيتها، كانت تنصرف الي فكرة قديمة جديدة تبلورت لدي صناع القرار في البيت الأبيض واقتنعوا بها مؤخرا، تقـــوم علي تشكيل حكومة عراقية جديدة برئيس، تتولي التمهيد لمرحلة ما بعد الثـــلاثين من حزيران (يونيو) المقبل، واستحقاقاتها المعـــلنة علي صعيد اجــراء انتخابات جزئية، وتشكيل برلمان انتقالي، وإعداد دســـتور دائم، إضافة الي أجندة أخري سرية، تتعلق بتوقيع اتفـــاقيات عسكرية وأمنية ونفطية ثنائية، ومعــــاهدات دفاع مشترك، واقامة قواعد أمريكية في الأراضي العراقية.
ويبدو الآن أن الإدارة الامريكية قد حسمت أمرها، وحددت مرشحها لرئاسة الحكومة المقبلة التي يتوقع إطلاقها في آذار (مارس) المقبل، واختارت الدكتور عدنان الباجه جي ليكون رئيسا لها اقتناعا منها، بأنه أفضل شخصية سياسية في الوقت الراهن من بين أعضاء مجلس الحكم الانتقالي علي الأقل، تستطيع أن تقود العملية السياسية التي تريد واشنطن (تمشيتها) لاحقا، بالتي هي أحسن، وبهدوء ودون ضجيج بعيدا عن مزايدات، أغلبية أعضاء المجلس الآخرين، الذين تصرفوا خلال الشهور السبعة التي مضت علي تعيينهم، بطريقة فجة، اختلط فيها الطائفي بالعرقي والعائلي بالعشائري والشخصي بالحزبي والسياسي بالانتفاعي، في منظومة مخطط لها سلفا، الأمر الذي أتاح لعدد منهم، نهب مؤسسات ومعدات حكومية والاستيلاء علي مستودعات الجيش وأسلحة عسكرية، وتفكيك معامل ومرافق صناعية، وسرقة الأموال والأرصدة من المصارف العراقية، وهذا كله موثق بالشهادات والوقائع والأرقام والتواريخ والصور، وهؤلاء أنفسهم جنوا فوائد مالية من الصفقات والمناقصات والعقود التي أبرمت مع شركات محلية وعربية وأجنبية، وحصلوا علي نفوذ سياسي لا يستحقونه، جاء نتيجة تصدرهم الواجهة السياسية من خلال تعاونهم مع سلطة الاحتلال منذ البداية، مستغلين ذلك في كسب المؤيدين والأنصار والتلويح لهم باغراءات وظيفية وتجارية غير مشروعة وغيرها.
وعندما يشيد الرئيس جورج بوش، في خطاب الاتحاد، الثلاثاء الماضي بالباجه جي، في لفتة غير اعتيادية، ويوجه له تحية متميزة، فانه بذلك أعطي إشارة الانطلاق لمساعديه في المباشرة بالإجراءات المطلوبة لتشكيل الحكومة المقبلة، والضوء الأخضر للباجه جي لتحضير نفسه للمهمة الجديدة، وبالتأكيد فان اهتمام الرئيس الامريكي واحتفائه الملفت للنظر بالباجه جي، واعتباره ضيف شرف ومخاطبته بـ(سيدي الرئيس) لم يأت اعتباطا أو عفويا، فمثل هذه المسائل محسوبة في واشنطن بدقة تماما، وخاصة في البيت الأبيض.
