ليلة الهرير في قصر النهاية

احمد الحبوبي

نهار يوم 20/1/1970
كان الضباب كثيفاً يحجب قرص الشمس صبيحة ذلك اليوم فيشيع
في النفس الضيق والانقباض.

وصلت الى «القشلة» مقر المحاكم حوالي الساعة التاسعة كعادتي كل صباح لمزاولة مهنتي (المحاماة)، وقد اعتاد الزملاء المحامون ان يتواجدوا
في غرفة المحامين قبل الذهاب الى اعمالهم، ويدور في هذه الغرفة مختلف الاحاديث التي تهم المهنة، والتي لا تهمها واغلبها احاديث سياسية.

وجدت غرفة المحامين خالية او تكاد على خلاف العادة، لم يشجعني خلوها على الجلوس وانتظار قدوم الزملاء، حييت (عواد) المسؤول عن الغرفة وتركت (القشلة) فلم يكن لي
في ذلك اليوم دعوى أباشرها، وانما جئت الى المحاكم بحكم العادة، ثم تركت لساقيَّ العنان تسيران بي حيثما اتجها لا الى التعيين.

ورحت اجوب الشوارع، لم اتفرس
في وجوه الناس، فقد كنت مشغولاً عنهم بما أكابد من ضيق في صدري لم اعرف كنهه، ولم افق من سرحاني، الا على صدمة من كتف مسرع كادت تلقي بي على الارض، ولم يعتذر الرجل قال لي «فتح عيونك.. ليش نايم»، وجدت نفسي اني قرب «الشورجة»  حدثتني نفسي ان ازور صديقاً لي يملك محلاً تجارياً فيها، اشرب القهوة واسمع اخباراً سياسية، فالتجار من اكثر طبقات المجتمع اهتماماً بالسياسة لما لها من تأثير كبير في السوق وشؤونه التجارية، ادنيت فنجان القهوة من فمي واذا بي اسمع من يسأل «هل سمعتم بالمؤامرة التي حدثت البارحة ليلاً «انزلت فنجان القهوة دون ان ارتشف منه والتفت نحو السائل (وهو تاجر من الشورجة) متسائلاً «أي مؤامرة؟»، اجاب الرجل وقد بان عليه الارتباك «لا اعرف.. لكنني سمعت الناس يتحدثون.. ويقولون ان مؤامرة حصلت البارحة، وفشلت، والحكومة مسكت المتآمرين».. وسكت الرجل.. كنا اربعة اشخاص في هذا المحل التجاري، صاحب المحل وانا والسائل وتاجر آخر ما ان سمع باسم المؤامرة حتى استأذن خارجاً، وران صمت قطعه صديقي صاحب المحل بقوله «الله يستر».

استأذنت وخرجت الى الشارع من جديد امشي اتفحص وجوه الناس علني اقرأ فيها اخباراً عن هذه المؤامرة، فوجوه الناس جرائد متنقلة تقرأ فيها الاخبار السارة وغير السارة.

رأيت الخوف مرتسماً على الوجوه، او هكذا تصورت، فالخوف لم يكن جديداً على اهل العراق، فقد عاشوا به ومعه منذ ان عرف للعراق تاريخ.

لا ادري كم مشيت، وها انا
في سيارتي والساعة تقترب من الثانية ظهراً، وعزمت ان اذهب الى البيت ولم اعرج على غرفة المحاميين لمعرفة المزيد عن هذه المؤامرة، وكأن هاتفاً منعني من ذلك فتحت راديو السيارة على نشرة اخبار الساعة الثانية، واذا بصوت محمد سعيد الصحاف (مدير الاذاعة والتلفزيون) يحيي المستمعين الكرام فتأكد لدي ان تساؤل رجل الشورجة في محله، فها هو الصحاف بنفسه يفتتح الاخبار على غير المعتاد، اذا لا بد ان يكون الامر جداً، ابطأت السير اصخت السمع وجاء صوت الصحاف الجهوري يصرخ في المذياع «ايها المواطنون.. ان مؤامرة خسيسة قد دبرتها الامبريالية الاميركية والرجعية (الايرانية) مع الرجعية المحلية للإطاحة بالثورة ومكتسباتها.. لتعيد العراق الى حظيرة الاستعمار الاميركي ونفوذه ومخططاته.. ولكن الثورة بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي كانت للمؤامرة الدنيئة بالمرصاد فأحبطتها في مهدها وان الرؤوس المدبرة الخائنة ستنال جزائها الصارم».

عندما يكون الجزراوي القاضي! الى آخر المعزوفة، وسكت الصحاف، ثم اخذت الاذاعة تبث موسيقى عسكرية.. ومعنى هذا ان انباء مهمة قادمة بعد حين ولم يطل انتظاري فقد طلع صوت الصحاف من جديد ليعلن عن تشكيل (المحكمة الثورية الخاصة برئاسة طه الجزراوي - الذي اصبح وزيرا بعد ذلك ثم نائبا للرئىس واعتقل الثلاثاء) وعضوية كل من ناظم كزار وعلي رضا  ثم تابع الصحاف يعدد صلاحيات المحكمة الخاصة، فمن صلاحيتها اصدار الاحكام وتنفيذها فورا من غير طعن خلافا لاي شرع او قانون.. فالمحكمة تحقق ثم تحكم ثم تنفذ الحكم على الفور حتى دون الحصول على توقيع رئىس الجمهورية (فهذا اجراء شكلي يمكن الحصول عليه بعد التنفيذ!) وصلت الى البيت والهواجس تتقاذفني والشكوك تنتابني عن هذه المؤامرة، فالراديو لم يفصح عن اسماء المشتركين فيها، ولم يذكر غير العموميات ورحت اتساءل: كم من بريء سيلتف حبل المشنقة حول رقبته؟ كم من بريء ستأكله هذه المؤامرة، فهذا هو اليوم الموعود للتنفيس عن الاحقاد وتصفية الخصوم.. ان كل انسان، ومن اي لون يمكن ان يتهم
في هذه (المؤامرة) التي لم تتضح معالمها بعد.

دخلت البيت وانا واجم مشغول الباب وعافت نفسي الطعام فأويت الى (القيلولة) كعادتي بعد الظهر فجافاني النوم، وبقيت محدقا
في سقف الغرفة وتركت لفكري العنان مستبشعا هول ما قد يحدث، فأنا اعرف دموية القائمين على الامر.. تركت الفراش حوالي الساعة الرابعة والنصف بعد ان اتعبني التفكير.. وقررت ان أخذ ابني الصغير (سنان) الى الطبيب لاعطائه الجرعة الثالثة من لقاح شلل الاطفال، فقد كان هذا اليوم موعدها ورافقتني زوجتي.

بعدها عدت الى البيت حوالي الساعة السادسة والنصف مساء ورحت انتقل من غرفة الى غرفة دون ان يستقر لي مقام وانا بكامل ملابسي الخاصة، بعد ان سمعت وانا
في طريقي الى البيت مدير الاذاعة يعلن اسماء اول وجبة (من الخونة المتآمرين) قد أدينت من قبل المحكمة ونفذ فيها حكم الاعدام وفيهم اسم كل من رشيد عبدالمحسن الجنابي  وصالح مهدي السامرائي ولم اعرف اشخاص باقي الوجبة التي بلغ عددها ثمانية او سبعة، بقيت في الدار في حالة من القلق والضيق حتى تجاوزت الساعة السابعة والنصف تحدثت تلفونيا الى الصديق الاستاذ غالب العلوش، فقد كنت بحاجة الى سماع صوت غير صوتي واعرف شيئاً عن المؤامرة غير ما اذيع عنها من خلال الراديو، فأنا ومنذ الصباح لا اتحدث الا مع نفسي فأخبرني الاخ غالب ان والده «المرحوم عبدالجبار العلوش» قد وصل من المسيب قبل ساعة، ويبلغني تحياته وهو موجود عنده في البيت فراودتني رغبة زيارته والسلام عليه وقضاء بعض الوقت معه، فقلت له انا قادم اليكم الساعة لأسلم على الوالد فرحب بي وقال «انا منتظرون».

سمعت وانا
في طريقي الى بيت الاخ غالب نبأ تنفيذ احكام الاعدام في وجبة جديدة ذكر راديو سيارتي اسماءهم وكان من ضمنها اسم المرحوم جابر حسن حداد ، فحزنت حزناً شديداً اذ تربطني به صداقة ورفقة، ولكني دهشت اذ وجدته محشوراً مع اسماء لا تربطه بهم رابطة عقيدة او مبدأ او حتى معرفة شخصية، اذ كيف يتسنى له التعاون مع عناصر «متورطة» في مؤامرة اميركية ـ ايرانية وهو القومي المتطرف، المعتز بإسلامه وعروبته؟. ورحت افكر في عائلته واولاده حتى وصلت الى دار الاخ غالب في المنصور فوجدت المرحوم والده واخاه الدكتور سعد العلوش والاستاذ عبدالكريم الدجيلي جالسين في غرفة الضيوف والوجوم باد على وجوههم، سألتهم عن الاخبار اجاب الاخ غالب «ان ليس عندنا اكثر مما نسمع من الراديو» قلت انني سمعت وانا في طريقي اليكم خبر اعدام الوجبة الثانية وفيها المرحوم جابر حسن حداد، فقالوا: نعم سمعنا، واخذنا الحديث بشؤون المؤامرة وابعادها والاسماء التي اعلنت، واذا بصوت الاخ نجم السعدون يسبقه من الباب الخارجي ويسلم ويرحب كعادته المحببة، وما ان اهل علينا ولمحني حتى صاح «هذا ابو غسان هنا يا مرحبا.. يا مرحبا» ثم قال قبل ان يجلس: هل سمعتم بخبر الاخ جابر حسن حداد؟ فأجبناه: نعم سمعنا، فراح يتأسف على اعدامه أسفا شديدا ويترحم على روحه والألم باد على وجهه وشاركناه اسفه وترحمنا جميعا على روحه لمعرفتنا بنظافة الرجل وحسن اتجاهه وصدق وطنيته وقوميته واستبعاد تورطه بعمل ما مع اميركا وايران.

وهنا سألت عن الدكتور نظام عارف الذي اعدم مع الوجبة الثانية وسر وجوده وهو تركماني متعصب، وهل يعني ان لتركيا يدا
في المؤامرة هي الاخرى؟

وتشعب الحديث وبينما نحن كذلك اذا بجرس الباب يرن.. فقام الاخ غالب ليعرف من الطارق.. غاب بعض الوقت ثم عاد ووقف بباب الغرفة وصاح بصوت مرتعش.. ابو غسان.. ابو غسان انتبهنا لاضطرابه وحشرجة صوته فأشار الي بيده بمعنى «تعال.. تعال» كان فمه مفتوحا ولكن صوته قد انحبس والاضطراب باد عليه.. فقمت مسرعا مأخوذا بمظهره غير الطبيعي اجبته «نعم ابو زينب اشبيك» بلع ريقه وتمالك نفسه وقال متلعثما «اكو جماعة بالباب يريدوك»، فسألته «منو يريدني» اجاب، بعد ان شعر بقلق الجالسين
في الغرفة «ماكو شي جماعة يريدوك شوفهم واقفين بالباب» عدت لمكاني لأخذ معطفي، وشعر الجالسون في الدار ان هناك شيئا غير طبيعي يجري في الدار، وهنا انبرى المرحوم الاستاذ عبدالكريم الدجيلي قائلا «اجي وياك ابو غسان» فالتفت اليه وشكرته وابتسمت امتنانا له وخرجت مع الاخ غالب الى الباب الخارجي، واذا بثلاثة اشخاص يرتدون الملابس العسكرية يقفون في حديقة الدار، فبادرني احدهم سائلا «انت الاستاذ؟» اجبته نعم فسأل هل هذه السيارة البيجو الواقفة بالباب سيارتك؟ اجبته نعم فقال اتفضل معنا استاذ واشار الى سيارة نجدة واقفة بباب الدار، كان الذي يسأل ضابط شرطة برتبة ملازم والثاني مفوض شرطة والثالث من افراد الشرطة يحمل الاولان مسدسين ويحمل الشرطي رشاشه، وهنا تدخل الاخ غالب وسأل مستفسرا لعل في الامر غلط يا اخوان، فأجابه الضابط «ماكو كل غلط معنا رقم سيارته»، واخرج من جيبه ورقة قرأ رقم سيارتي واسمي ثم اضاف مشيراً الى السيارة والي «هذه السيارة وهذا هو»، وهنا قلت له «انا مستعد ايها الاخ تفضلوا آني جاي وياكم»، ثم التفت الى الأخ غالب وودعته بابتسامة مطمئنة وقلت له: تصبح على خير، فلم يرد وتقدم المفوض ففتح باب سيارة النجدة الخلفي وقال: «تفضل من هنا بيك» فحدجته بنظرة فقد استغربت كلمة بيك، وهل يقصد بها السخرية ام الاحترام، وركب بجانبي وركب الشرطي من الجانب الآخر وصرت محصوراً بينهما ثم ركب الضابط في الامام وقال للسائق الذي ظل في
السيارة «امشِ».

تناول الضابط آلة كانت موضوعة امامه، وكأنها آلة مايكروفون واخذ يردد «هلو هلو سيدي انا رقم كذا.. ان الشخص المطلوب معنا فأين نتجه به؟»، فسمعت صوتاً غير واضح يقول شيئاً لم اتبينه، فإذا بالسيارة تتجه نحو جسر الخر فعلمت انهم ذاهبون بي الى
قصر النهاية، فهذا هو طريقه، فعرفت خطورة مصيري، واستعذت بالله وفوضته امري.

السيارة تتتجه بنا نحو
قصر النهاية دون ان اشعر بسيرها، وافقت على صوت يمزق السكون الموحش في وسط غابة باسقة «قف»، فتسمرت السيارة في مكانها وارتج كل من فيها، فنظرت الى الخارج من خلف الزجاج، فتبينت وسط ضباب كثيف مجموعة بنادق مشرعة وهي تتجه نحونا ببطء، واذا بصوت يصرخ «اعط كلمة السر»!، وهنا انزل الضابط زجاج السيارة ونطق بكلمة لم اتبينها، فأجابه الصوت «تقدم»!، فتحركت السيارة وسط اشجار تمتد على جانبي طريق مسفلت، وما ان سارت بضعة امتار فإذا بشخص يرتدي البزة العسكرية يعترض طريق السيارة ورأيت تقاسيم وجهه بوضوح على مصباح السيارة، يرفع يده اليمنى بإشارة «قف» فوقفت السيارة مرة اخرى، فقلت في نفسي «ثم ماذا» بعد كلمة السر، ومن هذا وما يصنع هنا، تفرست في ملامحه فوجدته شاباً يحمل رتبة ملازم اول يضع على عينيه نظارة طبية سميكة، وتبدو على ملامحه انه ليس ضابطاً حربياً وانما ضابط احتياط ممن منحهم الحزب (البعث) رتبة عسكرية، تقدم نحونا ثم فتح الباب الامامي وطلب من الضابط ان يفسح له مكاناً، وما ان ركب واغلق السيارة بيده، حتى التفت إلى الخلف حيث أجلس وأخذ يصيح في وجهي «ولك أنت منو»، لم أجبه فصاح قائلاً: «منو هذا المجرم المتآمر» وما انتظر جواباً على سؤاله، بل أخذ يلوح بيده في وجهي ويصرخ بأعلى صوته «شوف انته ما راح تاخذ أكثر من ربع ساعة وتنتهي.. مجرم» فلم أجبه كما لم يجبه أحد من ركاب السيارة، فقلت في سري الحمد لله ربع ساعة ليست كثيرة ثم الخلاص من أمثال هذا المتهور المجنون، وهنا وقفت السيارة أمام الباب الرئيسي لقصر النهاية، وترجل الضابط المتهور أولاً وشعرت بأنني قد أهنته عندما لم أبح له باسمي وقد شاركني حراسي أيضا باحتقاره حينما لم يجيبوه واحترموا صمتي وتركوه يصرخ مهتاجا كالثور، فتح الضابط باب السيارة قائلا: «تفضل أستاذ».

