أشخاص كما عرفتهم : عدنان الراوي
أحمد
الحبوبي
كان لاسمه رنين وذبذبات عالية فى أسماعنا ... نحن الشباب القومى ، فقد كان شاعراً ثورياً لم يخل محفل من قصيدة له .. رأيته وسمعته يعد وثبة سنة 1948 وسقوط معاهدة بورتسموت فى المحافل والسرادقات التى أقيمت على أرواح شهداء الوثبة فى بغداد ، وقد حضرت إليها مع وفد حزب الاستقلال فرع النجف ن فرأيت عدنان الراوى بجسمه الصغير يرتقى المنابر بقدم ثابتة ويلقى شعراً حماسياً وثورياً ضد الحكومة وأجهزتها القمعية غير هياب ولا رجل ، ويأخذنى العجب إن كيف يخرج منها الجسم النحيل صوت جهورى يصك الأسماع كله حماس وحيوية وطاقة ... ولم تتح لىالفرصة أن ألتقى به أو أتحدث معه .. وعندما انتقلت إلى بغداد طالباً فى كلية الحقوق سنة 1951 التقيت به فى مقر حزب الاستقلال وتكررت اللقاءات فى مناسبات عديدة ولإى أماكن مختلفة كنت أرتادها كالمكتبات القومية أو مكاتب بعض الأخوة أو بيوتهم من الجيل الذى سبقنا عمراً وتجربة وتخرجاً من أمثال المحامين زكى جميل حافظ عبد الستار صالح شكر ، عدنان فرهاد ، عدنان الراوى ، وآخرين لم تحضرنى أسماؤهم كانت لهم هيبة ونكن لهم الاحترام فى صفوف حزب الاستقلال فبعضهم شاعر كعدنان الراوى ، وعدنان فرهاد ، وبعضهم يكتب المقالات السياسية ... ثم علمت أن عدنان الراوى قد استقال من حزب الاستقلال فحزنت لذلك – كما أستقال آخرون لسبب أو لآخر وإن كنت موقناً أن السبب الذى حدا بعدنان الراوى إلى الاستقالة من الحزب هو سبب وجيه ارتآه فدفعه إلى مفارقة الحزب فقد اصطدم بعقليات كانت تحول دون أن يأخذ الحزب حظه من الحيوية والانطلاق والتجديد فى حين أن عدنان كان يدعو إلى المواجهة المستمرة وبأسلوب ثورى لا هوادة أومهادنة فيه ولا يعرف المناورة أو المداورة ، أو يؤمن بسياسة عدم التصعيد أو المواجهة مع الحكومة وأجهزتها ، وأصدر جريدة (العمل) باتجاهها القومى وراح يناضل وقد ضيقت عليه الحكومة مجالات العمل حتى فى رزقه فلم يكن عمله فى الصحافة سهلاً أو ميسراً كما لاقى عمله فى المحاماة تعثراً لعدم التزامه الكامل والمنتظم بمتطلبات (المهنة) التى تلزم المحامى بضرورة التواجد فى المكتب ومتابعة القضايا والصبر على (طلبات) الموكلين وإلحاحهم ... فقد كان برماً بكل هذا لذا كان عمله فى المحاماة متعثراً وغير مستقر ...
وكانت وزارة نورى السعيد التى تشكلت سنة 1954 قد أصدرت عدة مراسيم لتقييد الحياة السياسية والتضييق على الحريات منها مرسوم رقم 17 لسنة 1954 يقضى بإسقاط الجنسية العراقية عن كل محكوم وفق مرسوم تعديل ذيل قانون العقوبات رقم 51 سنة1938 وبموجب هذين المرسومين أسقطت وزارة نورى السعيد ، وكان وزير ادخليتها (سعيد قزاز) الجنسية العراقية عن كل من عزيز شريف ، والدكتور صفاء الحافظ ، وكاظم السماوى ، وكامل قزانجى ، وتوفيق منير ، وعدنان الراوى.
وكان عدنان الراتوى قد غادر العراق قبل صدور هذه المراسيم وظل خارج العراق بعد إسقاط الجنسية العراقية عنه ولكنه عاد إلى العراق بعد ثورة 14 تموز سنة 1958.
وكان اللقاء المباشر والمتصل والطويل مع عدنان الراوى بعد ثورة 14 تموز سنة 1958 وبالتحديد بعد أن تعرض مكتبى إلى هجوم مدبر استهدفني والشباب القومى فى النجف فى 12/9/1958 لتشتيت (موكب) سياسى كان يرفع شعارات قومية مناهضة لما كان مطروحاً فى الساحة العراقية.
