وثبة الفلوجة وهبة الصدريين هزمتا المؤامرة الطائفية

هارون محمد


انتفاضة الفلوجة وهبة تيار الصدر، هما في السياقات السياسية، الصورة الحقيقية لموقف عرب العراق من الاحتلال الامريكي البغيض، وهما ايضاً الرد علي المشروع الفتنوي الذي خطط له صهاينة البيت الابيض ولوبي البنتاغون بالاشتراك مع منظومة الجواسيس والمخبرين والعصاة الانفصاليين والطائفيين المكروهين، لتفتيت العراق واستلاب ارادة شعبه، وتصنيفه الي ملل صغيرة وطوائف هزيلة، وعزله عن حاضنته العربية والغاء هويته التاريخية والحضارية والثقافية والاجتماعية القومية، والقصد في كل هذا هو، اخضاع هذا البلد العربي المجيد، لهيمنة استعمارية جديدة، تحت لافتات جديدة ابرز عناوينها المعلنة لحد الآن (نقل السيادة الي العراقيين)، وكأن السيادة سلعة تصدرها واشنطن لمن تشاء وحسب مزاجها.
فما حدث في الفلوجة والكوفة والاعظمية ومدينة الصدر ببغداد، والرمادي والنجف والموصل والناصرية وديالي والكوت وكركوك وكربلاء، طيلة الايام الماضية، اثبت بشكل جلي وواضح تماماً، ان عرب العراق، نسيج واحد وكتلة واحدة، وقد جسدوا ذلك في وثبة وطنية هزت قوات الاحتلال، وضعضعت مشاريعه وتشكيلاته، سواء علي صعيد مجلس الحكم الانتقالي ووزارته المؤقتة، أو القوانين والقرارات التي صدرت عنه، واحبطوا المخططات التقسيمية الفئوية المعمول بها منذ عام، واكدوا ان حرية العراق وسيادته، هدفان آنيان لا رجعة عنهما، ولن يتحققا الا بارادة عراقية ووقفة شعبية، وهذا ما حصل بالفعل وفي توقيت لم يخطر علي بال المحتلين وذيولهم، في الذكري الاولي لغزو العراق واحتلاله، وهي الذكري الاليمة التي أرادها برايمر وشلته ان تكون عيداً وطنياً وعطلة رسمية، وسوف لن ينسي العراقيون مشهد ذلك الخرف صاحب الوجه الثعلبي والعمامة السوداء واللحية البيضاء، وهو يتلو بيانه الاخرق بصوت مخنوق، ظهيرة الاعلان عن تشكيل مجلس الحكم (البقالي) في الثالث عشر من تموز (يوليو) الماضي، ويدعو الي تخليد التاسع من نيسان (ابريل) من كل عام والاحتفاء به باعتباره يوم تحرير العراق وليس احتلاله، وها قد مرت هذه الذكري المحفورة في الذاكرة الوطنية كجرح لا يندمل، واحتفل العراقيون من الموصل الي البصرة بها، ولكن علي طريقتهم المعهودة، واذاقوا المحتلين ما يستحقون، وجعلوا برايمر لا يقدر علي بلع ريقه، وحولوا وجهه الصبياني الي ليمونة صفراء معصورة، واذهلوا ذلك الجنرال المقطوع الجذور، جون ابي زيد الذي خرج عن طوره ولوح بتهديداته الجوفاء متباهياً بآلته العسكرية، بعد ان ارتدي الصدرية المدرعة، وهو وسط جنوده في مشهد كاريكاتيري يصلح لافلام الـ(اكشن) التي تصور في هوليود.