نزلت من السيارة فوجدتني محاطا بعدد كبير من الشباب المسلحين بأنواع مختلفة من الأسلحة كالرشاشات والمسدسات بأشكال وأحجام متنوعة، ونظرت إلى الوجوه أتفحصها، فما وجدت غير التقطيب والاكفهرار، كأن هذه الوجوه الشابة النضرة قد شاخت وتغضنت وشردت منها الابتسامة والنضارة واستبشعت الأمر متسائلا
في سري كيف تحول هؤلاء الشباب إلى شيوخ؟ كيف ضاعت من وجوههم الابتسامة والنضارة والحياة؟ ومن المسؤول عن ضياعها؟ كيف تحول هؤلاء الشباب من رسل حب وخير إلى رسل موت وسفاكي دماء.. يا للهول إني أقرأ في وجوههم الموت، إن أعمارهم تتراوح بين 18 ـ 30 سنة على أكثر تقدير. من الذي غرر بهم، وأي عقيدة سمحت لهم أن يزرعوا الموت بدلا من الخير وان يحصدوا الأرواح بدلا من تعمير الحياة؟ اي عقيدة هذه تسمح بأن تزج بهؤلاء الفتية في مكان كهذا يمارسون فيه لعبة الموت؟ «ان القتل ليس رسالتهم إن كانت لهم رسالة». تطلعت إلى العيون وإذا بها تتخطفني بنيرانها وشررها تريد ان تحرقني كأنها تستعجل مصيري وعما قريب ستكون من نصيبنا فتفترسك، ولم أشعر إلا ويد الضابط تأخذ بيدي برفق وتسير بي نحو السلالم وما ان وصلت الى أعلى السلم حتى سمعت همهمة وتساؤلا من هؤلاء الفتية، من هذه الضحية الجديدة التي جاءت تمشي برجليها إلى مصيرها المحتوم، ويبدو ان بعضهم قد عرفني فقد التفت اليهم وانا في أعلى السلم لألقي عليهم نظرة قبل ان ادخل «القصر» فسمعت بعضهم يقول «هذا فلان» دخلت مع الضابط صالونا فسيحا مستطيل الشكل يبدو انه المدخل الرئيسي للقصر، وكان مزدحما، ففيه شباب مسلحون بأعداد كبيرة، وحركة دائبة، فأجلت نظري يمينا ويسارا، وإذ بمنظر غريب، يتمثل في وقوف بعض الناس ووجوههم إلى الحائط

بأزياء مختلفة، فمنهم من يرتدي البيجامة، ومنهم من يرتدي الدشداشة، ومنهم الأفندي، والمعقل، وقد رفعوا أيديهم الى فوق (كما كان يعاقب الأستاذ تلميذه
في المدرسة) تفصل بين الواحد والآخر اربعة امتار تقريباً، وبجانب كل واحد من هؤلاء شاب يحمل رشاشه في حالة الاستعداد، ويمنع اياً منهم من الالتفات الى الخلف، أو ينزل يديه إذ ما تململ من التعب أو حاول ان يدير وجهه قليلاً، تعاجله ضربة من كعب رشاش فيعود الى وضع الأول مواجهاً الحائط، تساءلت من هؤلاء ولماذا يقفون هكذا؟ ولكزني الضابط ان سر في
طريقك، واتجهنا نحو غرفة على الجانب الأيمن من الصالون وحانت مني التفاتة الى واحد من هؤلاء المتاعيس فرأيته رجلاً كهلاً نحيفاً يرتدي «زبونا» من غير سترة، حاسر الرأس وجهه تشوبه صفرة، لا اعلم ان كانت طبيعية ام من هول الموقف الذي هو فيه، فهو زائغ البصر شارد النظر التقت عيني بعينه فقرأت فيها عمق مأساته دخل بي الضابط الى غرفة، ودخل خلفي بعض الشباب وقف بعضهم بباب الغرفة وكان فيها شاب يجلس وراء مكتب معدني، تقدم منه الضابط وهمس بأذنه وأشار بيده نحوي فرفع رأسه وتفحصني ثم قال للضابط «طيب تفضل انت» فأدى التحية ثم خرج بعد ان ودعني بنظرة فيها اشفاق مع ابتسامة خفيفة

وقفت وسط الغرفة، والشخص جالس وراء مكتب وبعض الشباب يقفون ليس بعيداً عنا وكأنهم ينتظرون الأوامر فأومأ لهم الشخص بيده ان أخرجوا، فخرجوا عدا اثنين ظلا واقفين بالباب ثم اتجه نحوي وقال «تفضل اجلس هناك» واشار الى مكتب معدني ايضاً فتوجهت وجلست خلفه دون ان أنبس ببنت شفة، فقد وطدت نفسي الا أتحدث الا مع من بيده الأمر، وان أتجنب الحديث حفاظاً على كرامتي. جلست في مكاني وراء المكتب، كان في الغرفة ثلاثة مكاتب معدنية وليس فيها كراسي. اخذ الشخص يقرأ في أوراق امامه دون ان يلتفت نحوي ورحت اتفحصه، ان عمره لا يتجاوز الثلاثين عاماً، ويبدو لي من هيئته انه اقرب الى العامل منه الى الموظف، فقد لاحظت انه يقرأ بصعوبة وشفتاه تتمتمان متهجياً الحروف. ومرت عشر دقائق، دخل بعدها شخص يحمل صينية عليها مجموعة استكانات من الشاي وضع واحدة منها أمام الشخص دون ان ينطق بكلمة ورمقني بنظرة متفحصة وخرج. هناك حركة مستمرة في الصالون، اقدام تقترب وتبتعد وأصوات متداخلة، ثم دخل شخص والقى تحية المساء واتجه نحو المكتب الثالث وجلس خلفه واخذ يطبع على الآلة الكاتبة من ورقة أخرجها من جيبه، مرت نصف ساعة ونحن الثلاثة والحارسان في الغرفة واحداً يقرأ بصعوبة وآخر يطبع على الآلة الكاتبة، والاخير يسبح مع الافكار ويصطدم بسؤال مصيري «ماذا سيفعل بي هؤلاء؟» ودخل ضابط وقف له الشخصان احتراماً وبقيت جالساً في مكاني، كان وجهه مألوفا لدي برتبة ملازم اول، لونه ابيض يميل الى الحمرة وشعره اشقر، ويبدو اكبر بكثير من رتبته فعمره 45 سنة او يزيد، راح يتمشى في الغرفة حتى وصل قربي ورمقني بنظرة، تذكرته، انه مرافق
احمد حسن البكر، لقد سبق ان رأيته في التلفزيون يقف وراء البكر، تمشى قليلاً ثم همس في أذن الشخص الجالس فأجابه ذاك بكلمات لم اتبينها، ثم خرج ودخل بعد فترة قصيرة شاب يحمل رشاشاً.

تقدم نحوي ووقف امامي وقال: «تفضل استاذ» فمشيت ومشى خلفي، ثم تأبط ذراعي، وخرجنا الى الصالون وكان على المنظر نفسه الاشخاص رافعو الايدي ووجوههم صوب الحائط، فتشت عن صاحب الزبون ذي الوجه الشاحب فلم اجده بينهم، صعد بي الشاب سلماً دون ان يتكلم، في الطابق الثاني من القصر.. مشينا في رواق طويل عريض تنتشر على جانبيه غرف كثيرة، وادخلني الى غرفة واسعة يقف على بابها بعض الشباب المسلحين، وكان اول من طالعت في هذه الغرفة ضابط ركن (برتبة رائد)، يجلس خلف مكتب معدني كبير على يمين الغرفة، وقد وضع «سدارته» لونه اسمر، وسنه تقارب الـ 35 سنة، فقلت في سري لا شك ان هذا الضابط مسؤول كبير في قصر النهاية، فلم اصادف ضابطاً يدانيه رتبة، وزاد من يقيني انه لم يرد السلام عندما لقيته وانا ادخل الغرفة، ادرت نظري الى الاتجاه الآخر (يسار الغرفة) فإذا بوجه يبتسم لي ابتسامة فيها استغاثة، كان هذا الوجه مألوفاً عندي، فقد سبق ان رأيته، والتقيت بصاحبه، ولكن ذاكرتي خانتني الآن فلم اعرف من هو، وما ان اجلسني مرافقي الشاب وراء مكتب معدني في وسط الغرفة حتى التفت نحوي صاحب الوجه المعروف قائلاً لي «الله بالخير سيدنا»، فزاد عجبي وفرحت بتحيته فلا شك انه يعرفني عندما استعمل كلمة «سيدنا» واجبته «الله بالخير» ثم سألته «منو انته»، فأجابني بصوت خفيض لا يكاد يسمع «انا راهي» وهنا تذكرته، انه راهي ابن المرحوم الحاج عبدالواحد سكر وكان حاسر الرأس، يرتدي سترة فوق الزبون ودشداشة، ويبدو عليه القلق .

وقد اطمأن حينما رآني داخلاً، جلست وراء المكتب المعدني الذي يتصدر الغرفة، وعلى يميني راهي عبدالواحد وعلى يساري الضابط الكبير الصامت، وكل منهما وراء مكتب معدني، وبباب الغرفة شباب مسلحون، يحمل بعضهم راديو ترانزستور، وانشغل تفكيري حول الضابط الذي يجلس على يساري من هو؟ وما هو مركزه؟ يلوذ بصمت ولم يعر دخولي ووجودي أي اهتمام.

وبينا نحن كذلك واذا بهذا الضابط يرفع يده الى أعلى وعندما لمحه الشاب قال له «نعم شتريد؟» فأجابه الضابط «تسمحوا لي أروح التواليت». وهنا وضحت الصورة أمامي، وضحكت في سري، ورددت ان وضع صاحبنا كوضعنا تماماً فلماذا هذا التكبر والتجاهل؟ أجابه الشاب «تفضل» فقام من مكانه وذهب معه اثنان من الشباب ثم عاد الى مكانه، ورحت أفكر فيه وقلت في نفسي هل سيجيبني لو سألته عن اسمه؟ وهل المقام يسمح بذلك؟ وعندما تفرست بوجهه جيداً وجدت الهم والقلق باديين عليه، وبقينا على هذه الحال نحن الثلاثة مع حراسنا، ثم سمعنا وقع أقدام كثيرة تدب في الرواق، وهلت علينا كوكبة من الشباب تقتحم الغرفة يتقدمهم شاب طويل يحمل بيده ورقة. وقف في وسط الغرفة وأخذ يقرأ منها اسماء وبعد ان فرغ من القراءة وأجابه بعض الشباب «ان فلاناً في الغرفة المجاورة وفلاناً في الغرفة الأخرى»، قرأ ستة او سبعة اسماء فيها ضباط ومدنيون ثم خرج مع الشباب من الغرفة وبقي معنا الحراس، حسبت ان الاسماء المقروءة مطلوبة للمحاكمة امام محكمة الثورة الخاصة التي شكلت صباح اليوم خصيصاً لهذه المؤامرة التي اصدرت احكامها على وجبات سابقة تم اعدامها، وبينما انا في جو المحكمة، والمحاكمة، والمرافعة والأدلة والشهود والاثباتات اذا بصوت الرصاص يمزق الآذان بصوته الهادر من مجموعة من الرشاشات تصم الآذان وتخلع القلوب، كان الرصاص المنهمر ليس بعيداً عن المكان الذي نحن فيه، انه قريب، انه في الطابق السفلي، وامامنا في الحديقة، استمر هديره اكثر من ثلاث دقائق ثم خفت حدته وصار متقطعا الى ان سكت، تساءلت في سري أهي وجبة جديدة تم اعدامها بالرصاص؟ وكنت اظن ان عمليات الاعدام تنفذ شنقا كما اعلنت السلطات في بياناتها، لم يزد الوقت بين قراءة الاسماء وبين عمليات الاعدام عن ربع ساعة، ورحت اتساءل: لم يتم التنفيذ في الحديقة وامام المتهمين الآخرين وعلى مرأى ومسمع منهم، أللتخويف والترهيب؟ لو أمعنت النظر من مكاني على ساحة الاعدامات في حديقة القصر لرأيت الجثث متناثرة بعد ان مزقها الرصاص، بأوضاع مختلفة وأشم رائحة الدم مخلوطة برائحة البارود تملأ الجو بدخان الرصاص، سكتت زخات الرصاص، وبعد لحظات سمعت اطلاقات من مسدس بين لحظة وأخرى فعلمت انها «رصاصات الرحمة» توجه إلى رأس الضحية التي ما زالت تنازع، أو فيها رمق، أو لم يصبها بمقتل فتجهز عليه هذه الرصاصات وينتهي الأمر ويذهب القاتل منتشياً بما فعل ويذهب المعدوم الى حيث يشكو ربه ظلامته.

لقد ارتجفت فرائصي لهول الموقف لا لأنه غريب علي، لقد سبق ان شاهدت الكثير من الحوادث والمنازعات العشائرية يروح ضحيتها جرحى وقتلى لأسباب قد تكون تافهة، ولكن ما يجري هنا شيء يختلف ويفوق الوصف انه قتل عمد، اني ارى اناساً يساقون الى المذبح تماماً كما تساق الشاة لا حول لها ولا قوة، دون سؤال، أو جواب أو محاكمة ما أتعس الانسان، وما أظلم الانسان؟ وبينما انا كذلك مستغرقاً في افكاري وإذا بصوت المذيع ينطلق من الراديو ويقطع تداعي افكاري معلناً «ان وجبة جديدة من الخونة قد لقوا جزاءهم» ثم اخذ يعدد اسماء هذه الوجبة. ثم بتعليق يقول «انهم خونة قد ذهبوا الى مزبلة التاريخ بالخزي والعار» وقد صدمتني عبارة «مزبلة التاريخ»، فقد كنت قد سمعتها تتردد كثيراً ابان التظاهرات الطلابية التي كنت اشترك فيها طالباً في الثانوية والجامعة، وها هي الآن تعود من جديد بمفهوم آخر.

ثم اضاف معلق الراديو ان هؤلاء الخونة قد لقوا جزاءهم «باسم الحق والحرية»، ولم أتمالك نفسي من الضحك ورحت في سري اردد «ما أكذبك! أي حق وأي حرية؟!»، وتذكرت كلمة شارلوت التي اغتالت مارا عندما سيقت الى الجيوتين «مسكينة ايتها الحرية كم من جرائم ترتكب باسمك؟». ورحت افكر في هؤلاء المجزورين الذين أرسلوا منذ هنيهة الى مزبلة التاريخ بأمر من طه الجزراوي، وناظم كزار، وعلي رضا، افكر في مصير اولادهم واهليهم، لم اعرف احداً منهم، ولم ار وجهه وهو يواجه الموت، لم ارهم الا اشباحاً تتهاوى، وتتقلب وتجود بأرواحها والرصاص يحاصرهم، فمنهم من يتكور على نفسه ممسكاً جراحاته ومنهم من ينكفئ على وجهه ومنهم من يتجه بوجهه المخضب نحو السماء.

كانت الساعة العاشرة والنصف، عندما سمعنا وقع اقدام كثيرة تدب نحونا، وتقترب، وتدخل مجموعة من الشباب المسلحين يتقدمهم اكبرهم سناً، ويبدو من هيئته انه ذو مكانة ومنزلة فقد وقف له من في الغرفة من الحراس احتراما ويحمل بيده ورقة وترقبت ان يقرأ منها اسماء وجبة جديدة، ولكنه اتجه الى الضابط الجالس على يساري وسأله «انت الرائد الركن عبدالستار عبدالجبار العبودي؟» فأجابه الضابط «نعم» ثم سأله «ما دورك في المؤامرة» الضابط «يا مؤامرة ويا دور الي بيهه.. يا جماعة آني ضابط قومي وحدوي» ثم اضاف «آني كان بودي لو كنت اعرف بالمؤامرة» فأجابه الشاب باستنكار وبصوت عال «إشلون بودك تعرف المؤامرة» فأجابه الضابط عبدالستار «نعم كان بودي اعرف بيهه حتى أبادر الى اعلام السلطات المسؤولة وفضحها.. ثم اية علاقة تربطني بجماعة مثل صالح السامرائي ورشيد الجنابي.. آني شاب قومي واشتركت بحركة عارف عبدالرزاق وبعد ثورة 17 تموز التقيت بالسيد الرئيس البكر بالقصر الجمهوري وليس بيننا شيء، وقد نقلني السيد الرئيس الى كركوك، وانا كنت هناك منذ عشرة ايام جيء بي الى بغداد وأودعت في سجن رقم 1 في معسكر الرشيد، وقبل ساعات قليلة جيء بي الى هنا ولا اعلم السبب فأية مؤامرة انا مشترك بيهه» كان يتكلم بثقة وثبات فسأله الشاب «ولماذا جاءوا بك من كركوك ووضعوك بالسجن؟» فأجابه عبدالستار «هاي قصة ثانية» اجابه الشاب «نريد ان نعرفها. احكيها. انا مسؤول، ويجب ان تجيب على سؤالي؟» كنا وجميع من في الغرفة نتابع هذا الحوار باهتمام حتى الحراس قد أنصتوا ايضا، اجاب عبدالستار «قصة اعتقالي في كركوك وجلبي الى هنا هو ان امراً ادارياً كان قد صدر من وزارة الدفاع وعمم على جميع الوحدات ومنها الوحدة التي كنت فيها، وقد علقت بخط يدي على الورقة التي تحمل هذا الامر بعبارة «هذا أمر سخيف»، ويبدو أن تعليقي هذا على أمر وزارة الدفاع قد بلغ أسماع المسؤولين في بغداد، وعندما جاء السيد صدام حسين إلى كركوك مقر وحدتي في طريقه لملاقاة الملا مصطفى البرزاني، سأل آمر الوحدة عن الضابط الذي علق على الأمر الوزاري بعبارة أمر سخيف، فجيء بي إليه فما كان منه إلا أن مد يده إلى كتفي ونزع الرتبة العسكرية وطلب من الآمر إيداعي التوقيف لحين عودته، وعندما عاد من الشمال اصطحبني معه إلى بغداد، وأودعت سجن رقم 1 منذ عشرة أيام كما أخبرتكم، والآن جاءوا بي إلى هنا.. وهذه كل الحكاية.. يا جماعة صدقوني والسيد صدام حسين موجود ويمكنكم أن تسألوه.. فلا مؤامرة ولا يحزنون».