يومئذ ([1]) ....... هذا الهجوم الذى أسفر عن سقوط جرحى – وقد وجهت ضدى دعوى تحريضية واتهم معى خمسون شاباً بموجب قانون الأحكام العرفية وتم اعتقال هؤلاء الشباب فى حين استطعت الإفلات من الشرطة وجئت إلى بغداد هارباً بجلدى وطلعت الأستاذ شنشل على الصورة وبعدها أخبرنى الأخ المرحوم صبرى القنبر المحامى أن المحامين القوميين مجتمعون بدار المحامى فوزى عبد الواحد ويطلبون حضورى ... ووجدت اجتماعاً حاشداً كان مخصصاً لبحث أحداث النجف وما تعرض له القوميون من اعتداء ممثل فى الهجوم على مكتبى ... وطلبوا منى سرداً لما جرى من أحداث وأذكر من الحضور المحامين فوزى عبد الواحد ، عدنان الراوى ، عدنان فرهاد ، توفيق المؤمن ، علاء درويش البكرى ، عاصم الوترى ، صبرى القنبر وآخرين لاتحضرنى أسماؤهم وخرج هذا الاجتماع عن جملة قرارات منها أن يتولى بعض الحاضرين مباشرة الدعاوى المرفوعة ضدى وضد الشباب ويحضر التحقيق والمحاكمات فى المجالس العرفية وتشكلت لجنة من ثلاثة محامين لها الغرض هم كل من عاصم الوترى ، وتوفيق المؤمن ، وصبرى القنبر ، ولجنة للمتابعة السياسية وتشكلت من عدنان الراوى وفوزى عبد الواحد ، وعلاء البكرى ، واقترح المجتمعون أيضاً أن أقابل وزير الداخلية (عبد السلام عارف) وها ما حصل فعلاً فى اليوم التالى وكما نصح به الأستاذ شنشل أيضاً وسارت الأحداث بعد هذا اللقاء بشكل متسارع فقد ألقى القبض على فى مركز شرطة (العبخانة) ثم نقلت إلى معتقل (معسكر أبو غريب) حيث التحقت بجماعتى هناك إذ سبق أن تم إيداعهم فيه .. وانقطعت صلتى بالخارج عدا ما يصلنى من أخبار مبتسرة إذ كانت الزيارة ممنوعة علينا ... كان اعتقالى فى 22/9/1958 ، عبد الرحمن وأطلق سراحى بكفالة فى أواخر الشهر الواحد سنة 1959 ، وقد وجدت الشارع السياسى مضطرباً وينذر بوقوع أحداث جسيمة جراء الإصرار على عقد مؤتمر لأنصار السلام فى مدينة الموصل وتسيير قطار (السلام)لها الغرض فكان الاصطدام وقيام عبد الوهاب الشواف بثورته الفاشلة ومذبحة (الدملماجة) ومحكمة (القصاب) . وقد وجدت أغلب زملائى إما هارباً أو مختفياً أو معتقلاً ، وحتى عندما أحلت إلى المجلس العرفى العسكرى الأول للمحاكمة لم يتقدم للدفاع عنى سوى المحامى توفيق المؤمن لخلو الساحة من الزملاء الآخرين بعد أن طالهم الإرهاب المنظم.