وكان الباجه جي قد اقترح علي الرئيس بوش ومساعديه ووزرائه في لقاءاته الأخيرة معهم مشروعا سماه (الخيار الثالث) يقوم علي توسيع مجلس الحكم الانتقالي الحالي من 25 عضوا الي 125 وتحويله الي مجلس تأسيسي مؤقت يتولي تنفيذ الإجراءات الخاصة بتسلم (السيادة) من الامريكان وتنظيم انتخابات تمثيلية وليست عامة ينبثق عنها برلمان انتقالي يخلف المجلس التأسيسي وهذا البرلمان يتولي تشكيل حكومة جديدة، ويبحث في وضع دستور دائم يتم الاستفتاء عليه نهاية العام 2005 ، غير أن المسؤولين الامريكان وجدوا في هذا الاقتراح تفصيلات واستهلاك وقت وجهد لا مبرر لهما من وجهة نظرهم، خصوصا وان الرئيس بوش يريد أن يخوض معركته الانتخابية المقبلة وتجديد ولايته الثانية، في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل وهو مسلح بشيء ملموس تجسد في العراق فعلا ليواجه به خصومه الديمقراطيين الذين يأخذون عليه تعثره وفشل سياساته العراقية، وقد صار معروفا أن نجاح بوش في الانتخابات المقبلة يعتمد أساسا علي مدي نجاحه في العراق، والعكس صحيح، ووفق هذا المفهوم أصرت الإدارة الامريكية وممثلها في بغداد السفير برايمر علي اتباع سياسة حرق المراحل واختصارها في العراق، وتقريب الاستحقاقات وفتراتها الزمنية، والبدء بالحكومة المؤقتة وتمكينها من أداء المهمات المترتبة عليها وفق الاجندة المثبتة في مخطط نقل السلطة، وعلي هذا الأساس أيضا تم اختيار الباجه جي رئيسا لهذه الحكومة، وينقل عن مصادر سياسية عراقية تابعت فعاليات الوفد العراقي في واشنطن ونيويورك أن الباجه جي فزع من المهمة التي ابلغ باختياره لها وحاول التملص والاعتذار، إدراكا منه بتعقيداتها وملابساتها، ولكن اجتماعا جمعه لوحده مع وزير الخارجية كولن باول ومستشارة الأمن القومي كوندليزا رايس ورئيس (السي آي إيه) جورج تينت والسفير برايمر، جعله يقبل بالمهمة، وهو ما أثار حنق زميليه في الوفد، عبدالعزيز الحكيم الذي استأذن الرئيس بوش بلقاء منفرد به نظمته رايس علي عجل ولمدة خمس دقائق كما ذكرت صحيفة (واشنطن بوست) ونقلت الحوار القصير الذي دار بين الاثنين، وملخصه أن الحكيم توسل بالرئيس بوش ألا يخذله، وأحمد الجلبي الذي أسرع الي مركز (أمريكان أنتر برايز) المعروف بتوجهاته الصهيونية ليعلن من منصته أن الانتخابات ممكنة في العراق الآن، في مشاكسة صبيانية لخطوات أسياده الذين أهملوه، وتقربا من الأحزاب الشيعية وطروحات السيد السيستاني بشأن المسألة الانتخابية.