انتهت رواية عبدالستار وكان يتكلم كما قلت بثقة واطمئنان حتى أن حديثه قد أثر في جميع السامعين بمن فيهم الحراس، حيث لاذوا بالصمت، وهنا بادره الشاب بسؤال استنكاري «وكيف تعلق على الأمر بكلمة سخيف ألا يعتبر هذا تحدياً لرؤسائك؟» فأجابه عبدالستار «أعتذر عن هذا، واعترف أني أخطأت، ومستعد للمحاكمة على غلطتي هذه، أما المؤامرة فأعوذ بالله ومع من أتآمر؟ ولويش». فأجابه الشاب وقد وضع ورقة فلسكاب بيضاء أمامه على المكتب مع قلم رصاص قائلا «اكتب» فسأله عبدالستار «ماذا أكتب؟» فقال له «اكتب عن دورك في المؤامرة القذرة» فأجابه عبدالستار بضيق «مو حكيت لك الحكاية من أولها إلى آخرها» فأجابه الشاب «أنا ما أعرف، اكتب عن كل الذي تريد تكتب عنه، هاي أوراق وهذا قلم اكتب ما تشاء» ثم استدار خارجا من الغرفة وترك عبدالستار مع الأوراق والقلم في حيرة.. مرت لحظات صمت وأنا أرقب عبدالستار، مشفقا على حاله، وأخذ يحرك رأسه يمنة ويسرة ثم تناول القلم، وكتب سطرين ثم رمى القلم، والتفت فجأة نحوي، نظر إلي نظرة طويلة، وعميقة، بدا لي أنه يعرفني، وكأنه يستنجد طالبا المعونة لإيجاد مخرج له من هذه الورطة، ثم تمتم «ماذا أكتب؟»، فابتسمت له مشجعا قائلا له بصوت خفيض «اكتب يا أخي قصتك كما هي واتكل على الله»، ولم أزد، فأنا أعرف أني لا استطيع إنجاده أو مساعدته فمصيرنا واحد، فان كانت جريرته تعليقا على أمر إداري، فالله وحده يعلم ما هي جريرتي، عاد وانكب على الورق وراح يكتب ويكتب وملأ الورقة بوجهيها، وبعد ان فرغ وضع القلم بجانب الورق وأراح جسمه إلى الوراء مسندا ظهره إلى الكرسي، وأخذ نفسا عميقا وقال بصوت عال مسموع «يا رب» .

مرت ساعة على خروج الشاب من الغرفة، ونحن في صمت ننتظر المجهول، وعاد الشاب الى الغرفة، وتوجه الى عبدالستار وتناول الورقة، وعاد يقرأ فيها وبعدها سأله «هذا كل ما عندك؟» فقال له عبدالستار: نعم فقال له الشاب «وقع هنا» واشار له على الورقة، فوقع عبدالستار، فأخذ منه الورقة والقلم، وخرج من الغرفة، ومرت ربع ساعة تقريبا، واذا بنفس الشاب يقف بباب الغرفة ويؤشر بيده الى عبدالستار قائلا له «تفضل» فما كان من عبدالستار الا ان نهض والتقط سدارته من على المكتب، وخرج مسرعا وراء الشاب الذي سبقه، وغابا عن الانظار، وبعد لحظات دخل الغرفة شاب يحمل بيده ورقة صغيرة خمنت ان فيها اسماء وجبة جديدة واخذ الشاب يقرأ الاسماء وعيني معلقة بفمه، كأني اترقب سماع اسمي، وكان في القائمة اسم كل من الضابطين الطيارين انور الجميلي وصلاح الغبان، وكنت اعرفهما، قرأ سبعة او ثمانية اسماء ثم خرج من الغرفة، التفت الى ورائي حيث النافذة المطلة على ساحة الاعدامات اختلس النظر من خلال زجاجها لأتبين ما يجري فيها فقد سمعت جلبة وضوضاء تحت النافذة وبصعوبة رأيت بضعة افراد لا يتعدى عددهم الثمانية تحبط بهم مجموعة كبيرة من الشباب المسلح يسوقونهم سوقا الى الامام ويدفعونهم، حتى لا يتخلف احد او يتقاعس، منظر يشبه تماما منظر جزار يسوق قطيعا الى المذبح، فالمنظران متماثلان، والفرق ان هناك قطيعا من الغنم وهنا «قطيع من البشر»، هناك جزار غنم، وهنا جزار بشر، والمجزور هناك اغنام احل الله ذبحها والمجزور هنا انسان حرم الله دمه، سبعة او ثمانية اشخاص بأزياء مختلفة يسيرون داخل حلقة من الشباب المسلح بالرشاشات والمسدسات يدفعونهم الى الحديقة.. ولم اعد اتبين المنظر من شدة الظلام، ومرت لحظات لم اسمع فيها سوى دقات قلبي تضرب بعنف، وفجأة انطلق الرصاص زخات كأنها المطر، ورأيت شبحا يجري في الحديقة هنا وهناك، يقوم ويقع، كأنه هارب من نار، ولكن النار تلاحقه ويصرعه الرصاص الذي استمر يلعلع دقائق، ثم توقف، وبعد لحظات رأيت ثلاثة شبان يتقدمون نحو الحديقة وقد شهر كل منهم مسدسا ثم سمعت اطلاق رصاصات حسبتها رصاصات الرحمة تطلق على رأس الضحية وتخمد انفاسه، وجدت نفسي اتمتم بعبارة «لقد تحرروا من العذاب والالم وصعدت ارواحهم الى بارئها» اشحت بوجهي عن النافذة وعدت الى جو الغرفة واذا بصوت الراديو يعلن اسماء الوجبة التي جزرت قبل قليل يقول «ان الحكم قد نفذ منذ قليل في مجرمين وهذا جزاء كل خائن متآمر والى مزبلة التاريخ» والى آخر المعزوفة واخذ المذيع يعدد اسماء الذين اعدموا وذكر اسم المرحوم الرائد الركن عبدالستار عبدالجبار العبودي، واذ بأحد الشباب المكلفين بحراستنا يقول وباستغراب «هذا هو الضابط اللي كان قاعد هنا؟» اجابه راهي «اي اغاتي هو» فما كان منه الا ان مط شفته السفلى وهز رأسه علامة الاستغراب والاستنكار وتفوه بكلمة «عجيب» وسكت، فقلت في سري لا للمهزلة حتى هذا الشاب الحزبي المكلف بحراستنا لم يصدق هذه المهزلة، واستنكر العملية، كيف لا ومنذ وقت قصير لم يتجاوز النصف ساعة كان الضابط المرحوم عبدالستار حيا يتكلم، ويدافع بحيوية، وصدق، مؤكدا براءته بحجج وبراهين مقنعة فاذا به يرسل الى القبر بدلا من ان يرسل الى اهله ولاطفاله، كان هذا ما يدور بعقل الشاب بلا شك، ثم ظل الشاب ساهما بعد اعدام الضابط وكأن ضميره يؤنبه، إن عمره لم يتجاوز الثامنة عشرة يحمل رشاشا، ويضع في وسطه مسدساً ويبدو أنه طالب ثانوي، كثيف الشعر أسمر اللون، يدل من لباسه أنه فقير الحال، وقد يكون حديث الانتماء الى حزب البعث، وهذا ظاهر من تعليقه العفوي الذي لا يصدر من حزبي متمرس، وظل الشاب ذاهلاً عما يجري حوله كما لو ان صحوة ضميره قد اوجعته، في حين راح زملاؤه الآخرون يثرثرون ويتضاحكون ويدخنون وكأن شيئا لم يحدث وكأن ازهاق الابرياء أمر طبيعي ومألوف، ولا يحرك فيهم مشاعر انسانية او كأنه «رسالة خالدة» هي رسالة البعث، حتى لو جاءت هذه الرسالة مغمسة بالدم، وظل الشاب على وجومه وحاولت ان اقرأ افكاره واتداعى معها الى ان يجيء دوري.