كان عدنان الراوى قد اختفى ولم أحصل له على أثر وقيل أنه قد غادر العراق ... ولم يكن أمامى بد من مغادرة العراق أنا الأخر بعد اشتداد الملاحقة والتعقيب للتصفية الجسدية بعد انفلات الأمور واضطراب الموازين وضياع القيم وهيمنة الفوضى .. ووجدت عدنان الراوى وجهاً لوجه فى مكتب (التجمع ....) فى القاهرة عندما وصلتها قادماً من السعودية فى 21/5/1960 .... وقد سبقنى إليها مجموعة كبيرة من العراقيين الهاربين من مختلف الأعمار والمراكز أذكر منهم : فائق السامرائى (سفير العراق فى القاهرة استقال ولجأ فيها) ، د. جابر عمر (وزير المعارف بعد ثورة 14 تموز سنة 1958) ، عبد الرحمن البزاز (عميد كلية الحقوق ، ورئيس الوزراء السابق) ، فؤاد الركابى (وزير الإعمار السابق وأمين سر قيادة قطر العراق) ، سلمان الصفوانى (صاحب جريدة اليقظة) – محمود الدرة (ضابط متقاعد ، لعب دوراً فى حركة الشواف فى الموصل) د. فيصل الوائلى (أمين عام منظمة الوحدة الثقافية) ، هشام الشاوى ، علاء الدين رايس (الملحق الثقافى فى سفارة العراق فى القاهرة) عدنان الراوى المحامى ، أحمد فوزى عبد الجبار المحامى ، هلال ناجى المحامى ، الشيخ أحمد الجزائرى ، السيد عبد الحسين العاملى (مزارع) ، رؤوف الواعظ ، محيى إسماعيل السامرائى ، مدحت إبراهيم جمعة ، ياسين السامرائى ، احمد اليامور ، عبد الله الركابى ، وميض عمر نظمى ، حاتم العزاوى ، عبد الكريم الشيخلى ، فاتك الصافى ، صدام حسين التكريتى ، عيادة الصديد ، فالح السامرائى ، نعيم العزاوى ، أحمد التكريتى ، عبد الرحمن أبوعوف ، نجم الدين السهوردى ، عداى الجبورى ، طه ياسين العلى ، صفاء البدرى ، عادل خياط ، رياض البنا ، تحسين النجار المحامى ، سليم الزبيدى المحامى ، دريد سعيد ثابت ، حامد الهارون ، احمد عجيل الياور ، كمال الرواى ، رشيد البدرى ...
وات صباح ونحن جلوس فى صالون (التجمع) دخل علينا عدنان الراوى وقد ارتدى بدلة جديدة وحذاء جديدا وتتضوع منه رائحة العطور على خلاف ما عرف عنه من إهمال فى ملابسه ، وكانت الفرحة تطل من عينيه فبادره احدنا بقوله من اللطافة (ها أبو سعدون إن شاء الله عريس ....) فضحك عدنان وقال (إى والله عريس) وقد تم فعلاً عقد القرآن فى التجمع بحضورنا ، صباح ذلك اليوم وقام عبد الرحمن البزاز بعقد القرآن وباركنا لأبى سعدون بعد ان ودع العزوبية ...........
وانهالت على أبى سعدون الدعوات وحاول جاهداً أن يلتزم بما تفرضه حياته الجديدة من عدم السهر خارج البيت ولكنه لم يستطع أن يستمر طويلاً بها الالتزام فقد أعتاد السهر مع شلتة المعتادة لساعات طويلة .... فكان قد ارتبط مع (أحمد سعيد) مدير إذاعة صوت العرب بأن يتولى الإشراف على برنامج موجه إلى العراق وراح يوجه كلمته الأسبوعية إلى العراق بأسلوبه المميز وكان يختتم كلمته بعبارته التقليدية التى يكررها دائماً مخاطباً (أم الطبول) المكان الذى تم فيه إعدام المرحومين ناظم الطبقجلى ورفعت الحاج سرى ورفاقهما قائلاً أم الطبول غداً نقيم عليك ركن المسجد ... وقد حصل إذ بعد 8 شباط سنة 1963 أقيم فى أم الطبول المسجد الذى تنبأ به عدنان الراوى ...
وزادت لقاءاتى بعدنان الراوى وزوجته وتدور بنا الذكريات والحكايات والآمال العريضة بعد أن تزول الغمة عن سماء العراق ويتحرر شعبه.
كان يمتلك سيارة قديمة دائمة العطب والعطل ويستعين بمن يقله معه فى عملية الدفع وإن لم يجد يستعين بالمارة مردداً عبارة (اللى يحب النبى يزق) ... وكثيراً ما ساهمت فى فعها بعد أن يتركها فى الشارع ، ثم يعود إليها بميكانيكى قد تخصص بسيارة عدنان الراوى فقط ونر نفسه لإصلاحها كانت علاقاته حسنة مع الجميع ويملك قلباً طيباً يسع جميع الناس ...
وأكر عندما حصل انفصال الوحدة بين مصر وسوريا على أثر حركة عبد الكريم النحلاوى فى 28/9/1961 أن جاء إلى شقتى مساء ذلك اليوم وطلب منى أن أصحبه إلى إذاعة صوت العرب وهناك أقترح أن أوجه كلمة إلى شعوب الأمة العربية خاصة الشعب السورى مندداً بالانفصال ومناشدة هذا الشعب المتشبع بالوحدة الحفاظ عليها وعدم التفريط بها وفعلاً كتبت الكلمة (الحماسية) فى الغرفة وألقيتها بصوتى المتهدج وأذكر أننى استهللت الكلمة ببيت من شعر الجواهرى فى تأبين (رياض المالكى) بعد اغتياله فى دمشق.