وليس دفاعا عن الباجه جي، الذي سبق وأوجعناه في مقال سابق في هذا المكان بالذات، نهاية تموز (يوليو) الماضي، عندما أخذنا عليه انخراطه في مجلس الحكم الانتقالي عند الإعلان عن تشكيلته في منتصف ذلك الشهر وهو الذي ظل يقول ويصرح بأنه لن يتسلم موقعا إلا بالانتخاب، ولم نقتنع بالحجج التي ساقها لتبرير قبوله بعضوية مجلس هش، جمع نكرات وكسالي ومغمورين ولصوص وقادة ميليشيات ومافيات، إلا أن الإنصاف يدعونا الي التأكيد بأنه رجل نزيه ونظيف اليد، لم يتورط في مشاريع سياسية منحرفة، وأعمال (البزنس) وعمليات الفساد والعمولات التي نشط فيها عدد من زملائه (المجلسيين) بل أنه رفض بإصرار أن يحتل قصرا رئاسيا أو دار استراحة حكومية، أو مقرا رسميا لاقامته، كما فعل القادمون من واشنطن ولندن وطهران، والنازلون من جبال كردستان، وانما أقام في بيت يعود لاسرته، وهو أول من حذر من هجمة الفساد و(الكومشن) المستشرية الآن وأول من دعا الي دور سياسي للأمم المتحدة في العراق، وأول من رفض ترشيح وزير من طائفته وأقاربه، ورشح الشيعي الشيوعي مهدي الحافظ وزيرا لوزارة ثانوية (التخطيط) رغم أن حصته كانت وزارة سيادية، تنازل عنها للآخرين عندما وجدهم يتقاتلون عليها، إضافة الي كونه رجل دولة ودبلوماسية من الطراز الأول، وصاحب خبرات وتجارب إدارية وسياسية ووزارية وقانونية، وسليل أسرة عراقية أصيلة، لا شائبة عليها، ولا عرقا (دساس) في دمائها، هذا كله صحيح ويشفع له بالتأكيد، ولكن مشكلة الباجه جي أنه شخصية تفتقر الي الحزم الشخصي والسياسي في التعاطي مع الآخرين، ولا يجيد المناورات ولا المواجهات، وهما مطلوبتان في مثل هذه الظروف التي يمر بها العراق، ويتجنب الاحتكاك والصدام مع الذين يسيئون اليه، كما حدث عندما عاد الي بغداد في نيسان (إبريل) الماضي واستقبله جلال الطالباني بتصريح عدائي، وهذا الهدوء والتهذيب واللياقة واحترام الآخر صفات محمودة بلا شك، ولكنها لا تنفع مع أنصاف وأرباع سياسيين وأصحاب دكاكين وقادة ميليشيات، ولصوص محترفين، ومزوري أسماء وأنساب وأصول، لذلك فان التحديات التي ستواجه الباجه جي عندما يتسلم رئاسة الحكومة المقبلة، كثيرة وشائكة، لا يمكنه التصدي لها، إلا إذا تمكن من تهيئة أرضية قوية يقف عليها، ومنهج صارم ومستقيم يعتمده، وعليه أن يغادر رقته وخجله وتواضعه، ويتحول الي مقاتل ميداني، في مواجهة أولئك الذين تتوحد مصالحهم في استمرار الفوضي، ومواصلة النهب واللهف والاستحواذ علي المال العام والصفقات والمناقصات والعمولات، ومطلوب منه منذ البداية أن يحجم (الثلاثي) أحمد الجلبي وجلال الطالباني وعبد العزيز الحكيم، وينهي خدمات ميليشياتهم المسلحة ( قوات العراق الحر والبيش ميركه وفيلق بدر) لأنها عاثت فسادا وابتزازا وإرهابا في البلاد خلال الشهور التسعة الماضية وما تزال تمارس سلوكيات التهديد والملاحقات والاغتيالات، وعلي الباجه جي أن يعتمد علي طاقم نزيه وكفوء من أصحاب السمعة الطيبة والخبرات المشهودة، ويتجاوز السياقات الطائفية والعرقية والمناطقية، ويتجنب تعيين تاجر شنطة وزيرا للتجارة، وخريج معهد سياحي وزيرا للمالية، وبيش ميركة وزيرا للخارجية وسمسار عقارات وزيرا للمياه، وباش كاتب وزيرا للعدل، ودبلوماسي وزيرا للداخلية، وعاطل خامل وزيرا للنفط، ودلال بضاعة طائفية وزيرا للإسكان، وسائق سيارة مفتول العضلات وزيرا للشباب، وقناص ولائم مجانية وزيرا للاتصالات، ومحام مغمور وزيرا لحقوق الانسان، وكاتب تقارير شيوعي وزيرا للثقافة، وأخيرا إذا وجد نفسه يقدر علي المهمة، فليخضها علي طريقة (يا قاتل.. يا مقتول)، أما إذا تخوف منها، فليس أمامه غير الاعتذار، الآن الآن وليس غدا.