·         صـــرخت: المــــوت حـــــق ولكن أين المـحكمة والمـحاكمة؟! ان الذي يخفف من ألم العذاب عذاب الانتظار، وهو الاعتصام الى النفس والغوص في اعماقها، وهذا ما فعلته، لا مع نفسي فحسب بل حاولت استكناه أعماق هؤلاء الشباب الذين يحرسوننا وسبر أغوار نفوسهم، وقد وجدت بعض التسلية في هذا الجو الخانق فشيء ممتع أن يخلد الإنسان إلى نفسه في ساعة حاسمة كهذه، خاصة وانه موقن بانه سيودع الدنيا وما فيها بعد حين، فكان حديثي مع نفسي قاسيا، وهو عبارة عن حساب عن الماضي الذي راح بحسناته وسيئاته، أحصي هذه وتلك وندمت على كثرة سيئاتي وتمنيت لو انها كانت اقل، وحزنت على مواقف اسأت فيها لأصدقاء بدافع الوطنية والنضال. وهكذا عشت مع الماضي اقلب صفحاته واقرأ فيها كأنه شريط سينمائي، وكانت اسعد اللحظات تلك التي عدت فيها الى طفولتي البريئة والدنيا من حولي ضاحكة مبهجة، محاط بحنان الأبوين، ورعاية الأخوة والأعمام والاقرباء، لا ادري كم استغرقت القراءة النفسية ولكني افقت على ضوضاء ووقع خطوات كثيرة تقتحم الغرفة وإذا بمجموعة من الشباب يحيطون برجل كهل، حاسر الرأس يرتدي سترة وزبون وينتعل نعالا، يمسك به شاب انيق المنظر اكبر سنا من البقية، واوقفوا الرجل الحاسر الرأس المسحوب، وقد كسا وجهه خوف وهلع امام راهي عبدالواحد الحاج سكر، ثم اخذ الشاب الانيق يسأله ويشير بيده الى راهي «مو هذا راهي عبدالواحد الحاج سكر» ثم يلتفت الى الرجل المذعور المرتجف يحدق في عينيه، فيجيب هذا بعد تردد وبصوت خفيض يكاد لا يسمع «اي بيك هوه» فيصرخ به الشاب ثانية «صحيح حيل ما اسمع» فيرد الرجل بصوت مسموع «اي بيك هوه» فيسأله مرة ثانية «انت مو وديتله رسالة بيدك الى بيتهم؟» فيسكت الرجل ويتردد في الجواب ويصرخ به الشاب «احكي» فيجيب الكهل اي بيك وديتله فيرد الكهل «الى بيتهم بيك». المتهم المذهول! كل هذا وراهي مذهول ينقل بصره بين الشاب الانيق المستنطق وبين هذا الكهل ولم يرد جوابا، وقد عقل لسانه، ثم يلتفت الشاب الانيق الى المسلحين ويأمرهم بأخذ هذا الرجل خارج الغرفة وقبل ان يسحب الكهل الى الخارج، تململ راهي وكأنه افاق من دهشته، وصاح بصوت اجش «اوقف اغاتي اكلك اغاتي» يخاطب الشاب ولكن لم يعره التفاتا او يهتم به، ووجه راهي سؤاله الى الرجل الكهل قبل ان يسحب الى خارج الغرفة «اغاتي انا اعرفك تعرفني؟ زين تعرف بيتي وين؟» ولكن كلام راهي ضاع مع الجلبة وسحب الرجل الى خارج الغرفة وظل راهي باهتا، واسئلته معلقة دون جواب لا من الرجل الكهل المسحوب، ولا من الشاب الانيق الذي ظل واقفا في الغرفة، ثم التفت راهي الى الشاب واخذ يوجه كلامه اليه قائلا «اغاتي اذا كان هذا الرجل يندل بيتي وداخل بي انا مستعد لكل شيء واعدموني، وهنا صاح الشاب الانيق «تعالوا تعالوا جيبوا الرجال» وكانوا قد خطوا خارج الغرفة، وعندما ادخل من جديد بادره الشاب بهذا السؤال «إنت مو رحت البيته بالكرادة؟» فأجاب الرجل الكهل بهزة من رأسه بمعنى «نعم» دون ان ينطق بحرف وهنا ضحك راهي بصوت عال وبفرح كأنه قد عثر على دليل براءته قائلا للشاب «هذا الرجل يكذب يا بيك آني بيتي مو بالكرادة ابدا» وهنا ضاق الشاب ذرعا براهي وبالحاحه فصرخ بوجهه «اسكت» ثم اشار بيده فسحب الرجل واخرجه خارج الغرفة ثم خرج وراءهم دون ان يلتفت الى توسلات راهي، وصياحه من ورائه «تسمح يا بيك.. أرجوك بيك» فلم يسمعه البيك، وتركه لهواجسه وتمتماته «آنه.. رسالة.. بيت بالكرادة؟ كذاب.. كذاب.» يتحدث مع نفسه وقد أشفقت عليه من هذه التمثيلية. الافندي الانيق وعدت للحديث مع نفسي، ولكن حديثي مع نفسي انقطع بدخول أفندي أنيق يمسك بيده مسبحة صفراء اللون كأنها كهرب وعلى وجهه ابتسامة خفيفة واتجه نحوي ووقف قبالتي على بعد بضع خطوات، واخذ ينظر الي ثم يحول نظره عني، ثم يعيده دون ان يتكلم فتعجبت لحاله وبعد لحظات بادرني بقوله «مساء الخير استاذ أحمد» بلهجة فيها رقة ولطف لم أسمع مثلها منذ دخولي الى هذا المكان فأجبته «مساء الخير» انه اول من يتحدث معي، فمنذ مرور ساعات على وجودي في قصر النهاية وحتى هذه اللحظة لم يتحدث أحد غير حديث الضابط صاحب النظارة الذي هددني وتوعدني بالقتل، ثم خطا نحوي خطوتين وسألني «أستاذ إنت المن أعطيت صوتك في انتخابات نقابة المحامين؟» وكانت انتخابات النقابة قد انتهت قبل ايام وفاز بها الاستاذ عبدالوهاب محمود، فقلت في سري «عرب وين وطنبورة وين» ولكنني اجبته «والله استاذ أنا ما حضرت انتخابات» فسأل «لماذا لم تحضر؟» فأجبت «لأني لا أريد أن أعطي صوتي» فسأل «يعني قاطعت الانتخابات: لويش؟» فأجبت «لي رأي في القوائم المتنافسة وفي جو الانتخابات وفضلت عدم الحضور» وهنا غيّر الحديث بسؤال جديد ولون جديد فقال «إشلون الأستاذ مالك دوهان؟» فاجبته «زين بخير» فعاد يسأل «أتشوفه؟» فأجبت أحيانا فعاد يسأل ليش بعدكم متزاعلين فأجبته «ليس بيننا زعل» فسأل «يعني منقسمين» فتجاهلت سؤاله فضحك. .. والملازم الساخر وكنت طيلة هذه الفترة من الحوار أمعن النظر فيه، فقد كان وجهه ليس غريباً عني ولا صوته.. ويبدو أنه قريب من المحامين ومن وسطهم ولكنه ليس محامياً، ويبدو أنه موظف في سلك القضاء أو الادارة القريبة من المحاكم، وحاولت جهدي ان اعرفه فلم اوفق، وهنا استدار وخطا نحو باب الغرفة خارجا فالتفت الى احد الشباب المكلفين بحراستنا وسألته عن اسم هذا الشخص وقبل ان يجيبني صاح به قائلاً «لا تذكر اسمي لأنه يعرفني» ثم ضحك بصوت عال وسار في طريقه الى الخارج، وأنا أشيعه بنظراتي، وبينما أنا في تفكير حيال هذا الشاب، يدخل علينا شخص طويل عريض يرتدي الملابس العسكرية «برتبة ملازم ثاني» وقد وضع يديه في جيبي بنطلونه ونظر إليّ وسألني بلثغة في السين «استاذ أنت فلان» فأجبته «نعم» فسأل «تدري لويش جايبيك لهنا استاذ» كان في سؤاله نبرة سخرية واضحة، فأجبت على الفور وبسخرية ايضاً «آني أسألك لويش أنتم جايبيني لهنا مو انت اللي تسأل» فلم يجب بل صعد نظره بغضب، وقطب جبينه ثم انسحب خارجاً من الغرفة، وهنا قفز أحد الشباب المكلفين بحراستنا وكان يراقب الموقف، ودنا مني وقرب فمه من أذني بحركة سريعة وقال لي بصوت خافت «على كيفك أستاذ لا تصير عصبي، ترى القضية مليوصة، عباس ما يعرف دباس، اسكت احسن إلك»، ونظرت اليه مستغرباً فابتسم في وجهي، فقلت له بصوت خفيض ايضاً «اشكرك اخي»، ثم انسحب الى مكانه. «مليوصة يا حسين» رحت افكر في كلمة «مليوصة» هذه كم روح بريئة أزهقت باسمها، يا لها من مهزلة «لأن القضية مليوصة» ما أبلغه من تعبير عما جرى ويجري في هذا المكان من مهازل ولا أدري متى «تنلاص عليّ» ووجدتني أضحك في سري وقد تذكرت الهوسة المعروفة التي يرددها العراقيون «مليوصة يا حسين الصافي» الآن عرفت معناها والفضل يعود لهذا الشاب، ثم تساءلت عن الدافع الذي حداه أن ينصحني وهل هو صادق في نصحه، وما يمنع أحداً من هؤلاء المسلحين أن يسحبني إلى حديقة الموت ويرميني بزخة من رشاشه والى مزبلة التاريخ؟ صحيح، ما هو المانع؟ إن حياتي رهينة بيد هؤلاء، بيد عباس، ودباس، نظرت الى الشاب الناصح بعد ان عاد إلى مكانه، ورحت أتفحصه، إن عمره لا يتجاوز الثانية والعشرين، بشارب كثيف معقوف كرقم 8 يتمنطق مسدساً بحزامه، لا يبدو عليه الحماس الذي عند زملائه فهو لا يضحك لضحكهم ولا يشاركهم تعليقاتهم، فإذا كان مؤمناً بأن ما يجري مهزلة ومسرحية فما الذي جاء به أهو مكره على الحضور تلبية لواجب حزبي، ثم تذكرت زميله الذي استنكر قتل المرحوم عبدالستار العبودي حينما أعدم، ورحت أربط بينهما فكل منهما ينزع من مصدر واحد، ويجمعهما استنكار، وعدم قبول لما يجري. جلست في مكاني لائذاً بالصمت، عاملاً بنصيحة هذا الشاب مولياً على نفسي أن أظل متماسكاً دون ان يستفزني أحد، إلى ان يقضي الله أمرا كان مفعولاً. شعرت بتعب وإرهاق من طول الجلوس وعدم الحركة، نظرت إلى ساعتي فقد تجاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، واحتجت الذهاب إلى التواليت، وهناك كرر النصيحة قائلاً «مثل ما وصيتك استاذ» فقلت له «ان شاء الله»، ثم عدت الى مكاني في الغرفة، وما ان جلست حتى دخلت علينا مجموعة من الشباب يتقدمهم واحد منهم بادرني بسؤال «انت فلان الذي جاءت بك سيارة النجدة؟» فأجبته «نعم» فالتفت الى بعض الشباب قائلاً لهم «اخذوه بره، وقفوه هناك الى ان اصيحلكم»، واشار بيده الى الرواق، فأخرجت ووقفت في الرواق مع الحراس، وظل هو في الغرفة مع راهي، وبعد خمس دقائق صاح على الحراس «تعالوا جيبوه»، فجاءوا بي مرة ثانية، وجلست في مكاني وظل واقفاً وقد توقعت ان يباشر معي نقاشاً او حواراً او تحقيقاً او شيئاً من هذا القبيل، ولكنه لم يفعل، ثم نظرت الى راهي لاستطلع في وجهة شيئاً، فلم اقرأ في نفسه شيئاً، فما زال ذاهلاً مشدوهاً، ينظر الى الافندي بانكسار، بعد لحظات خرج الشاب مع الحراس الذين جاءوا معه، وخرج معهم صاحب النصيحة وشعرت بانقباض، فقد كنت اشعر ببعض الاطمئنان لوجوده معي، وحل مكانه شاب آخر ضخم الجثة، كثيف الشعر والشارب، وشكله غير مريح، اخذ يحدق بي بشكل ملفت، فتحاشيت نظراته متشاغلاً عنه، متذكراً النصيحة الثمينة، ولكنه ظل يلاحقني بنظرات حادة، فاستعذت بالله منه وصدر صوت اجش يقول «يا جماعة انتم اتعشيتو.. تر انه جوعان مو متعشي اشعدكم انطوني» فقام احد الشباب خارجاً من الغرفة، وعاد يحمل بعض السندويشات وقدمها له، فأخذ يقضم بنهم وامتلأ فمه وانتفخت اوداجه، حتى اتى على كل السندويشات، وبعد ان مسح شاربه التفت نحوي وقال «اي استاذ اشلونك»، واعقبها بضحكة، فلم اجبه، ولعنت الشيطان، ولعنت الساعة التي وضعتني امام هذا الثور الاهوج، ودعوت الله ان يكفيني شره، ويستجيب رجائي، ويعجل فرجي، فأنا لا املك من دنياي هذه ـ والحمد لله ـ غير كرامتي، حافظت عليها وصنتها ولن اسمح لهذا الصعلوك بأن يمسها او يتطاول عليّ، ورحت اردد في سري قول المتنبي: واذا لم يكن من الموت بد فمن العجز ان تموت جباناً. التهمة الثانية رفعت رأسي ونظرت اليه فقرأ في وجهي الغضب والانزعاج فلاذ بالصمت، ثم اشعل سيجارة، واخذ منها نفساً عميقاً وراح ينفث الدخان من فمه وانفه كالمدخنة ثم عاد يقول بلهجة جادة «تسمح استاذ أسألك؟» اجبته «أسأل» فقال «طبعاً استاذ خو انته ما قصرت، اشكد ابنيت ابيوت، واشكد بكت افلوس من اموال الشعب وصرت زنكين، وحطيت افلوسك بالبنوك موهيجي استاذ؟ وهنا انتبه الحراس الآخرون الى كلامه، واتجهوا بأبصارهم نحوي كأنهم ينتظرون ردي، فأخذت نفساً عميقاً لأسيطر على غضبي واتمالك اعصابي، حتى يكون جوابي له بسيطاً كعقله، فقلت له «لا شك يبدو من سؤالك هذا انك مواطن مخلص لوطنك، حريص على اموال شعبك فمن حقك ان تعرف ان كنت قد سرقت الشعب واموال الشعب وبنيت البيوت واودعت النقود في البنوك، لكن بربك قل لي ايها الاخ، انت شنو شغلك اولاً حتى اجيبك»، وهنا ضحك رفاقه وعلا ضحكهم فالتفت اليهم بغضب قائلاً لهم «اشبيكم تضحكون»، ثم اجاب «يعني عيب اذا كنت عامل نسيج؟» فأجبته على الفور «لا والله مو عيب» ثم قال «انت تسأل شلك كار بشغلي» فأجبته «ليش مالي كار بشغلك آنه هم مواطن صالح، مخلص لوطني، يهمني اعرف انت شنو ومنو»، ثم سألته «انت تعرف تقرأ وتكتب؟» فأجاب لا، وفجأة تذكرت لماذا تفشل معامل النسيج في عملها وتخسر باستمرار، ثم قلت له «الآن اجيبك على سؤالك عن سرقاتي وبيوتي ورصيدي حتى تطمئن»، وقبل ان اكمل انبرى واحد من الشباب صائحاً به: «ارجوك لا تتكلم انت تعرف ويا من تحجي.. هذا فلان»، ثم التفت لي وقال «العفو استاذ» ولذت بالصمت كما صمت العامل وبان عليه الغضب، وسار الزمن بطيئاً واخذ يقترب من الثانية بعد منتصف الليل، وقد هدأت حركة الحراس، وراحوا يتثاءبون، والنعاس يغالب عيونهم. سمعنا وقع اقدام كثيرة تقترب منا باتجاه غرفتنا، وتدخل مجموعة من الشباب الى غرفتنا، واشار احدهم بيده لي ولراهي قائلاً «انت.. انت.. يالله قوموا» قمت من مكاني موقفنا ان ساعتنا قد دنت اذ لم يعد في الغرفة غيري وغير راهي بعد ان اعدم من كانوا في الغرف المجاورة، وها هو دورنا قد جاء، وبدأت اقرأ مع نفسي «كل نفس ذائقة الموت»، و«وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي ارض تموت» صدق الله العلي العظيم، وشعرت براحة نفسية، وكأني انسان آخر في عالم آخر، ارحب وانقى، واطهر ـ فعما قريب ينتهي عذابي الى الابد، وواصلت القراءة «يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي» وان تكون النهاية الساعة، خير من ان تجيء بعد حين، انا بكامل قوتي وعافيتي، خير من ان يصرعني مرض الشيخوخة، او تفتك بي مختلف الامراض، هذا قضاء الله، ولا راد لقضائه، واحاط بي الحراس وبراهي، وخرجوا بنا من باب الغرفة، واذا براهي ينحني على «لفة كبيرة» كانت موضوعة في باب الغرفة، مكونة من مرتبة، وبطانيات، ومخدات، وشراشف، فلم يستطع حملها، وكلما حاول من جانب، سقط جانب آخر، يحمل البطانية فتسقط المخدة، يحملها فيسقط الشرشف، كان المنظر يبعث على الرثاء، لقد ظن هذا المسكين ان مدة توقيفه ستطول، ويحتاج الى هذا الفراش الوثير ليقيه البرد ويهيئ له مناما مريحا، وما درى انه سوف لن يستعمله وسيتركه لغيره، فعاونته على حمل بعض فراشه، فتركني افعل، واذكر اني حملت بطانية، ورفض ان احمل اكثر قائلا «العفو سيدنا مولانا» ثم سرنا يحمل هو اللفة الكبيرة، وامامنا وخلفنا يمشي الحراس، فنزلوا بنا سلالم، وكان راهي يمشي امامي وانا خلفه، كان قصيرا، وبدينا الى حد، يرتدي الزبون، فوق الدشداشة، والسترة فوق الزبون، حاسر الرأس، ولما وصلنا الى الطابق الارضي اشار شاب الى باب يؤدي الى خارج البناء قائلا للحراس «فوتوا من هنا» سرنا بضع خطوات، واذا بي اجد نفسي في الحديقة، اي المكان الذي تنفذ فيه الاعدامات، فأيقنت ان الساعة قد دنت وان اعدامنا سينفذ هنا في هذه الساحة التي شهدت كل الاعدامات. كنت اسير خلف راهي ويسير خلفنا الحراس، برشاشاتهم ويدفعوننا دفعا الى وسط الحديقة، فوقفت في مكاني ورفضت ان اخطو خطوة واحدة، وصحت بأعلى صوتي «اسمعوا يا جماعة انا لا اخاف من الموت فهو حق علينا جميعا، ولكن لن اموت بهذه الصورة، وقبل ان احاكم، فأين المحكمة والمحاكمة؟ وكيف تريدون اعدامنا دون محاكمة، فأنا لم يأخذ احد اقوالي، ولم يحقق معي ولن اسير او اتحرك من مكاني»، كنت اتكلم بصوت عال، فالموقف لا يحتمل السكوت، فها انا في ساحة الموت، وامامه وهذه لحظة حاسمة، وما ان سمع راهي كلامي حتى رمى «اللفة» من يده ورجع بسرعة، ووقف بجانبي، والتصق بي، فقد احس بخطورة ما قلته، وهنا تكلم احد الحراس طالبا السير بلهجة لطيفة قائلا «تفضل استاذ امشي لا تخاف» فقلت له «اسمع اخي انا غير خائف ومستعد للموت، ولكن ليس من دون سؤال، وجواب، وتحقيق، ومحاكمة، يا اخي يمكن عندي وصية لاهلي» وهنا قال راهي «اي.. اي..» فما كان من الحراس الا ان أخذوا يدفعوننا بكعوب رشاشاتهم طالبين مواصلة السير بالقوة دون جدوى، فقد تشبثت وراهي في مكاننا وانا اصيح فيهم ولا اتزحزح، «اين المحكمة؟» واذا بشاب يطلع علينا من القصر، مسرعا وهو يقول: «ها خير استاذ ليش تصيح» فقلت له: اي خير اخي الم تر بعينك انهم يدفعوننا الى الموت بدون محاكمة، انا ارفض التحرك من مكاني، انا اطالب بمحاكمة، ثم افعلوا بعد ذلك ما تشاءون. اين المحكمة؟ لا ادري لم كان اصراري على المحاكمة شديدا، وانا اعلم جيدا انها صورية، وشكلية، ولكن رغم يقيني بهذا كنت اصر عليها، وكأني اريد ان اسجل من خلالها شيئا للتاريخ وللاجيال من بعدي، ان ارادت ان تقرأ، وسرعان ما تقدم مني الشاب ومسك ذراعي، وخطا بي خطوة، مبتعدا عن الحراس، وهمس في اذني قائلا: «استاذ فلان ماكو اعدام ان شاء الله نحن نعرفك زين انت راح تنام الليلة في مكان آخر. وغدا تجري المحاكمة»، ثم اضاف: «احنه نعرفك، ونعرف مواقفك»، ثم قال لي اخيرا مشيرا بيده الى راهي «ابتعد عن هذا المجرم شلك كاربي» فقلت له: «ايه مؤامرة اخي اشترك بيهه آنه أو هذا المسكين، واشرت الى راهي، الم تقولوا انها مؤامرة اميركية - ايرانية - رجعية فما دخلي انا بها»؟ فأجاب «المحكمة ستكشف ذلك صباحا وان شاء الله ماكو شي» . حديقة الموت ثم تأبط ذراعي وسار معي، واشار للحراس ان يتبعوه فدفعوا راهي وساروا خلفنا واجتزنا حديقة الموت، ورأيت على ارضها بعض الجثث تنتشر هنا وهناك، وبرك من الدم فألقيت نظرة عليها وانا اقول، ما اظلم الانسان وما اقساه، وترحمت عليهم، ووصلنا الى باب حديدي مغلق، وبعد ان طرقه الشاب بيده عدة طرقات، فتحه حارس يحمل رشاشا، فدخل وانا معه ودخل بعدنا راهي وبقية الحراس، فكلم الحارس قائلا له: «اعط غرفة زينة للاستاذ»، ثم خرج مسرعا هو وبقية الحرس، فوجدت نفسي ومعي راهي وحارس هذا المبنى الجديد، فنظرت حولي استطلع المكان فوجدتني اقف في باحة صغيرة على ارض مبللة بالماء،وامامي مجموعة من «مبولات» تزيد على العشر، مثبتة على الحائط، وامامها من الجانب الآخر «المراحيض» وبعض المغاسل.