يا شام يا لمح الكواكب فى دجى يا موكب الأعرس فى صحراء
لقد ساءت نفسية عدنان الراوى بعد الانفصال وبات يكثر من الشراب وكأن شيئاً ما أنثلم فى نفسه ، ولم يحاول أن يقتنع أو يقنع نفسه بأن يأخذ الموقف بشكل موضوعى ، وأن الوحدة كهدف لم يتزعزع أو ينحسر أو يتراجع حتى لو فشلت تجربة واحدة فالطريق طويل والمهم أن تقوم الوحدة على أسس سليمة وأن تتحاشى الأخطاء وتسد الثغرات التى ينفذ منها أو من خلالها الخصوم وهم كثيرون ...
كان يقضى أغلب وقته فى الإذاعة وأحياناً فى زيارة هنا وهناك لبعض غخوانه وراح بكثير من شرب السجاير والنبيذ اليونانى (الأوزو) ... وعندما وصلتنى أواخر سنة 1960 أو أوائل سنة 1961 أخبار من العراق عن قيام بعض قيادات حزب الاستقلال بتشكيل حزب جديد تحت اسم (الحزب العربي الاشتراكي) بادرت إلى الانتماء لها الحزب كما فعل المرحوم الدكتور فيصل الوائلى ، بادرى إلى الانتماء لهذا الحزب كما فعل المرحوم الدكتور فيصل الوائلى ، وأكتفى المرحوم الأستاذ سلمان الصفوانى بالتأييد المعنوى دون الالتزام الحزبى ومتطلباته ... دعوت الأخ عدنان الراوى إلى الانتساب إلى الحزب الجديد خاصة وأن القائمين عليه هم وزملاؤه ورفاقه فى حزب الاستقلال فوجدته يدعونى هو إلى الإنتماء إلى (الرابطة القومية) قتئلاً : إنه التنظيم الوحدوى الذى أقامه مع مجموعة من الشباب القومى فى داخل العراق وخارجه . وقد ذكر لى أنه كان يعمل على إقامة هذا التنظيم القومى عندما كان فى العراق وقد اختمرت الفكرة وأعلن عن قيام هذه الرابطة التى يتسع صدرها ، كما يرجو ، لكل القوميين وذكر لى ان أحد المؤسسين للرابطة الأخ الدكتور هشام الشاوى .... فرددت على مسامعه مع ليتسامة عريضة المثل العراقى (إجيت تصيده ........ يصيدك).
وسارت حياة عدنان الراوى فى القاهرة بين العمل فى الإذاعة والإشراف على البرنامج الموجه إلى العراق وبين نشاطات اجتماعية وثقافية تفرضها متطلبات الحياة فى القاهرة التى كانت تعج باللاجئين من عرب وغير عرب احتوتهم القاهرة وضرورة المساهمة والمشاركة فى فعاليات كثيرة يقيمها هذا التنظيم أو ذاك من حركات التحرير .. وقد خرجنا بعلاقات واسعة وغنية مع أخوة من عرب المغرب العربى ، تونس ، الجزائر ، المغرب أو الخليج العربى والجزيرة العربية وغير عربية أيضا فنسهم فى النشاطات والفعاليات والاحتفالات وما أكثرها تمثل قارات أسيا وإفريقيا أمريكا اللاتينية ... كما كانت لعدنان الراوى علاقات جيدة وواسعة مع الصحافة.
ورجال الصحافة من خلال ما يكتبه فى الجرائد المصرية أو يعقد لقاءات كثيرة مع صحفيين يترددون على بعض المقاهى المعروفة سواء فى حى الدقى أو وسط القاهرة وقد حضرت شخصيا بعضاً منها وشاهدت مقدار ما يكنه هؤلاء لعدنان الراوى من حب وتقدير ...
واستيقظنا صبيحة يوم الجمعة 14 من شهر رمضان (8 شباط سنة 1963) على انقلاب أطاح بعبد الكريم قاسم ونظام حكمه وبذا انتهت أسباب تواجدنا نحن العراقيين فى القاهرة ولجوئنا بعد زوال دواعى هذا اللجوء.