اما اعضاء مجلس برايمر وخصوصاً الذين نصبوا في الخانتين الشيعية والسنية، فقد تواروا عن الانظار، واختبأوا في قصور صدام وعدي وقصي وعزة الدوري وطه جزراوي وعلي حسن المجيد وطارق عزيز، التي خصصت لهم تحت حراسة المارينز، وقد اصبحوا لا يقدرون علي مواجهة الناس حتي ربعهم، في الوقت الذي استرخي الاعضاء الكرد الخمسة، وسادسهم الاثوري الملحق بهم، وراحوا يتضاحكون شماتة، بقتل آلاف العراقيين الذين سقطوا ضحايا قصف الصواريخ وطائرات الاباتشي واف 16 و 18، بل وصلت الوقاحة بهم الي ارسال قناصة من البيشميركة الي الفلوجة وهم يرتدون الزي الجديد للجيش الذي انشأته قوات الاحتلال، كما جاء في تصريحات الشيخ عبدالستار عبدالجبار عضو هيئة العلماء المسلمين، وعضو الوفد المفاوض الذي ذهب الي المدينة في العاشر من الشهر الحالي، وهو ينقل ذلك عن المقاومين الفلوجيين الذين رصدوا المرتزقة منذ وصولهم وانتشارهم وتسلقهم البنايات العالية في ضواحي الفلوجة، وهذه ليست المرة الاولي التي تقف فيها القيادات والاحزاب الكردية وتصطف مع الاجنبي ضد العراق والعراقيين، فتأريخها منذ الاربعينات من القرن الماضي، مليء بمواقف خيانية، وعمالة متصلة، ابتداء من الاتحاد السوفييتي السابق مرورا بايران واسرائيل وانتهاء بأمريكا، ومن المدهش ان مسعود البارزاني اعترف بهذه العملية المخزية في تصريحات صحفية الاثنين الماضي مبررا (يجوز وجود مثل هؤلاء في الفلوجة او غيرها، ولكنهم يتلقون أوامرهم من القيادة الامريكية وليس منا، علي اساس انهم عناصر في الجيش الجديد) ويبدو انه تغافل او تجاهل موقف كتيبة من هذا الجيش العتيد، أقر الامريكان انفسهم بان افرادها رفضوا التوجه الي الفلوجة وقتال ابنائها.
ورغم الخسائر البشرية ومواكب الشهداء وجيش الجرحي والمصابين والاضرار الكبيرة التي لحقت ببيوت المواطنين والمساجد والمدارس والمرافق الخدمية، الا ان ما حصل في الفلوجة والنجف وباقي المدن العربية في العراق، من مقاومة الاحتلال والتصدي له بمختلف الوسائل والصيغ، يعطي دلالات علي ان عرب العراق متماسكون ومتضامنون اكثر من اي وقت مضي، ونجحوا بتلاحمهم من أسقاط مؤامرة (سنة وشيعة) التي جاء بها شيعة واشنطن وروجت لها الاحزاب الكردية، لذلك ليس غريبا، الكم الهائل من الحقد المتفجر علي السيد مقتدي الصدر، سواء من الجماعات الشيعية الطائفية المعزولة، أو الاحزاب الكردية الانفصالية، لانه عربي أصيل وسليل اسرة شهداء، ويدعو الي مساندة القضايا العربية في فلسطين ولبنان، ويرفض تحويل العراق الي قاعدة أمريكية للتآمر علي دول الجوار وخاصة سورية وايران.