 بينما انا استطلع المكان الذي سأنام فيه، اذا بصوت الحارس الجديد يقول «اتفضل استاذ من هنا» واراد ان يقودني الى الزانزانة، ولكني تذكرت حكايات من بعض خريجي هذا المعتقل، وكيف كانوا يعانون، ويتضايقون من عدم السماح لهم بالخروج من الزنزانات لقضاء «حاجتهم البشرية» وكم كانوا يتلقون من الشتائم والسباب جراء هذا الطلب الانساني، فرجوت الحارس ان يسمح لي بقضاء الحاجة من باب الاحتياط، فقد لا يسمح لي بالخروج ان ضمتني الزنزانة واغلق بابها فاستجاب الحارس لرجائي، وغسلت وجهي، ثم قلت اني مستعد، فقادني في دهليز طويل ضيق تقوم على جانبيه ابواب حديدية متقابلة، انها الزنزانات، وقف الحارس امام احد الابواب الحديدية وفتح الباب بمفتاح اخرجه من جيبه واشار بيده «تفضل استاذ» فدخلت الزنزانة فوجدتها عارية تماما فقلت له «ماكو بطانية» فقال «انتظر»، ثم غاب وعاد بعد لحظة يحمل بطانيتين فرشتهما على الارض، وكانت معي بطانية راهي وقبل ان يغلق الباب سألني «تطلب شيء آخر استاذ؟» فقلت له شكرا. وكان يقف بجانبي راهي يحمل لفته فقلت له «هاك آخذ بطانيتك» فرفض قائلا: «تصبح على نور سيدنا»، فضحكت على كلمة «نور» هذه، فأي نور ينتظرني أو ينتظرك في الصباح، ثم اغلق الحارس الباب على زنزانتي، حيث لفني ظلال دامس وسار براهي ليدخله زنزانة اخرى، ورحت أتحسس زنزانتي لأعرف طولها وعرضها، وكان طولها لا يزيد على المترين ولا يزيد عرضها على المتر والنصف، جلست على البطانية وشعرت بأن التعب اخذ مني مأخذا كبيرا، وخلعت حذائي لأحرر قدمي وكان قد ضايقني طوال هذه الساعات ولففته بمعطفي وصنعت منه وسادة، ثم تمددت، فشعرت براحة، انه فراش وثير، واستعملت بطانية راهي غطاء واغمضت عيني طلبا للنوم، وعبثا حاولت فقد تعاصى عليّ ثم راح فكري المتيقظ يسرح مع الاحداث السريعة التي مرت بي منذ صباح هذا اليوم حتى هذه اللحظة التي انا فيها، تضمني زنزانة مظلمة، وينتظرني مصير مجهول وقفزت امامي صورة اهلي، حيث انهم وطيلة هذه المدة لم يمروا ببالي، ولكنهم الآن حضروا، ماذا يحل بهم ان هم عرفوا بأمري ومكان اعتقالي وما يسمعون من اعدامات، وكم تمنيت ان يكون الاخ غالب العلوش قد دارى الامر بلباقته المعهودة حتى لا يصل الى علم والدتي العجوز المريضة نبأ اعتقالي، فهي لا تقوى على احتمال هذه الصدمة واعترتني رعشة خوفا على حياتها، وتمثلت صورتها امامي شاكية باكية، فهي أم رؤوف حانية، انفقت كل وقتها من اجل أولادها شأنها في ذلك شأن الامهات الطيبات، وحضرت ايضا صور اخوتي، واخواتي وزوجتي، واطفالي واكبرهم لا يتجاوز عمره الثماني سنوات واصغرهم عمره سنتان، وان علموا باعتقالي، فما هي حالهم، واي مصيبة هم فيها الآن؟! رباه كم طفل يتم الليلة، وكم عائلة نكبت بعائلها، وكم أم ثُكلت بابنها، وكم زوجة ترملت.. رباه لم كل هذا الظلم؟ أمن أجل ان يحكم الإنسان، يطغى ويتجبر، ويجزر الضحايا، ويهرق الدماء، من أجل إشباع شهوة الحكم؟! ..وسعدية صالح جبر لا أدري كم مضى من الوقت وأنا على هذه الحال وقد وضعت رأسي بين ركبتي، وإذا بصرير الباب الحديدي الكبير (باب المبنى) يبدد السكون عند فتحه، وسمعت صوت ارتطام جسم يقع على الأرض بشدة، ويعقبه وقع أقدام كثيرة تمشي في الدهليز وتقترب، أصخت السمع جيداً، وإذ بصوت يسأل «منو أنت؟» فجأة صوت أجش «أنا المحامي عبدالمحسن عبدالكريم» وعاد الصوت الأول يسأل «أنت مو محسن الدوري المحامي؟» فأجابه الصوت الأجش «نعم» فقلت لنفسي هذا الأستاذ عبدالمحسن الدوري قد حل ضيفا علينا في مثل هذه الساعة المتأخرة وبتهمة التآمر أيضا، وسمعت صوت باب زنزانة يفتح ثم يغلق، وهكذا أدخل الأستاذ الدوري فيها ينتظر هو الآخر مصيره المجهول، ثم ران الصمت من جديد ورحت أفكر في زائر الفجر هذا (الدوري) متسائلا: هل له ضلع هو الآخر في هذه المؤامرة التي تجمع النقائض، والأضداد، وخليطا غير متجانس من البشر، ثم حل السكون ثانية، ومر وقت لا أعرف مقداره، وإذا بصرير الباب الحديدي الكبير يفتح من جديد واسمع صوتا نسائيا يأتي من بعيد «عيني آني سعدية» فيصرخ رجل «أنت سعدية بنت صالح جبر الخائن؟» ولم تجبه المرأة إذ علا بكاء طفل، يبدو أنها تحمله معها، ثم ادخلت الزنزانة ولكن ظل بكاء الطفل يبدد سكون الليل، ان بكاءه مؤلم، يقطع نياط القلب، ولا يمكن احتماله، إذ يبدو ان عمره لا يزيد على الشهر. رب ما ذنب هذا الطفل؟ كم يؤلمني بكاؤه وكأنه يحتج ببكائه على ما حل بأمه، وعلا صوت الأم تستنجد «عيني فدوة.. أريد شوية مي حار للطفل»، فيجيبها صوت من الدهليز «اسكتي نامي ماكو مي» والطفل مستمر في صراخه، وتعاود الأم الاستنجاد من جديد ويجيئونها بالجواب نفسه، ورحت أفكر بهذه المرأة متسائلا ما شأنها بالمؤامرة الاميركية - الايرانية - الرجعية فتزج مع طفلها بهذا المكان؟ واين زوجها؟ وعند من تركت اطفالها؟ واسئلة حائرة كثيرة تلح على من اطلق لفكره العنان وهرب من عينه النوم، إن الفكر يظل حرا، ولا يقوى اي طاغية ان يحبسه، او يغتاله، والفكر الحر هو الذي ساعد على تقويض دعائم الظلم والطغيان، فالتاريخ حافل بالعبر لمن يريد ان يعتبر، وذهبت محاولات الطغاة والجبابرة بالخسران، والانكسار، امام الفكر الحر.. انا لا اعرف عن المؤامرة شيئا وبطبعي اكره المؤامرات، والانقلابات التي تصل الى الحكم الانتهازيين، والمقامرين، والطغاة والقتلة والمجرمين الذين طالما لجأوا الى الطغيان والارهاب تحت مسمى «حماية الثورة» اية ثورة هذه التي تخاف من امرأة وطفلها فتبادر الى اعتقالهما؟ بئست هذه الثورة وبئس الثوار.. وظل الطفل يصرخ كأنه ملسوع لا يسكت مهما تحاول الام اسكاته. يستريح قليلا ثم يعاود البكاء والتشنج، امن جوع يبكي، ام مرض، ام احتجاج على وجوده وامه في هذا المكان؟ كثر القادمون فاختلط العد ويُفتح الباب الحديدي من جديد، واقدام تدب في الدهليز وابواب الزنزانات تفتح وتغلق، ويغيب وراء ابوابها زوار جدد، واختلط عليّ العدُّ والحساب، فقد كثر القادمون، اذ استمرت عملية ادخال الزوار الى الزنزانة فترة من الزمن تقارب الساعة، عاد السكون من جديد إلا من صوت الطفل، وقد بدا عليه التعب، فصار صراخه أقرب الى التنهد أو النشيج، وسمعت صوت رجل يأتي من احدى الزنزانات يستنجد، «يا جماعة امروتكم أريد أطلع للمراحيض» فلم يجبه احد، ثم يعاود الاستنجاد دون رد، ولكنه يستمر في رجائه، واخيرا جاءه الرد يقول «ماكو طلعه إنجب نام» فسكت الصوت المستنجد، وخايلني اني اعرف صوت هذا المستنجد، وحاولت ان اتذكر صاحبه فلم افلح، وعاود الصوت يطلب الخروج من جديد، ويتلقى الجواب نفسه زاد لدي التأكد اني اعرف هذا الصوت، واخيرا صاح بأعلى صوته «يا جماعة انسيتو مواقفي إليكم عندما كنت في المجلس العرفي، يا جماعة آني شاكر مدحت السعود؟» وندت عن شفتي صرخة مكتومة، اذاً هذا هو العميد شاكر مدحت السعود، يستنجد اخيرا حتى يخرج لقضاء حاجته، فجاءه الجواب سريعا «خريّ على روحك ماكو طلعة يعني ماكو طلعة». يا للانسانية، ما اضيعها في هذا المكان الذي حلت فيه روح الشيطان الرجيم، فهي التي تحكم وتتحكم، وسكت العميد شاكر ولم يعد يطلب المساعدة، فما عساه يفعل امام هذا الجواب البليغ. ورحت افكر بأمره ايضاً متسائلاً عن اتهامه بالمؤامرة يا له من مسكين يتألم الآن دون شك فنداء الطبيعة غلاب لا يمكن مقاومته فرثيت لحاله. وران صمت، وخيم السكون على المكان، ولم يسمع للطفل بكاء، ولا للاخ العميد شاكر استنجاد ولا اعرف كيف تصرف مع «حاجته»!، وجافاني النوم فأنى للنوم ان يداعب عيون من يعرف يقيناً ان مصيره سيتقرر عما قريب، واي نوم يدخل الى زنزانة عارية من الفراش، رطبة، قارصة البرد، واي نوم يداعب جفون بطون خاوية؟ ارحت ظهري على ارض الزنزانة، وتوسدت الحذاء والبالطو ورحت احدق في الظلام الدامس، استعرض شريط حياتي، واسفت على المآل الذي صرت فيه، ثم اغمضت عيني، ورحت في اغفاءة بفعل السكون المطبق، والتعب، والارهاق، ولكنني انتبهت على وقع اقدام تقطع الدهليز ذهاباً واياباً خطوات (بسطال ثقيل)، تضرب الارض بقوة بوقع رتيب. ورحت اعد الخطوات، تقترب مني وتبتعد لمعرفة طول الدهليز، ولا ادري لم كان اهتمامي لمعرفة طوله وتوصلت الى ان طوله يزيد عن الخمسين متراً، وغفوت. تنبهت مذعوراً على صوت التلفون يرن بشدة، وللمرة الاولى اسمع رنين جرس التلفون منذ ان جيء بي الى هنا، ظل رنين التلفون مستمراً، ثم رفعت السماعة، وسمعت صوتاً يقول: «هلو.. نعم سيدي.. نعم سيدي»، ثم اقفلت السماعة، وبعد لحظة اذا بصوت عال يسمعه الجميع، كل من في الدهليز ونزلاء الزنزانات يعلن عن اسم شخص «فلان ابن فلان»، ونسمع اقداماً تتجه الى زنزانة الشخص المطلوب، ويستخرج منها ، ثم يعلن المنادي وبصوت عال ايضاً ومسموع عن اسم آخر «فلان ابن فلان» وتتجه نحو زنزانته اقدام لاستخراجه هو الآخر، هكذا وعلى هذا المنوال نودي على سبعة او ثمانية اشخاص، ممن يحتلون الزنزانات، وحصل ضجيج جراء فتح وقفل ابواب الزنزانات واقدام كثيرة تروح وتجيء سواء من الحراس او الاشخاص المطلوبين، وقد مر بعضهم من امام زنزانتي، فقد سمعت واحداً يقول «على كيفك اخوي عوّرت ايدي»، ويبدو ان الحارس قد شد بقوة على ذراع الشخص المساق.. ثم ابتعدت الضجة، وسمعت صرير الباب الحديدي الكبير يفتح ثم يغلق، وكأن الجميع قد خرج، ولم اعد اسمع شيئاً، نهضت واقفاً، وألصقت خدي على باب الزنزانة الحديدي، علّني اسمع شيئاً، فقد ران الصمت من جديد وبدأت الافكار تشتغل الى اين ذهبوا بهؤلاء؟ هل افرج عنهم؟ هل طلع النهار؟ الظلام هنا حالك لا يسمح حتى برؤية عقارب الساعة، واسئلة اخرى اخذت تلح. هل حوكموا؟ وبينما انا في هذه الافكار اذا بدوي الرصاص يمزق السكون ويرج المكان رجاً، زخات وراء زخات استمرت دقائق عدة، ثم اخذ يضعف ويتقطع الى ان سكت تماماً، وحل سكون مخيف، واذا بصوت ينبعث من الدهليز يصيح بأعلى صوت «هذه وجبة من الخونة قد ذهبت الى مزبلة التاريخ»، ثم اعقبها بقهقهة عالية، وانشغل فكري مع هذه الوجبة، منذ قليل كانوا جيراناً لي ويحتلون الزنزانات المجاورة، ها هم الآن جثث تفترش ارض الحديقة، لم اعرف احداً منهم، ورحت اتساءل: هل حوكموا. ومتى جرت محاكمتهم وكيف؟ لقد نقلوا من الزنزانة الى ساحة الاعدام رأساً، لا شك ان الحكم قد صدر عليهم مسبقاً حتى قبل اعتقالهم، وانما جيء بهم الى هنا للتنفيذ فقط، وما يعلن في الاعلام الحكومي هو كذب في كذب، فليس للمحكمة اي وجود، ورن جرس التلفون من جديد واخذ قلبي يضرب بعنف ـ ان رنينه نذير شؤم، انه واسطة الموت، هو الذي يحمل اوامر الاعدامات، ان مصيرنا معلق في سماعة هذا التلفون، هل انا سأسمع اسمي مع وجبة جديدة ترسل الى الموت. رُفعت السماعة وطاحت قلوبنا ـ نحن نزلاء الزنزانات ـ فالكل يتوقع ان يسمع اسمه، واجاب الصوت نفسه «نعم سيدي.. نعم سيدي» ثم يغلق السماعة، وتصيخ الاسماع. انها لحظات قاتلة لا تحتمل، انها النطق بالاعدام، ونطق المنادي بصوته الجهوري الاسم الاول وفتحت زنزانته واحضر صاحبها.. كنت اعد الاسماء اسما وراء اسم، وكنت اتوقع سماع اسمي، فإن اخطأه المنادي، او تخطاه، قلت في نفسي ان اسمي، سيجيء وراء هذا الاسم دون شك، ونادى على سبعة اسماء او ثمانية، كانت اسماع كل منا متعلقة بالحرف الاول من الاسم، فمنه يعرف المعني والمطلوب تنفيذ الحكم فيه.. انها عملية مرهقة، تختلط فيها الحروف والاسماء وتضطرب المشاعر، فالكل يتوقع ان يسمع اسمه، فإن تعداه المنادي الآن فسيعلنه بعد حين. اقتيدت هذه الوجبة من زنزاناتها، كما اقتيدت الوجبة السابقة وخرجت من البوابة الكبيرة... وظلت اسماعنا مشدودة الى سماع دوي الرصاص، كما هو متوقع فقد عرفت الحكاية او اللعبة: تلفون يدلي بأسماء من يراد اعدامهم ممن يحتلون هذه الزنزانات، ويقوم الحراس بعملية ايصالهم الى ساحة الاعدام حيث التنفيذ.. ولكن كم يا ترى عددنا ـ نحن نزلاء هذه الزنزانات؟ لم يطل انتظارنا، فقد لعلع الرصاص مزمجرا من الرشاشات، وحصد اجسام هذه الوجبة الاخرى.. ثم ران السكون الذي قطعه صوت من الدهليز «هذه وجبة اخرى من الخونة تذهب الى مزبلة التاريخ» اعقبتها قهقهة عالية.. ولا ادري كيف تعلق فكري بعبارة «مزبلة التاريخ» فقد تكررت كثيرا وتساءلت عما اذا كان للتاريخ مزبلة، فإذا كانت له مزبلة فله جنان وقصور.. ايضا حسب المنطق نفسه، وتساءلت عمن يذهب اليها، وبتمتع بمباهجها، ومن الذي يوزع الناس بين المزبلة والجنة، وهل نحن البشر نملك هذا الحق؟ يا لها من سخرية.. هذه وجبة اخرى حصدت ارواحها وستعقبها وجبات، فالزنزانات ما زالت تضم الكثير من المتاعيس. وتعلقت الاسماع بجرس التلفون انتظارا لرنينه. عرف الاسلوب، ينادى على الاسماء، تساق من الزنزانات الى مكان الاعدامات ويتم اعدامها رميا بالرصاص.. هكذا بكل بساطة.. ولا يستغرق من الوقت اكثر من نصف ساعة بين سماع الصوت من خلال التلفون وبين عملية التنفيذ، فكل شيء مهيأ ومرتب ومعد سلفا، ولا داعي لتضييع الوقت في محكمة ومحاكمة. مجرمون لا يرتوون ان نصف ساعة ليست بالوقت الطويل على المحكوم عليه بالموت، إنه لا يتعذب كثيراً فهو يستطيع ان يتحمل نصف الساعة هذه، وبعدها تجيء الراحة الأبدية، ويكون الخلاص! ورن جرس التلفون، وتعلقت الاسماع بالحرف الاول والاسم الاول، ان الاسماء تتكون من حروف وقد تتشابه فإذا ما نطق المنادي اسم «محمد» مات قلب كل من كان اسمه الاول محمد، والى ان يكمل المنادي بقية الاسم ترد أرواح وتزهق قبل الموت ارواح، فما أقساه من عذاب ! وما أطوله من دهر! وما أذلها من حياة! وعلى النسق والأسلوب نفسهما، نطق المنادي وبأعلى صوت اسماً وراء اسم، وأخرجت كوكبة من زنزاناتها، واقتيدت الى الخارج، واغلق الباب الكبير وانتظرنا دوي الرصاص، ولم يطل انتظارنا، فانهمر لدقائق، وما أن سكت حتى صاح من الدهليز صوت: «هذه وجبة جديدة من الخونة تذهب الى مزبلة التاريخ» ثم يعقبها بقهقهة عالية، ثم يقوم صاحب الصوت يتمشى في الدهليز، يضرب بقدمه الأرض بقوة، يذكرنا بالمصير المنتظر.. ويرن جرس التلفون واسمع اسم محسن الدوري فتأسفت لحاله ومصيره، ويخرج الدوري من زنزانته، ويسرح خيالي مع الوجبة الجديدة، ومع أنه الوحيد الذي أعرفه من بين الاسماء التي اعلنت، وهو زميل مهنة، وان كان لكل منا اجتهاد وطريق، وهو الآن يواجه الموت وعما قريب يلقى وجه ربه، وحزنت من أجله، وترحمت عليه ورثيت لعائلته. واقتيد مع الآخرين واغلقت البوابة الكبيرة ولم يطل الانتظار، فقد لعلع الرصاص وانتهى كل شيء، وصاح الصوت: «هذه وجبة اخرى من الخونة ذهبت الى مزبلة التاريخ» ويعقبها بقهقهة تحرق الاعصاب وتثير الغضب. وعدت انتظر رنين جرس التلفون المعتاد، وطال انتظاري هذه المرة، انتظار فيه قلق، يشوبه رجاء، هل اكتفوا؟ هل ارتوت نفوسهم.. أم أنها مازالت تطلب المزيد، والى اي حد. طال الانتظار حتى حسبته دهرا، ولكنه انتظار انعش الآمال، فلربما قد اكتفوا بما جزروا، وليست ادري فقد اكون أنا الحي الوحيد ممن بقي في هذا الدهليز، وهنا تذكرت راهي فلم يرد اسمه في الوجبات السابقة وهو الآن قابع في زنزانته ينتظر مع المنتظرين. وسمعت ضوضاء، واقداماً كثيرة تدب في الدهليز وتقف عند باب زنزانتي فتساءلت هل تبدل الاسلوب وأين التلفون؟ وهل سيأخذون الباقين وجبة واحدة؟ كنت في هذا ومثله، إذ بيد تمتد من فتحة صغيرة في اعلى باب الزنزانة وصوت يصيح من وراء الباب «أخذ»، ورأيت شيئا اسود، بحجم الكف ممدودا من الفتحة لم استطع ان اتميزه، فتلكأت عن مد يدي، وكنت جالساً على الارض، ولما طال تباطئي، صاح بي مرة اخرى بصوت اعلى وبلهجة آمرة «أكلك أخذ زقنبوتك ما تسمع انت أطرم؟». «الزقنبوت» الاسود وهنا مددت يدي الى الشيء الاسود واخذته منه، ثم سحبت يدي من الفتحة، تحسست هذا الشيء فإذا به صمونة يابسة كالحجارة، إذا هذا هو الزقنبوت ولكن اي زقنبوت، هل هو زقنبوت الفطور، أم الغداء، لا ادري فقد ضاع الزمن هنا وحتى الساعة لا تعطيك جوابا عن الوقت لأن الرؤية معدومة، وليس معي كبريت أو ولاعة، وحتى لو كانتا معي فستصادر ان فقد فتشوا جيوبي وأخذوا كل محتوياتها. عند وصولي الى قصر النهاية بالامس. وزع الزقنبوت على جميع الزنزانات، فقد كنت اسمع العبارة نفسها امام كل زنزانة «اخذ زقنبوتك» ثم هدأت الحركة بعد ان تم توزيع الصمون اليابس، وسمعت صوتا من الدهليز ينادي (هاي آخر وجبة إلكم بالدنيا أكلوها هنيئا مريئا) واعقبها بقهقهة. انه الصوت نفسه الكريه الذي لا زمنا بعبارته عن التاريخ ومزبلته، لا ادري هل اكل المتاعيس زقنبوتهم ام لا؟ أم أنا فقد وضعت الصمونة جانباً وجلست على الارض اضحك مع نفسي على هذه المهزلة التي تدور فصولها امامي، واقول ان هؤلاء الجلادين رحماء. كرماء، دون شك إذ انهم يطعمون ضحاياهم قبل اعدامهم تماما كما يفعل الجزار حينما يسقي الضحية ماء قبل ذبحها، وها هم جلادونا يقدمون وجبة طعام اخيرة قبل تنفيذ حكم الاعدام، منتهى الرحمة، والشفقة، تناولت الصمونة اليابسة فوجدتها باردة كالثلج، شممتها فلم اجد لها رائحة، كنت جائعا فما دخل طعام إلى جوفي ، من صباح امس حتى الساعة، وضعت الصمونة في فمي وعالجتها بأسناني فاستعصت على الكسر، ولم استطع ان اقضم منها كسرة، فأعدتها الى مكانها يائسا، وهكذا حرمت من تناول الزقنبوت، وسيغفر الله لي وللجلادين لو لاقيت وجهه الكريم وانا جائع. وطالت فترة الغداء، وظل التلفون ساكتا فليس من العدل ان تستمر المحاكمات والاعدامات والناس لم تنته من طعامها بعد؟ تعبت من الجلوس على الارض الباردة، فأسندت ظهري الى الحائط ولم احتمل اكثر من دقائق فقد سرت الرطوبة الى كل اعضاء جسمي، وشعرت بقشعريرة وفضلت ان انام فتمددت على البطانية، وقد استحالت رجلاي الى قطعة من الجليد، فلم تقني بطانية راهي من البرد والرطوبة. شعرت بحاجة الى التبول، وفكرت ان استنجد بالحارس كما فعل الاخ العميد شاكر وعندما تذكرت جواب الحارس له طردت الفكرة، وآثرت ان اتصبر انتظارا للفرج.