عدت إلى بغداد بعد شهر من الانقلاب ،وعاد عدنان الراوى بعدى بفترة وجيزة ، وأنصرف كل منا إلى حاله ، فقد تفرغت تماماً إلى العمل الحزبى فى صفوف الحزب العربى الاشتراكى حتى أخذ كل وقتى ولكن انشغالى هذا لم يصرفنى عن الالتقاء بين الحين والحين بعدنان الراوى الذى أنصرف هو الأخر بعدنان الراوى الذى أنصرف هو الأخر للعمل الجدى فى صفوف (الرابطة القومية) وأتخذ من دار يملكها المحامى (رمزى العمرى) فى الحارثية سكنا له ، فكنت أزوره فيها حسبما تسنح الفرصة ، وقد اعتاد وأصدقاؤه ومريدوه أن يزوره فى تلك الدار ....... عندما اشتدت الملاحقة للتيار القومى وراح النظام الجديد يترصد خطى العناصر النشطة من هذا التيار – قلت زيارتى للأخ عدنان الراوى واحتجبت عنه وامتنعت عن زيارته إلى أن مرت الأزمة وانقشعت بعد 18 تشرين ثان سنة 1963 واستلم ما يسمى بالتيار القومى زمام الأمور واستحوذ على المراكز الحساسة فى الدولة وفى المقدمة من هذا التيار عبد السلام عارف كما هو معروف ... وعندما بدئ بتشكيل الجبهة القومية كإطار لتجميع هذا التيار نشط عدنان الراوى أو الرابطة القومية فى هذا المجال وشارك فى الاجتماعات التحضيري للإعداد لميثاقها التى كانت تعقد فى بيوت عناصر قومية معروفة ، ولكن عبد السلام عارف رفض فكرة الجبهة قومية واقترح على القوميين قيام تنظيم (الاتحاد الاشتراكى العربى) على غرار ما هو جار فى مصر ، وفعلاً تم تشكيل لجنة اختير أعضاؤها من الحركات والأحزاب والتنظيمات القومية مهمتها وضع الميثاق والنظام الداخلى لهذا الاتحاد وكنت عضوا فيها ، ولكن عدنان الراوى والرابطة القومية امتنعت أن تسهم فى هذه اللجنة التى وضعت الميثاق وعقدت المؤتمر القومى الذى قاطعه عدنان الراوى وبعض القوميين ، وعندما كنت أزوره وأحاوره فى موقفه السلبى أجده برما وغير مقتنع بالذى يجرى فى الساحة القومية وكان رأيه أن ينبثق تنظيم يشمل كل التيار القومى بما فيه (حزب البعث) لا أن ينفرد البعض بهذا التيار ويدعى تمثيله ... والذى زاد من إحباط عدنان الراوى أن العهد القومى الجديد قد تجاهل تماماً مكان ومكانة عدنان ولم يوفر له المركز الذى يستحقه ويليق باسمه وتاريخه ونضاله وكان أقل ما يستحقه عدنان أن يسند إليه إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون فبرغم أن المنصب دون حقه أو مستواه لكنه قريب من اختصاصه وهو الصحافى الضليع والإعلامى القدير وله خبرة طويلة فى هذين الحقلين وقد علمت أن الذى زاد من سخطه وإحباطه وانكفائه أن وزير الثقافة (القومى) قد عرض عليه أن يتولى إدارة الإذاعة العراقية فقط مرؤوسا من قبل موظف أقل منه كفاءة وأصغر منه عمراً ، ورغم ما كان ينطوى عليه من جرح وألم إلا أن كرامته واعتداده بنفسه بأبيان عليه أن يصرح بما يعانيه من جحود ونكران من نظام محسوب على التيار الذى ناضل وقاتل فى صفوفه .... والذى ناضل وقاتل فى صفوفه ... والذى أذكره جيداً أن (أحمد سعيد) مدير إذاعة صوت العرب وفى إحدى زياراته إلى العراق انتقد عدنان الراوى على موقفه (السلبى) فى عدم قبوله منصب (مدير الإذاعة العراقية) وعتبه ألا يظل خارج الملعب ويناضل من داخله لا من الخارج ولكن عدنان الراوى لم يقتنع برأى أحمد سعيد ولا برأى أى ناصح آخر فقد كان صعب المراس ولا يقتنع بسهولة أو يتزحزح عن موقف أرتأه عن قناعة .. ونظراً