وقد أفرزت هذه الحالة الشعبية التي فاجئت المحتلين الامريكان، وخربت كل ما رسموه في السابق، وما كان يدور في أذهانهم من مخططات تفريقية، نتائج وخطوات ايجابية ابرز مؤشراتها الميدانية، هبة الاعظمية مع شقيقتها مدينة الصدر في العاصمة بغداد، فيما لم يجد برايمر ردا علي ذلك، غير اتخاذ اجراءات ترقيعية، عندما أصدر قرارات بتغيير وزير داخلية مجلس الحكم السابق نوري البدران واستبداله بالمقاول سمير شاكر (الصميدعي) وتعيين طبيب الاعصاب والاكتئاب موفق ربيعي مستشاراً للامن المفقود، وتعيين تاجر شنطة وزيراً للدفاع، في بلد محتل، لا يملك جيشاً ولا قوات مسلحة ولا مؤسسات عسكرية، وسيظل هكذا كما اكد كولن باول امام الكونغرس الجمعة الماضية الي العام 2006، وهناك حديث يتم تداوله في بغداد يفيد بان الحاكم الامريكي اقترح علي رؤسائه في واشنطن تسريح اعضاء مجلس الحكم الحاليين، في اعقاب تخاذلهم وعدم قدرتهم علي تهدئة الاوضاع في المناطق التي ينحدرون منها، او ينتسبون اليها، وهذه محاولة من برايمر المرتبك والمأزوم لامتصاص نقمة الشارع العراقي المنتفض علي المحتلين والغاضب علي وكلائهم القادمين من واشنطن ولندن وطهران، الذين تقوقعوا واسرفوا في تصرفات غير لائقة وصلت الي حد ان موفق رايز (ربيعي) سابقاً، حذر الشيعة من مغبة الانتفاضة علي الاحتلال، والا يكرروا تجربة ثورة العشرين، التي يعتبرها خطأ تاريخياً..وهو في ذلك يشتم تراثا وطنيا وحدثا خالدا يشكلان علامة مضيئة في تأريخ العراق الحديث، فتصوروا.. الي أي درجة وصلت القباحة!!
ان الايام المقبلات في العراق حبلي بالاحداث والمفاجات التي ستكون فاصلة وحاسمة، اذا لم يلتفت الامريكان الي انفسهم ويعيدوا النظر في سياساتهم، واول خطوة يجب ان يتخذوها في المرحلة الراهنة، اذا ارادوا حماية ارواح جنودهم علي الاقل، هو اعادة الجيش العراقي وقوات الشرطة والحدود الي الخدمة، بعد استبعاد العناصر التي لها ارتباطات مع اجهزة النظام السابق، والغاء جميع الميليشيات الحزبية وتجريدها من السلاح، فلا يمكن ان يستتب الامن ويسود النظام في بغداد والمحافظات العراقية، وقوات البيش ميركة الكردية ومنظمة بدر وعناصر عشوائية شيعية محسوبة علي ايران، ووحدات أحمد الجلبي، والاخيرة عبارة عن مرتزقة دربتهم استخبارات البنتاغون في المجر مطلع عام 2003 ، تقوم باعمال الابتزاز والسلب والاغتيالات والمطاردات، وبعد ذلك لا بد من اتخاذ اجراءات سياسية نزيهة لعقد مؤتمر عراقي عام قبل الثلاثين من حزيران (يونيو) المقبل، باشراف وتنظيم الامم المتحدة، يشترك فيه ممثلون عن التيارات والاحزاب والتجمعات السياسية والمرجعيات الدينية والنخب الفكرية والثقافية والمهنية والاكاديمية، والعشائر العراقية والمنظمات الشعبية، ولا ضير ان يضم الفاً او الفين من المدعوين، المهم ان يمثل اكبر قطاعات واطياف وشرائح المجتمع العراقي، وهذا المؤتمر يتولي انتخاب هيئة حكومية هي التي تتسلم السيادة الحقيقية وليس الصورية من سلطة الاحتلال،
وبغير ذلك، فان المستقبل يحمل الكثير من التطورات والمستجدات، ستكون آثارها وخيمة علي قوات الاحتلال وهيئاته وتشكيلاته الحالية والمقبلة، اذا استمرت علي انتهاج أساليب وآليات القوة والاكراه، وليكن في معلوم البيت الابيض ان العراقيين بعد الذي جري لهم وحدث في بلادهم من مآس وكوارث، ليسوا علي استعداد للقبول بالصيغ الجاهزة المفروضة من برايمر او رامسفيلد او وولفوتز، وباتوا الان يرددون مثلهم الشعبي الشهير (المبلل ما يخاف من المطر) والمطر هنا ليس شرطا ان يكون ماء، للعلم رجاء.