  مر الوقت ثقيلا والصمت المهيب يخيم على الدهليز، ويبدو ان الجماعة ما زالوا مشغولين بطعامهم، وحتى الاقدام الثقيلة لم تعد تدب، فأنا لا اسمع غير صوت شهيقي وزفيري، ودقات قلبي الذي يضرب بإيقاع منتظم، فلم يختلج هذا القلب، او يضرب كما كان يفعل دائما، وعجبت من امر هذا القلب فبقدر ما كان مشاغبا، فوضويا، متقلبا، اذ به الآن منتظم مريح، بلا ضربة زائدة، ولا اضطراب مزعج، فحمدت الله. الحت علي المثانة الممتلئة، وعاودتني فكرة الاستنجاد ولكني طردتها، واخيرا توصلت الى الحل الامثل وهو ان اضيف الى ماء الزنزانة ماء مثانتي، وهذا ما فعلت، فما حيلتي، وما عساي ان اصنع، واسترحت بعدها، كأني ازحت جبلا عن كاهلي، وراح فكري الى الاخ شاكر الذي سكت عن الاستنجاد فقلت لا بد انه قد فعل مثلما فعلت وهذا هو المخرج الوحيد. وهنا رن جرس التلفون وانقطعت حبال الآمال، انه نذير الموت والدور آت ولكل اجل كتاب، وسمعت الصوت التقليدي يرد «نعم سيدي نعم سيدي» بانتظام وبنبرة عسكرية وتنتهي المكالمة وتشرئب الاعناق ويخيم سكون رهيب، وكأنه سكون الموت، فهذه اللحظة على قصرها، كأنها الدهر، واصخت السمع وجاء الصوت عاليا «فلان بن فلان الفلاني»، لم اكن انا المطلوب ولا واحدا اعرفه ثم اعقب بصوت آخر «فلان الفلاني» فتعجبت من ان المنادي قد ذكر الاسم واللقب فقط دون الاسم الثلاثي، فقلت، الا يحتمل ان تتشابه الاسماء، وتختلط ويروح انسان بريء ضحية آخر، وهذا ما حصل فعلا فقد تم اعدام بعض، بدل بعض لتشابه الاسماء، ولم يكتشف هذا الخطأ الا بعد فوات الاوان. ونادى المنادي على العدد المطلوب كما فعل في كل مرة واقتيدوا من زنزانتهم واخرجوا من البوابة الحديدية ورحت انتظر ومر الوقت ثقيلا، وانا اترقب صوت الرصاص، ولم يطل انتظاري فها هو الرصاص يلعلع ويزمجر دقائق ثم ينقطع. وانتظرت الصوت الكريه يقول «عبارته المأثورة» ولم يطل انتظاري ايضا فها هو يصيح: «وهذه وجبة اخرى من الخونة تذهب الى مزبلة التاريخ»، ثم يعقبها بقهقهة ويخطر ببسطاله في الدهليز شأنه مع كل وجبة يتم اعدامها، ولم يطل الانتظار ايضا فها هو جرس التلفون يرن من جديد، وداخلني شعور اكيد ان اسمي سيكون مع هذا الرنين لا محالة فقد تأخر دوري اكثر من اللازم، ولا بد ان يجيء، وها هو آت مع هذا الرنين، ورفعت السماعة وتكررت العبارة المألوفة «نعم سيدي» حتى انني قلتها قبل ان ينطق بها الصوت، ثم وضعت السماعة وبدأ الصوت ينادي الاسماء وذكر الاسم الاول، وذكر الاسم الثاني، فقلت انا الثالث، فقلت الرابع، ومر الخامس، حتى الاسم السابع، وانتهى النداء، غضبت لان اسمي لم يرد، اين اسمي؟ ولم كل هذا التأخير؟ ولماذا هذا العذاب؟ ألم يؤت بي الى هنا للاعدام؟ وهذه الوجبات تتلاحق وجبة وراء وجبة، فمتى دوري؟ ولماذا يؤخرونني، ايريدون سحق اعصابي، والتلذذ بتعذيبي، وما ادراهم اني خائف، او مضطرب، انا ميت منذ امس، وما حياتي الا فضلة وزيادة. نور في الزنزانة! وأخرجت الوجبة الجديدة وتم اعدامها كما حصل مع الوجبات السابقة، وتساءلت مع نفسي، ايريدون ان يجعلوا مني «مسك الختام» وطال سكوت التلفون اكثر من المعتاد وأذناي مصغيتان لالتقاط رنينه، ولكنه لم يفعل اكثر من المعتاد، اعدام وجبتين اثنتين بعد الطعام «الزقنبوت» فهل اكتفوا بهما؟ وانتعشت الآمال من جديد، ولكن كيف يكتفون ولما يزل في الزنزانات بقية من المنتظرين وانا واحد منهم، ألم يقل لي شاب الأمس الذي جاء بي الى الزنزانة ان محاكمتي غداً؟.. وبينما انا كذلك سمعت الباب الخارجي الكبير يفتح، ويدخل كثيرون اسمع لهم ضجيجا عاليا، واقدام مسرعة تدب في الدهليز وتفتح ابواب الزنزانات الواحدة بعد الاخرى، اسمع الاقدام الكثيرة تقترب مني، وتقف عند زنزانتي ويفتح بابها، ودخل بعض النور اليها، فتبينت شخصا يرتدي ملابس الجنود ماسكا باب الزنزانة المفتوح، وبجانبه ثلاثة اشخاص ينظرون الى دون ان يتكلموا، رحت أنقل نظري بين الجندي وبينهم انتظارا لقول، أو فعل، ومرت لحظة ثم سألني واحد من الثلاثة: «انت فلان الفلاني؟» فأجبته: «نعم» فقال «كوم البس اهدومك واستعد» ثم التفت الى الجندي وقال له «جيبه بعدما يلبس» لبست حذائي ومعطفي، وخطوت الى خارج الزنزانة حيث الدهليز الطويل، فتأبط الجندي ذراعي، وقادني، فقلت في نفسي انها النهاية لا ريب، ها أنا سائر إلى الموت كما سار قبلي من هذا الدهليز، وبدأت أحسب نصف الساعة المقدرة لي إلى حيث ساحة الإعدامات، لم يختلج لي عضو، أو يضطرب لي فؤاد، كنت ثابت الخطوة أسير مع الجندي دون تلكؤ، أو تباطؤ، فأنا أعرف أن المصير المحتوم واقع لا محالة، فالمقدر لا شك واقع، وصلت إلى أول الدهليز، حيث باحة صغيرة، وجدت فيها زملائي من نزلاء الزنزانات، وقد أمسك بذراع كل واحد منهم جندي، وقفت مع الواقفين انتظاراً لتجمع الباقين، وبين لحظة وأخرى ينضم إلى حلقتنا قادم جديد من أول الدهليز إلى الباحة (التي تنتشر على جانبيها المبولات والمراحيض)، وفي هذه الباحة المكشوفة السقف رأيت ضوء النهار، رفعت بصري نحو السماء فوجدتها صافية، انه نهار مشمس، ما أروعه يوما من أيام ديسمبر، والساعة كانت تشير الى ما بعد الرابعة بقليل، إذا نحن في العصر، أو قريبون منه، ورحت أتفرس في الوجوه (وجوه زملائي المعتقلين) فلفتت نظري أزياؤهم المختلفة، فهذا يرتدي البيجامة والحذاء، وهذا يلبس الدشداشة والنعال، وهذا يلبس السترة والبنطلون، ولكنه بدون ربطة عنق، وهذا يلبس الصاية وفوقها معطف وينتعل نعالا برجليه، وهذا يلبس الصاية والشماغ (بدون عقال) وهذا جندي بملابس الميدان من دون سدارة، انها أزياء مختلفة، وكنت أنا بكامل قيافتي بالبدلة الكاملة والرباط وفوقها المعطف. هكذا اقتادوهم ان هيئة ملابسهم هذه تدل على انهم قد اقتيدوا من منازلهم أو أماكن تواجدهم بالحالة نفسها التي كانوا عليها ولم تعط لهم فرصة ارتداء الملابس المناسبة واخذت أتفرس في الوجوه واتفحصها علني أعرف أصحابها. كانت الوجوه شاحبة مصفرة، وعيونها متورمة، ومحمرة من انعدام النوم، فلا شك ان الجميع بات سهرانا لم يذق طعم النوم. أجَلتُ نظري فيهم واحدا واحدا، كان عددنا سبعة عشر شخصا وكنا نقف على شكل دائرة. تفحصت الواقف على يميني فلم أعرفه، ثم الذي يليه فلم أعرفه، وكان الثالث العميد شاكر مدحت السعود وكان يلبس السترة والبنطلون دون ربطة عنق، ولم أعرف الآخر ثم عرفت الأخ حسن العكيلي (من الكاظمية) ولي به معرفة سابقة وكان يرتدي السترة والصاية والشماغ ولم يلبس العقال، وكان وجهه مشرباً بالحمرة، ثم استعرضت بقية الوجوه فرأيت الأخ عبدالحسين كمونة (من كربلاء) وكان يرتدي المعطف فوق البيجامة، ولم أرَ سعدية، ثم التفت الى يساري وإذا براهي يقف بجانبي، يا سبحان الله، هل الصدفة وحدها أوقفته بجانبي أم انه فعل هو ذلك، انه بجانبي منذ الأمس، لقد كان شاحباً، كانت الوجوه كلها شاحبة والنظرات زائغة قلقة لم يتكلم أحدنا مع الآخر، وقد تبادل الجميع النظرات، فكل يريد ان يعرف بقية زملائه، فالجميع تفحص الجميع بالنظر فقط من دون كلام، فالموقف لا يحتمل الخطأ، وقفنا هكذا فترة من الزمن ثم فتح الباب الكبير، ودخل شاب يرتدي بدلة مدنية واشار للحراس بيده ان «تعالوا جيبوهم» فصاح بنا احد الحراس «يا لله امشوا واحد ورا واحد» وسار امامنا حارس مسلح برشاش ومشى خلفه احدنا وهكذا انتظمنا واحداً وراء الآخر كطابور المدرسة، وكانت خطوتنا منتظمة، وكم هو جميل ان نمشي الى الموت بخطوة منتظمة، فالنظام مطلوب حتى في الموت، وما يدرينا ان ارواحنا ستصعد بعد قليل الى بارئها بترتيب ونظام حتى لا تشكو اليه سبحانه من سوء نظام اهل الارض، خصوصاً اولئك الذين يحكمون عراقنا الحبيب فإنهم والحق يقال، نظاميون حتى في الموت. سرنا في طابور، ومررنا بساحة الاعدامات، انها تبدو الآن واضحة جليلة في وضح النهار، ساحة الاعدامات هذه حديقة كبيرة تقع امام مدخل قصر النهاية يغطيها العشب، مستطيلة، يبلغ طولها نحو سبعين متراً وعرضها اربعين متراً، اخترق طابورنا الحديقة ورأيت كما رأى الجميع اجساماً متناثرة تفترش الارض، هي جثث الوجبة الاخيرة التي تم اعدامها منذ حين، حرصت ان اتمعن جيداً في هذه الجثث وكأني اخاطبها مباشرة، وقد كانت لأشخاص بأعمار مختلفة، وبملابس متباينة، يفترشون الحديقة بأوضاع مختلفة، فهذه جثة جندي يرتدي ملابس الجنود وبرجله بسطاله وينام على ظهره وقد اتجه بوجهه الى السماء، كان وجهه واضحاً وغير مغطى بعصابة، وبالقرب من هذا الجندي تضطجع جثة على وجهها، وكان صاحبها يلبس الدشداشة وحافي القدمين، وهذه جثة تبعد عن الجثتين قليلاً لشخص ينام على جنبه، متكوراً وقد ادخل رجليه في بطنه، وضم يديه اليهما، وادخل رأسه في صدره، وتلك جثة اخرى تبعد امتاراً بوضع آخر فكل ينام او يموت على الجنب الذي يريحه، وهذا امر لا دخل للجلادين فيه، فالجلاد يطلق الرصاص على الضحية، ثم يترك له حرية اختيار الوضع الذي سيلاقي ربه فيه. لم اكن وحدي الذي ينظر وبتمعن في الضحايا، فقد فعل ذلك كل الطابور، وكان الحارس الذي يسير في مقدمة الطابور قد تمهل بمشيته وابطأ ليعطينا وقتاً اطول لنملي عيوننا من هذا المنظر، ونستوعبه لغرض واضح، وكان راهي يمشي امامي مشدوهاً مأخوذاً بهذا المشهد المرعب، وكان يسحب رجليه سحباً، واعترف ان المنظر كان مرعباً تقشعر له الابدان وتخشع لهوله القلوب، فمن يا ترى يقوى على النظر الى جثث مخضبة، مبعثرة، ولا تعتريه رعشة او رجفة، شعرت وكأن جثث القتلى تقول لنا انكم الينا صائرون، فها انتم الى «الجزار» متجهون، وسيرسلونكم الينا بعد قليل، وشعرت ان الزمن قد توقف ونحن نمر بهذه الاضاحي. سبعون مترا .. ولا تنتهي! في «القصر» مجددا لم يكن المشوار طويلا، فالمسافة بين اول الحديقة من جهة الزنزانات حتى مدخل قصر النهاية لا تزيد على السبعين مترا ولكنها لا تريد ان تنتهي، ولا اعلم كم مضى من الوقت حتي وصلنا امام المدخل الرئيسي لقصر النهاية، وكان يجلس على سلالم المدخل مجموعة من الشباب المسلحين بالرشاشات والمسدسات، وداخلي شعور بان هؤلاء هم جلادونا والمكلفون بقتلنا، ها هم يستقبلوننا بنظرات قاسية وكأنهم يستعجلون ازهاق ارواحنا، صعد الحارس الذي يتقدم طابورنا وصعدنا خلفة، ودخلنا الى الصالون الكبير واوقفنا في منتصف الصالة على شكل دائرة يحيط بنا حراس مسلحون ووقف كل حارس الى جانب واحد منا ورحت اتفرس في وجوه الشباب، كانت نظرات بعضهم تفصح عما في نفوسهم من سرور وابتهاج، كأنها تقول اننا سنقتلكم لانكم خونة تستحقون القتل، ولفت نظري ان نظرات بعضهم فيها ألم، ومواساة، وكأنها تشفق على حالتنا، فالعيون تشي بما يختلج في النفوس ويضطرم، فليس كل هؤلاء الشباب موافقين على هذه المجزرة التي تجري امام عيونهم، هكذا قرأت في نظرات بعضهم، ولكنها ارادة الحزب واوامره ولا بد ان تطاع وتنفذ، والويل لمن يتقاعس او يتباطأ عن التنفيذ فمصيره معروف، وتتلفقه تهمة (مرتد، ومنحرف، ومخرب). وقد حصل فعلا كثير من هذا القبيل لحزبيين لقوا حتفهم بهذه التهم الشنيعة ثمنا لاستيقاظ الضمير. انه الجزراوي! وقفنا وسط الصالة ننتظر، ومرت لحظات وإذا بمجموعة عن عسكريين ومدنيين يخرجون علينا من غرفة جانبية ويتجهون نحونا، وسمعت الحارس الذي قادنا الى هذه القاعة يقول (هذا سيادة رئيس المحكمة لحد يتحرك) واتجهت انظارنا نحو رئيس المحكمة وكان يتقدم المجموعة، وإذ به ضابط برتبة رئيس اول، اسمر اللون، مربوع القامة ممتلئ الجسم، لونه يميل الى الصفرة، ويتدلى من وسطه مسدس، وكان حاسر الرأس، هذا إذاً رئيس المحكمة الخاصة الذي سيحاكمنا، هذا هو (طه الجزراوي)! وقف غير بعيد من دائرتنا ووقف بجانبه وخلفه مجموعة من الافندية والضباط، ولم اعرف احدا منهم سوى (محمد فاضل) الذي كان عضوا في محكمة الثورة التي حاكمت العميد عبدالهادي الراوي. وكنت وكيلا عنه، في دعوى اتهم فيها مع مجموعة من عسكريين ومدنيين بالتآمر لاطاحة بنظام البعث). اني اراه الان يقف بجانب طه الجزراوي ويحمل اوراقا كثيرة فقلت ماذا يعمل هنا، فهو ليس عضوا في هذه المحاكمة فالعضوان الآخران هما ناظم كزار، وعلي رضا، ثم استدركت ما أغباني! إني أبحث عن الصفة الرسمية، والقانونية، لهذا الشخص، ولمثله، وعن معنى وجوده هنا، فإن لم يكن هنا الساعة، فأين يكون إذاً! هذا هو مكان القتلة! اعترفوا أحسن! تفرست في وجوه الآخرين من مدنيين وعسكريين ولفت نظري أن محمد فاضل «أعدم مع ناظم كزار ومجموعة من البعثيين بتهمة التآمر سنة 1973» ينظر نحوي بطرف عينه، وكأنه لا يريدني ان اشعر بذلك، مرت لحظات والكل ينظر الى رئيس المحكمة ونطق أخيراً الجزراوي، فقال موجها كلامه إلينا «اسمعوا... انتو مشتركين بالمؤامرة القذرة اعترفوا أحسن إلكم.. امامكم ربع ساعة حتى تعترفوا.. ومصير اللي ما يعترف مثل هذوله اللي شفتوهم الآن معدومين بالساحة.. إسمعتوا؟» ثم سكت! هذا ما نطق به رئيس المحكمة التي ستحاكمنا بالعدل والقسطاس، ووجدتني أردد مع نفسي «أكلناها والله، رحنا بشربة ميه، والله يرحمنا» ثم التفت طه الجزراوي الى محمد فاضل وقال له: «وزع عليهم الورق» هنا صاح العميد شاكر مدحت السعود «يا جماعة، آني ما مشترك بالمؤامرة» فما أنهى جملته، حتى انقض عليه بعض الواقفين وأخذوا يضربونه على وجهه ضربات سريعة «سطرات ولكمات» والرجل يحجب بيديه دون جدوى، فرثيت لحاله. يُضرب لأنه تجرأ وقال شيئاً امام رئيس المحكمة، وكان عليه ان يتأدب في حضرته ولا يفتح فمه بكلام يدافع فيه عن نفسه، انه لم يقل أكثر من أنه لم يشترك في المؤامرة، فمن حقه ان يقول ما يشاء في موقف كهذا.. ضرب الرجل بشدة وسرعة، فتراجع إلى الخلف اتقاءً للضرب، ولملم نفسه، ووقف ساكتاً، وهنا انبرى حسن العكيلي وكان احد المتهمين، قائلاً: «يا جماعة آني أمي ما اعرف اكتب». فابتسمت في سري لكلمته، فقد هزتني من الأعماق لأنها كانت صادقة وبريئة ومفحمة، فرئيس المحكمة يريد اعترافا خطياً، والرجل لا يعرف القراءة والكتابة، فرئيس المحكمة يريد اعترافاً خطياً، والرجل لا يعرف القراءة والكتابة، وأعلنها جريئة وصريحة، اعجبتني، ولم يعتد عليه أحد كما اعتدى على العميد شاكر فما عساهم يفعلون امام هذه الحقيقة، هل يُضرب لأنه أُمي؟ فسكتوا امام جوابه المفحم، وشعرت أنه قد انتصر عليهم. أعطى محمد فاضل ورقة بيضاء لكل واحد منا، وبعد ان انتهى من توزيع الاوراق قال طه الجزراوي «أمامكم ربع ساعة للاعتراف.. وعدكم الأوراق يا لله اعترفوا أحسن الكم» ثم انسحب عائداً من حيث أتى هو وبعض ممن جاءوا معه، ودخلوا الى احدى الغرف الجانبية، واندفع نحونا الحراس يدفعوننا الى جدران الصالة بحيث يقف كل واحد ووجهه الى الحائط، ويبعد عن الآخر ثلاثة امتار تقريبا، ووقف بجانب كل واحد منا حارس يحمل رشاشا ومسدسا، يمنعنا من الالتفات يمنة او يسرة او الى الخلف. وان فعل احدنا ذلك، يعالجه بضربة من كعب رشاشته او كفخات على رأسه، وتذكرت جماعة الامس حينما جيء بي الى هذا المكان، فها نحن نقف في مكانهم، وما اشبه الليلة بالبارحة، وتذكرت الرجل الشاحب صاحب الزبون والسترة الذي اختفى. لا أعلم لماذا أنا هنا؟ مسكت الورقة بيدي ورحت اتساءل ماذا اكتب! وبم اعترف! وتذكرت المرحوم الرائد عبدالستار وحواره مع الجماعة، وكيف كان مصيره، فقد اعدم لأنه علق على امر بكلمة «سخيف»، فما هي يا ترى جريرتي التي اعدم من أجلها؟ توصلت الى يقين ان الجماعة قد جاءوا بي الى هنا من اجل اعدامي، والتخلص مني، وان زجي واتهامي بالمؤامرة المزعومة إنما هو تبرير ليس غير، تماما كما فعلوا مع الرائد عبدالستار، صحيح انني ضد حزب البعث، وسياسته، ولكن هل استحق على موقفي هذا الاعدام؟. وبدأوا يكتبون اعترافاتهم، وحانت مني التفاتة وإذا براهي يقف بجانبي، ولاحظت انه لا يكتب شيئا فقد مسك الورقة والقلم بيده وراح ينظر نحوي بطرف خفي، ويخاف أن يلتفت إلى الوراء (خوفا من الكفخات)، صاح به الحارس الذي يقف بجانبه «ما تكتب اشما لك»؟ فأجابه بصوت خفيض «أغاتي شكتب» فرد عليه «أكتب عن دورك بالمؤامرة» فأجابه «يا مؤامرة أغاتي» فأجابه هذا «عجايب علويش جايبيك لعد»؟ فأجابه المسكين «والله أغاتي ما أدري» وهنا ضاق به الحارس ذرعا فصاح به تكتب ما تكتب يطبك مرض. وبعد تفكير طويل وحيرة، اسندت الورقة الى الحائط وأنا استرجع، وأحوقل، واقول «ماذا تنفع الكتابة عند من لا يقرأ ولا يكتب»، يا لها من مهزلة وقررت ان امتنع عن الكتابة، ثم تراجعت، وقلت في نفسي لم لا اكتب وان كانوا لا يقرأون، ولكني اكتب لمن يريد ان يقرأ من بعدهم وكتبت: «انا فلان الفلاني جيء بي الى هذا المكان ولا اعلم سببا لهذا المجيء حتى الآن، فإن كان من اجل المؤامرة الامبريالية الرجعية الايرانية كما وصفت، وكما سمعت عند الاعلان عنها من الاذاعة، فأنا رجل معروف الاتجاه والانتماء العقائدي، انا رجل وحدوي اشتراكي، واربأ بنفسي وعقيدتي وشرفي، ان اتورط، واكون ضالعا بمثل هذه المؤامرة، والله على ما اقول شهيد..» ثم سلمت الورقة إلى الحارس الواقف بجانبي الذي كان يراقب كتابتي، فأخذها ونظر فيها قم قال بنبرة فيها تعجب وتهكم: «هذا هو اعترافك؟» فأجبته بإيماءة من رأسي دون كلام، فسكت وظل ماسكا الورقة يعيد قراءتها وينظر إليّ كأنه غير مصدق، وهنا رأيت شخصا مقبلا نحونا يحمل ورقة بيضاء مع قلم ويقف عند كل واحد منا فيسأله شيئا ثم يكتبه في الورقة إلى ان وصل إلى راهي فسأله «وين تسكن وشنو عنوانك ورقم بيتك بالضبط؟»، فتلعثم راهي ثم ذكر له عنوانه ورقم بيته، ثم جاء ووقف عندي، وسألني «أين تسكن وعنوانك ورقم بيتك أستاذ؟» فأجبته أني أسكن بحي الصليخ، ولكني لا اعرف رقم بيتي «لم أكذب عليه»، فالحقيقة أني لا أعرفه، انزعج من اجابتي، فما كان الا ان اجاب بعصبية «لوين نودي جثتك.. لعد نرميها بالدرب؟» لم أتمالك نفسي من الضحك قائلا له بسرعة وبسخرية «شنو الفرق.. يعني يهم الشاة أن تصلخ بعد ذبحها» فأجاب «عجايب.. زين.. زين» ثم سار في طريقه يكتب عناوين الباقين كيما ترسل جثثهم بعد إعدامهم وحتى لا ترمى في الطريق، وقد حصل فعلا ان جيء بجثة احد المعدومين ملفوفة بكيس نايلون ورميت امام دار اشتبه بعنوانها كما علمت بعد حين. أنهى هذا الشاب جولته علينا ثم دخل احدى الغرف. أدرت وجهي إلى الحائط ورحت أفكر بما قاله هذا الشاب الذي لم أعطه عنواني، وتساءلت عن مصير جثتي، هل ترمى في الدرب. فمططت شفتي وأنا أقول «الجايبه الله حياه الله». ونظرت في ساعتي لأعرف الوقت فإذا بزجاجتها منزوعة من مكانها، نظرت إلى الأرض فوجدت زجاجة الساعة بالقرب من قدمي، هممت ان ألتقطها، ولكن جاءني هاتف بأن لا أفعل، فما الفائدة من الزجاجة، فالساعة ستؤخذ مني بعد إعدامي حتما ولا بأس أن تؤخذ الساعة من دون زجاجة، وتركت الزجاجة في مكانها على الأرض، وتشاغلت عنها بموضوع آخر، ثم عدت الى التفكير بالزجاجة، ورحت في حيرة هل التقطها من الأرض أم أتركها في مكانها؟ وهممت ثم عدلت أيضا، وهكذا بقيت في صراع بين إقدام وإحجام، مترددا بين الالتقاط، أو الترك، الى ان حسمت الأمر وبحركة سريعة التقطت زجاجة الساعة ووضعتها في جيبي وحللت المشكلة.