لظروف كثيرة حصلت عندى القناعة فى أن أنسحب من وزارة الشئون البلدية والقروية ولما يمضى على وجودى فيها (وزيراً) أكثر من شهر وعندما قدمت استقالتى منها استدعائى عبد السلام عارف مستفسراً عن أسباب الاستقالة فذكرت جملة منها وأهمها أن وزارة (طاهر يحيى) بعيدة عن الصفة القومية ولا تمثل التيار القومى تمثيلا صحيحا ويجب قيام وزارة ذات طابع قومى تتمشى مع المرحلة التى تحمل اسم هذا التيار ... فطلب تسمية بعضهم فذكرت طابع قومى تتمشى مع المرحلة التى تحمل اسم هذا التيار .. فطلب تسمية بعضهم فذكرت أسماء ومنها اسم عدنان الراوى فرجانى أن يلتقى مع بعضهم للتعرف ومناقشة الأمور خاصة وأن مسيرة الاتحاد الاشتراكى بدت متعثرة وابتعاد بعض القوى القومية عنه ، وكان أول لقاء مع (أياد سعيد ثابت) الذى يمثل تنظيم (المؤتمر القومى) وقد قاطع أى نشاط الاتحاد الاشتراكى ولجنته التنفيذية ، وكانت مقابلة أياد سعيد ثابت لعبد السلام عارف مفاجأة لى ومحرجة بنفس الوقت وذلم عندما طلب أياد من عبد السلام عارف أن يعطيه أو يضع تحت تصرفه مبلغاً قدره (مليون) دينار عراقى وأن يسلمه إدارة جريدة الجمهورية ، ويطلق يده حرة بالاتحاد الاشتراكى حيث سيخلق منه اتحادا قويا يفخر به عبد السلام فأسقط بيدى من هذا الموقف غير المتوقع من أياد وكأننى جمعته بعبد السلام عارف حتى يساومه هذه المساومة البعيدة عن اللياقة ويخرج منها بغنيمة الاستيلاء على الاتحاد الاشتراكى وما يمثله من ثروة مادية ومعنوية وليذهب الآخرون إلى الجحيم ... وجدت قسمات وجه عبد السلام عارف كلها شماتة بى فقد جئته بأحد رموز التيار القومى يساومه مثل هذه المساومة المكشوفة – لم يرد عبد السلام عارف على طلبات أياد سعيد ثابت واكتفى أن أجاب أنه سيدرس (العرض) وخرجت من القصر الجمهورى وأنا أرتجف من الغيظ والغضب والإحباط ... ووجئت إلى عدنان الراوى وشرحت له فكره اللقاء مع عبد السلام عارف فاقتنع ولكنه اشترط أن أضمن له حرية الكلام بصراحة تامة فضمنت له ذلك وكأننى أردت من عدنان أن يفجر قنبلة بلقائه يسهل على قبول استقالتى .... وفى الساعة الثامنة مساء كنت وعدنان الراوى جالسين مع عبد السلام عارف فى غرفته فى القصر الجمهورى وبعد الترحاب التقليدى ابتدر عبد السلام عارف فسأل عدنان الراوى عن أحواله وصحته ... ولكن عدنان لم يجبه عن أحواله وعن صحته بل سأل هو عبد السلام عارف السؤال التالى : (يا أخ أبو أحمد هل يوجد لنورى السعيد قبر فى العراق؟) فقطب عبد السلام عارف وعلا وجهه الكدر ولكنه أجاب بتثاقل : (لا لا يوجد لنورى السعيد قبر فى العراق) وسكت .. فسأل عدنان الراوى السؤال التالى : يا أخ أبو أحمد هل يوجد لعبد الكريم قاسم قبر فى العراق ؟ ) فزاد من قطوب وجه عبد السلام عارف وكدره ولكنه أجاب أيضاً : (لا يوجد لعبد الكريم قاسم قبر فى العراق) فقال عدنان الراوى ... (أنت أيضاً يا أبو أحمد سوف لن يكون لك قبر فى العراق ....) فشهق عبد السلام عارف وأراد أن يتكلم محتجا ولكن عدنان الراوى واصل كلامه قائلا .. نعم سوف لن يكون لك قبر فى العراق إذا لم تضع يدك بيد جمال عبد الناصر وتعمل من أجل الوحدة .. فأطمأن عبد السلام عارف وانبسطت أساريره بعض الشئ ولكنه ظل متوترا ومنزعجا من كلام عدنان الراوى غير المتوقع ... وراح يدافع عن نفسه وانه قومى وحدوى .. ومواقفى مشهورة ولكن عدنان الراوى ظل يردد ويكرر : ضرورة إتباع القول بالعمل لا مجرد ترديد شعارات جوفاء ... وختم كلامه : نريد وحدة وبسرعة لا مجرد (حجى) ... وهنا وقف عدنان مستأذنا فى الخروج وكأنه قد قال كل ما عنده أو ما أراد أن يقوله ويريد الانصراف فوقفت ووقف عبد السلام عارف الذى تملكته الحيرة وشعرت أنه يرغب باستمرار اللقاء وأن عنده كلام يريد أن يسمعه لعدنان الراوى ... ولكن عدنان تحرك من مكانه للخروج من الغرفة ولا يريد إطالة الحديث أو المكوث أكثر مما مكث ... وهكذا تركنا عبد السلام عارف فى حالة مزيج من الحيرة والغضب والانزعاج – وبعد أن صرنا خارج القصر الجمهورى التفت عدنان الراوى نحوى وقال : أنا شاكر لك أخى أحمد أنأتحت لى هذه الفرصة التى كنت أنتظرها ، وأنا الآن مرتاح تماما وقد شفيت غليلى ... وأعتذر أن كنت قد سببت لك إحراجا ... فأجبته : بالعكس لقد خدمتنى أنت فكما تعلم أننى قدمت استقالتى وعبد السلام عارف رافض أن يقبلها ولا أظن بعد هذه المقابلة إلا وسيقبلها فهو يظن أو يعتقد أننا متواطئان ومتفقان على الكلام الذى قلته وحسنا فعلت يا أبا سعدون ..
وافترقنا وفى الصباح كلمنى عبد السلام عارف عاتبا بشدة على كلام عدنان الراوى ووصفه بأنه (كلام جارح) فحاولت أن أخفف من غضبه قائلا له : أنت تعرف إن عدنان الراوى صريح بآرائه ولا يخفى شيئا لا تعرف وهو مندفع وجرئ لأنه لا يخشى فى الحق لومة لائم ولا مصلحة له شخصية فى كل ما قال ومن هذا تأتى صراحته أو جرأته التى تغضب بعض الناس فسكت عبد السلام ولم يعلق ويبدو أنه ظل غير مقتنع و .... ولم أداوم فى الوزارة بل حملت (شنطة) المحاماة ونزلت إلى غرفة المحامين معلنا استقالتى من الوزارة ولأجبر عبد السلام عارف على قبولها وفعلا قبل الاستقالة ... وشاعت فىالأوساط السياسية هذه المقابلة العاصفة ومقولة عدنان الراوى عن (القبور) حتى راح البعض يتندر بعبارة (يا بة وين قبرك ... أنت هم عندك قبر ...) فى المجالس والمحافل الخاصة أو العامة.
كنت قد اعتدت المرور على عدنان الراوى فى داره فى الحارثية بعد خروجى من مكتبى ليلاً وأقضى بعض الوقت وأجد عنده أحياناً بعض الزائرين ونتبادل الأخبار ونقلب الأمور ونستمع للإشاعات الرائجة وقد يكلفنى أحياناً بمتابعة بعض القضايا أو المعاملات الخاصة به أو ببعض معارفه فى هذه الدائرة الرسمية أو تلك لأنه نادراً ما يرتادها خاصة فى الأيام الأخيرة بعد اعتلال صحته فقليلاً ما يغادر الدار .... وعندما قرر عبد السلام عارف تغيير وزارة (طاهر يحيى) وعهد إلى (عارف عبد الرازق) بتشكيل الوزارة الجديدة ، قام المرحوم (رشيد محسن) مدير الأمن العام وبتكليف من عارف عبد الرازق يدعوة بعض العناصر القومية للحضور إلى مديرية الأمن العام ... وتلقيت دعوة المرحوم رشيد محسن تليفونياً دون أن يوضح لى سبب هذه الدعوة ، ووجدت أمامى فى غرفة رشيد محسن كلاً من عدنان الراوى ، وفؤاد الركابى ، وصبحى عبد الحميد ، وأياد سعيد ثابت وهشام الشاوى وقد سبقونى فى الحضور ، وكلهم يتساءل عن سبب هذه الدعوة والمرحوم رشيد محسن يلف ويدور ولا يريد أن يفصح عن سبب هذا اللقاء وكل الذى كان يقوله أنه مكلف من (عارف عبد الرازق) بإحضاركم وأنه فى طريقه إلى الحضور وهكذا بقينا ننتظر هذا الحضور حتى قاربت الساعة الثانية عشر ليلاً حتى هم بعضنا بمغادرة الغرفة.