  بينما نحن وقوف ننتظر المصير، وبعد ان راح الحراس يجمعون الأوراق من الواقفين (المتهمين) اذا بطابور طويل من عمال المطاعم، يدخلون الصالون الكبير يحملون «صواني» مرصوصا عليها اوان تحتوي على اصناف مختلفة من الاطعمة، يبلغ عددهم عشرة يسير الواحد وراء الآخر بنظام، توزعوا على الغرف الموجودة في الصالة ومر بعضهم من امامي، كان يحمل اطباق الدجاج.. والقوزي والسمك والرز وانواع المرق والسلطات وكل ما لذ وطاب. تذكرت السفاح قفزت الى ذهني قصة الخليفة العباسي الاول (السفاح) مع بقايا بني امية، حينما دعاهم الى وليمة، بعد ان اعطاهم الامان والاطمئنان وبعد ان استقر بهم المقام، انتظارا للطعام، امر السيافين ان يقطعوا رقابهم، ثم مد السماط على جثثهم، وجلس هو واصحابه يأكلون، والاجساد من تحتهم تترجرج، وتتماوج، تذكرت هذه الحادثة التي حدثنا عنها التاريخ وأخذ السفاح لقبه منها، ورحت اقارن بين الحالين فما هو الفرق؟ هناك سفاح جلس على اجساد ضحاياه يأكل طعامه، وهنا في هذا القصر يجلسون على اجساد ضحاياهم يأكلون طعامهم، ولكن الاجساد التي جزروها مجندلة في الحديقة ينظرون اليها ويأكلون، هذا ما جرى في العراق قديما وما يجري فيه اليوم. كان الراديو يذيع بأعلى صوته خطاب احمد حسن البكر في مظاهرة يبدو انها اتجهت الى القصر الجمهوري مستنكرة المؤامرة، كان البكر يهدد ويتوعد، والهتافات تدوي وتصرخ وتطالب بالدم والانتقام، وتذكرت عبدالكريم قاسم «وهوسة» اخواننا الشيوعيين المشهورة «اعدم - اعدم لتكول ما عندي وكت اعدم.. اعدم». فضحكت وقلت ايضا، ما اشبه الليلة بالبارحة فلماذا لا نقرأ التاريخ، وان قرأناه لا نتعظ منه، بدلا من ان نضحك عليه كما نضحك عليه الآن، نظرت الى يساري فرأيت ضابطا لم اره من قبل يرتدي ملابس الميدان، برتبة عقيد ركن، يقف وكأنه متهم ويبدو انه قد جيء به قبل قليل، فنظرت اليه جيدا فإذا به العقيد الركن كمال عبود وقد سبق لي ان تعرفت عليه مع العقيد محمد سعيد الراوي. تنبه لوجودي ونظر نحوي، ولكنه تجاهلني، فتجاهلته انا بدوري، فالموقف لا يحتمل التعارف او الكلام، واثار انتباهي انه انكب على ورقة كانت بيده راح يكتب فيها، وبعد لحظات جاءه ثلاثة اشخاص ووقفوا معه، فأخذ يقرأ عليهم بعض فقرات مما كتب بصوت خافت مشيرا الى ارقام وتواريخ كان قد كتبها في الورقة، وسمعته يقول بعد ان انهى القراءة انه سبق ان ارسل برقية الى الرئىس احمد حسن البكر، وكرر اسمه اكثر من مرة، ثم اشار بالقلم تحت رقم وتاريخ معين. كان يتكلم مع الثلاثة بكل اطمئنان وثقة، ثم أخذوا الورقة منه ودخلوا إلى غرفة طه الجزراوي، وبقي يسترق النظر نحوي متسائلا مع نفسه عن سر وجودي هنا في هذا المكان، وبعد دقائق عاد الأشخاص الثلاثة إلى كمال عبود وكانت أساريرهم منفرجة، فقد أمنوا على قوله، وعلى كل ما جاء في الورقة التي كتبها، وقالوا له بصوت سمعته «كل ما ذكرت صحيح»، فانفرجت أساريره فرحا ثم التفتوا اليه وقالوا له «تفضل روح» فوضع سدارته على رأسه، وانسحب من بيننا، وساروا معه إلى خارج القاعة ثم صافحهم قبل أن ينزل من السلالم، وتقله سيارة إلى عالم الأحياء، وعدت الى نفسي والى هؤلاء المتاعيس ننتظر التصرف بمصيرنا. أتعرف هذا؟ وبينما نحن وقوف إذ بشابين فتيين يقفان بجانبي، ولا يحملان سلاحا، قال احدهما يسأل صاحبه مشيرا بيده نحوي «أتعرف هذا؟» فأجابه صاحبه «نعم أعرفه هذا فلان الفلاني»، فقال له ثانية «هذا متآمر لأنه وزير..» فيجيبه صاحبه «هو وزير عدل.. مو؟» فيجيبه «لا وزير عمل..» انتهى حوارهما ثم مرا من جانبي يتضاحكان وانصرفا. طالت وقفتنا، وكلما مر الزمن، كبر الأمل مقرونا بالقلق.. لا شك ان المحكمة مشغولة بقراءة الأوراق، والاعترافات، تتفحصها، وتستعرض أصحابها.. ولكن لم هذا التطويل، ألم تكن العقوبة مقررة مسبقا لكل واحد منا؟، ورحت أتململ، كنت متعجلا ان أعرف مصيري حيا أو ميتا حتى أستريح، ولم يطل تململي فها هو شاب طويل نحيف مقبل نحوي من وسط القاعة، انه يقصدني.. رباه جاء رسول الموت، وقف الشاب بجانبي ثم سأل:

·  > أنت فلان الفلاني؟ ـ نعم.

·    > ماذا كنت تفعل أمس من الصباح حتى المساء؟ ـ صباحا كنت في المحاكم ثم خرجت منها ومررت ببعض الأصدقاء وعدت ظهرا الى داري، وخرجت منها عصرا مع ابني الصغير الى عيادة الدكتور.. ومعي زوجتي ثم عدت الى الدار، ومساء زرت صديقا في داره.

·   > ما اسم هذا الشخص الذي زرته مساء وأين يسكن؟ ـ انه الأستاذ غالب العلوش ويسكن في المنصور.

·   > ألم تر العميد عبدالهادي الراوي؟ ـ لم أره أمس.

 > أشكد صار لك ما شفته؟ كم من الزمن وأنت لم تره؟ ـ أكثر من ستة أشهر. > شنو علاقتك بعبدالهادي الراوي؟ - كنت محاميه في قضية.

·   > بس؟ (فقط؟). - نعم اعرفه لانه رجل معروف باتجاهه القومي وهو صديق.

·  > هل شفته امس.. ترا احنه كنا مراقبينك البارحة؟ - اني لم اره امس وكما قلت لك رأيته منذ ستة اشهر عندما افرج عنه وخرج من السجن.

 > لعد وين كنت امس بالليل.. ما رحت عنده بالمنصور؟ - لم اذهب اليه بدليل انني اخذت من دار صديقي غالب العلوش، وان سيارتي لم تزل واقفة بباب داره للآن. من براثن الموت كان يسجل كل كلمة اقولها في ورقة كان يحملها معه، ثم تركني وعاد من حيث اتى ودخل الى غرفة جانبية واعدت مع نفسي كل الاسئلة التي وجهها لي وانشغل بالي بالعميد عبدالهادي الراوي اذ اعتقدت انه موقوف وانه الآن في مكان ما في قصر النهاية، وان هذا التحقيق معي حوله يؤكد اعتقاله ورحت اردد «ربنا معك يا ابو زيد» ومرت دقائق واذا بالشاب الذي استجوبني يقبل من بعيد متجها نحوي ويحمل بيده اوراقا واشياء اخرى لم اتبينها، وعندما وصل قال لي: «هذه الاشياء مالتك؟» نظرت اليها فاذا بها هويتي، واوراقي التي اخذت مني بالامس، عند تفتيشي فقلت له «نعم مالتي» فقال تفضل خذها، فأخذتها منه ووضعتها في جيبي ثم اشار الى الحارس الواقف بجانبي وقال له هذا يطلع، خلي يركبوه سيارة توصله للشارع، ثم التفت لي قائلا تفضل استاذ روح وياه، ندت من شفتي كلمة الجلالة «الله لك الحمد يارب العالمين ورب المظلومين»، اخيرا وهبت لي الحياة بعد ان كانت معلقة بشفتي هذا الشاب او غيره، ولم اصدق انني اصبحت حرا وطليقا وسأخرج من قصر النهاية امشي على رجلي، كما دخلت.. انها العناية الالهية قد لطفت بي، وانتزعتني انتزاعا من براثن الموت قبل ان يبتلعني، هل صحيح ما سمعت، هل انا في حلم ام في يقظة؟ وتساءلت ومصير هؤلاء الواقفين؟ ترى هل علموا باطلاق سراحي وانني طليق؟ وحانت مني التفاتة الى راهي الواقف بجانبي مشدوها لم يفهم ما دار بيني وبين الشاب، او لم يسمع انه يعيش في حالة، وذهب الشاب وتقدم مني الحارس قائلا تفضل استاذ وسار امامي، وسرت وراءه اخطو نحو الحياة نحو الحرية، حرصت وانا في طريقي الى الخروج ان القي نظرة اخيرة على زملائي نزلاء الزنزانات الواقفين ووجوههم نحو الحائط انتظاراً للمصير، رآني راهي اسير نحو الباب فلم يتمالك نفسه وصاح «وآني.. وآني أغاتي» الله كم هو نداء مؤلم ماذا استطيع ان اصنع له أو لغيره وماذا كنت استطيع ان اصنع لنفسي، ما هي الا مشيئة الله، وارادة الله، والتفت نحوه واذا بوجهه اصفر شاحب، وقد رفع يديه مستنجداً بي فابتسمت له مشجعاً وانا اقول، الله يفك اسرك، ويخلصك مما أنت فيه فادعوه عله سبحانه ان يجعل لك ولهؤلاء مخرجا من حيث لا تحتسبون، وخرجت من باب القاعة، وبدأت انزل السلالم واذ بالشباب الذين على السلم يقفون ويقولون «ها أستاذ براءة؟ تهانينا» فأجبتهم «شكرا.. شكرا» ولم أزد، وكررت في سري كلمة براءة نعم براءة، ان اجلي لم يحن بعد، ولو اردتم قتلي لقتلتموني رغم براءتي.. كما قتلتم غيري من الابرياء، ووقفت امام حديقة الموت، وأجلتُ النظر فيها، وأمر الحارس احد الشبان المسلحين قائلا له «توصل الاستاذ للشارع وترجع» فركض هذا الى مرآب فيه العديد من السيارات وجاء بسيارة مرسيدس وفتح الحارس الباب الامامي وقال لي «تفضل» فصعدت بين مصدق ومكذب، ها انا في السيارة، ان السيارة تسير، وتلف حول حديقة الموت، القيت اخر نظرة عليها كانت خالية من الجثث فقد رُفعت وأرسلت الى مثواها الاخير انا الآن في طريقي الى الحرية الى عائلتي وأهلي، وتخرج السيارة من باب قصر النهاية، القصر المرعب، قصر الموت، وتصل السيارة الى شارع جسر الخر، وتختلط مع السيارات، وارى الحياة، ان الناس من حولي يختلفون عن اولئك الناس حكام قصر النهاية فهؤلاء الناس الذين يمشون في الشارع بشر، أما أولئك المتحكمون في قصر النهاية فليسوا من البشر وهؤلاء الناس في الشارع لا يعرفون ما يجري ويدور خلف اسوار ذلك القصر الذي يبعد امتاراً عنهم. ايها الناس .. تيقظوا عجبت لأمر هؤلاء الناس، ألم يسمعوا بأمر عشرات القتلى من الابرياء الذين اعدموا في بحر يوم او بعض يوم، ما يعنيهم اذاً؟ بم هم مشغولون؟ وراودتني رغبة بأن اصيح بأعلى صوتي «يا ايها الناس تيقظوا كفى نوماً، وسباتاً ايها الناس، افعلوا شيئاً ضد الظلم والطغيان. ايها الناس انا خارج الآن من قصر النهاية وتركت هناك اناساً ابرياء يواجهون الموت»، وشعرت بحاجتي الى البكاء، كيف ابكي، والناس من حولي، فماذا تقول عني: امجنون هذا يحدث نفسه ويبكي؟ لم اشعر الا وسيارة تقف غير بعيد ةعني، ويترجل منها رجل يقترب مني ويلوح بيده ويصيح «ها ابو غسان شو واكف هنا؟» انتبهت من شرودي فإذا به الاخ الصديق موسى صبار المحامي كان في طريقه الى النجف، لمحني واقفاً على الرصيف، اجبته «ماكو شي ابو عمران آني انتظر تكسي»، وكأن جوابي لم يقنعه، فمنظري، وشكلي يساعدان على ذلك، فالشعر منكوش كما طال شعر اللحية، فسأل ثانية «انت متأكد متريد شيء مساعدة؟»، فأجبته بابتسامة «شكراً ابو عمران تفضل روح هسه يجي تكسي واركب»، فسلم ثم ذهب في حال سبيله، ونزلت من الرصيف وبدأت امشي في الشارع انتظر سيارة تقلني الى البيت وتحملني الى الاهل الذين ينتظرون عودتي حياً او ميتاً، كان الوقت بعد الغروب بقليل ورحت افكر وانا في طريقي الى البيت ترى كيف ادخل على اهلي؟ هل افاجئهم بدخولي؟ ان المفاجأة قد تقضي على والدتي، فهي مريضة، هل اكلمهم تلفونياً من الشارع تمهيداً لدخولي عليهم حتى تذهب المفاجأة بردودها ومضاعفاتها؟! وأفقت على صوت السائق يسأل «اي شارع في الصليخ.. استاذ.. احنه بالصليخ» نظرت فإذا بي بالقرب من الدار، فأشرت عليه بالوقوف نزلت اتمشى، وجدت باب الحديقة مفتوحاً، دخلت دون ان يشعر بي احد واتجهت الى الباب الداخلي، فلمحتني ابنة اختي (ابتسام) فصاحت خالي.. خالي.. بأعلى صوتها بفرح واندهاش، واذا بالجميع يهرعون نحوي متسابقين، هذا يقبلني من وجهي، ومن رأسي، ومن صدري، وانا مذهول، وكأني مخدر، وانظر في وجوههم افتش عن امي، واذا بها مقبلة بمشيتها الثقيلة تحمل في يدها القرآن ورفعت يديها الى السماء، وراحت تدعو، ولم اتمالك نفسي، فارتميت على صدرها، واختلطت دموعنا، وعلا نحيبها، وبكى لبكائها الجميع، كان الله في عون الامهات الثكالى، واستقبلني ابن خالي ابو احسان، ولم يصدق عينيه فأخذ يقفز من الفرح، رغم ضخامة حجمه وثقل وزنه، فوقع على الصوبة (المدفأة) فانكسرت، وجرحت رجله، لقد انساه الفرح ألم الجرح، واخذ يلطم على رأسه دون شعور، وراح الجميع بين بكاء وضحك، وتهاويت على المقعد وبدأت اتفحص الوجوه، انها شاحبة لم تعرف النوم والراحة، والتف حولي اطفالي الاربعة اتحسس وجوههم وامسح على رؤوسهم كأنهم يتامى، كانوا قبل ساعة كذلك، وها هو ابوهم معهم وبينهم، وانهارت قواي من الضعف والتعب، فقد كنت متماسكاً وانا في قصر النهاية، اما هنا وانا بين اهلي ووسط عائلتي فقد تهاوت قواي مأخوذاً بالجو العاطفي، فقد اثر بي غاية الاثر، كنت شارداً مشغول البال عند اولئك الذين تركتهم في قصر النهاية، طلبت راديو لأسمع اخبارهم.. ماذا سيذيع عنهم، وكان يبث موسيقى عسكرية انتظاراً لما يرده من اخبار من قصر النهاية، وتوقف بث الموسيقى، فأصخت السمع، والكل معي حتى الاطفال هبط عليهم سكون عجيب كأنهم يستشعرون خطورة الامر، وطلع المذيع ليعلن عن وجبة جديدة تم اعدامها الآن، وراح يعدد الاسماء، ونطق باسم المرحوم راهي الحاج عبدالواحد سكر وسقط الراديو من يدي، وحزنت اشد الحزن، رحمه الله، ذهبت توسلاته واستعطافاته كلها ادراج الرياح، لا شك عندي ان اعدامه امر «مقرر» سلفاً، هذه ارادة الحزب، تخويفاً لكل القبائل والعشائر، وتذكيراً بالمصير نفسه، وكأني اسمع صوت حارس الزنزانات يعلن بصوته الكريه «وهذه وجبة اخرى من الخونة الى مزبلة التاريخ» ويعقبها بقهقهة عالية، فارتجفت، واقشعر بدني، فرحت واقفاً كالملسوع، وصاحت اختي ام احسان «ها اشبيك ابو سها؟» نظرت اليها دون جواب، بماذا اجيبها؟ اربع وعشرون ساعة نحر فيها سبع وخمسون ذبيحة، لم اشك ان كل من جيء به الى قصر النهاية كان أمر اعدامه معدا سلفا، وان لم يعدم بعضهم، فإن ظروفا جدت، واعتبارات حالت، دون تنفيذ الاعدام، وانا واحد ممن خدمته الظروف والاعتبارات فأطلق سراحي، وان حديث الشاب الذي اشار الى راهي في تلك الليلة (ونحن متجهون الى الزنزانات) دليل اكيد على ان اعدام راهي كان مقررا سلفا.. حينما وصفه بالمجرم الاقطاعي.. اقول ان الاعدامات كانت مقررة وما يؤكد ذلك سرعة تنفيذ عمليات الاعدام، حيث كان الفاصل الزمني بين اعدام الوجبة، والاخرى قصيرا، وكأن السلطة في صراع مع الزمن.. قبل ان يفيق العالم على حقيقة ما يجري في العراق، وعلمت ان قيادة حزب البعث كانت مقيمة في قصر النهاية، وحينما تريد ان تتسلى، وتكسر الملل تحضر احد المتهمين، ويوجهون اليه الاهانات، ويتسلون بتعذيبه بأيديهم، ثم يبلغونه انهم سيعدمونه، وهذا ما يتحقق بعد حين، فقد فعلوا مع المرحوم جابر حسن حداد نفس الشيء، اذ احضروه امامهم، وبدأوا يعذبونه بالخناجر، والسكاكين، ويتلذذون بطعنه في اماكن مختلفة من جسمه ويتنافسون على قطع اذنه، او بقر بطنه، وكان الرجل صابرا ويشتمهم، ويقول لهم (إني شهيد، ويشرفني ان شهادتي على ايديكم) الى ان لفظ انفاسه الاخيرة، رحمه الله بين ايدي الزبانية، وقد علمت ان الحزب الشيوعي العراقي، كان قد لام حزب البعث على سرعة تنفيذ الاعدامات، فقد كان يرى (الحزب الشيوعي) ان تتم المحاكمات في الشوارع، والساحات العامة وبمدة زمنية اطول وان ينال المجرمون جزاءهم، بتعليقهم في الساحات العامة. ويظل سؤال وهو: لماذا لم اعدم انا مع المعدومين؟ وهذا سؤال حرت في الاهتداء الى الجواب الشافي له، كنت اظن قبلا ان الحزب كان يرى ان الوقت لم يحن بعد لقتلي، انتظارا لظرف اكثر ملاءمة، وان اخذي الى قصر النهاية كي اشاهد بعيني الاعدامات هناك، لارهابنا وتخويفنا نحن القوميين. ولكني علمت بشكل قاطع بعد حين، ان حزب البعث كان ينوي التخلص من جملة القوميين الوحدويين في تلك الليلة بحجة ان هؤلاء القوميين قد تحركوا للتآمر على الحزب والدولة مستغلين انشغال السلطة بمطاردة رؤوس المؤامرة الرجعية ولكن هذه السلطة لم تنجح الا في اعتقالي فقط، في حين توارى الاخرون من القوميين، واختفوا، مدنيين وعسكريين، فأسقط في ايدي السلطة، ولم تعد تستطيع تنفيذ مخطط تصفية القوميين، فلو انها نجحت في اعتقال عدد كاف منهم لبادرت الى اعدامهم دون ابطاء، بتهمة محاولة انقلابية هذا ما كانت قد خططت له قيادة حزب البعث ولكن الاقدار شاءت غير ذلك «وتقدرون فتضحك الاقدار» اذ لم يقع بالمصيدة غيري، واعدامي لوحدي مع زمرة المؤامرة الرجعية غير مبرر، وغير نافع من وجهة نظرهم، فأطلق سراحي انتظارا لتدبير «مؤامرة» قومية مزعومة تنوشني وامثالي، وهذا ما حصل فعلا، اذ حصدت «المؤامرة المزيفة» قيادات قومية وبعثية تخلصوا منها كما هو معروف، وهكذا وجدتني احيا من جديد، حياة احلى ما فيها مر. وما زالت وقائع، واحداث، وشخوص، قصر النهاية، عالقة بذهني حتى الان.