لطول الانتظار وبعد منتصف الليل حضر عارف عبد الرازق وكان مرتدياً ملابسه العسكرية ويعلق شارة (الطيران) على صدره كضابط طيار ... وشرح أسباب استدعائه لنا وأنه مكلف بتشكيل وزارة جديدة وطلب منا أن نرشح له ثلاثة أو أربعة أسماء قومية سواء من الحاضرين أو الغائبين للدخول معه فى وزارته وبعد نقاش فى الأسماء وهل يملك الحرية أن يزيد من عدد (القوميين) ثم سأل أحدنا هل لديه قائمة بأسماء الوزراء المقترحين كانت معدة أساساً بالتشاور والتنسيق مع عبد السلام عارف وبعد قراءة الأسماء واستعراض تاريخ بعضها كان تعليقى أن وزارة طاهر يحى تضم من العناصر القومية أكثر مما تضمه هذه القائمة ودارت حوارات واعتراضات من قبل الحضور وقد اجمعوا على رفض القائمة ، وكان التليفون يرن بين الحين والحين وعلى الطرف الآخر منه عبد السلام عارف يسأل مستفسراً عما تم بشأن اللقاء مع القوميين فيجيبه رشيد محسن بأن الاتفاق لم يتم بعد والحوار مستمر وفى مكالمة أخرى أخذ التليفون عارف عبد الرازق ورد على عبد السلام عارف أن الإخوان يعترضون على أسماء كثيرة ممن تضمهم القائمة وكان عبد السلام عارف يجيبه مع ذلك حاول معهم ولا تيأس ، وهكذا استمر اللقاء العاصف إلى قريب من الفجر وكان عدنان الراوى صريحاً وواضحاً فى رفضه للتشكيلة التى جاء بها عارف والحقيقة أن الجميع كانوا مجمعين على رفض هذه التشكيلة ولكن حسب أسلوبه فى الرفض وقام بعضنا متأهبا للانصراف بعد هذا الوقت الطويل دون الوصول إلى حل فقد كان عارف متمسكاً بما عنده وكنا نحن جميعاً متمسكين بطروحتنا ورؤيتنا ولكن عارف عبد الرازق لم ييأس فطلب منا الاجتماع به مرة أخرى وحدد ساعة من النهار لمتابعة الحوار إذ ربما صل إلى حل وسط يرضى الطرفين حسب قوله ... فرفضنا جميعاً أن نلتقى ثانية ما دام لم يغير فى الأسماء أو مادام عبد السلام عارف مصرا على التشكيلة فما فائدة اللقاء ثانية ؟ أوصلت عدنان الراوى إلى داره بسيارتى وفى الطريق أبدى امتعاضه ورفضه لمثل هذه الساليب وشن حملة على العقلية التى تدار بها أمور البلد وبالتالى كرر رفضه أن يسهم فى أى لقاء من هذا النوع وافترقنا بعد أن لاحت تباشير الصباح ... وفى الساعة الثانية ظهراً أعلنت الإذاعة العراقية عن تشكيل وزارة عارف عبد الرازق بكل الأسماء التى كانت مدونة فى القائمة دون أى تغيير.
لم يمر وقت طويل على تشكيل وزارة عارف عبد الرازق حتى سافر عبد السلام عارف رئيس الجمهورية إلى المغرب لحضور مؤتمر القمة سنة 1965 وقد استغل عارف عبد الرازق (رئيس الوزراء) غياب عبد السلام عارف فقام بمحاولة انقلابية لم يكتب لها النجاح مما اضطره وبعض القادة العسكريين إلى مغادرة العراق إلى القاهرة ... وأخبرنى صبيحتها بتفاصيل هذه الحركة المرحوم العقد (عبد اللطيف الدراجى) وزير الداخلية ...
وهنا استرجعت اجتماع (مديرية الأمن العامة) وما جرى فيه من حوار بين المجتمعين من العناصر القومية وبين عارف عبد الرازق ... ووجدت تبريراً لقبول عارف عبد الرازق لقائمة عبد السلام عارف بأسماء الوزراء وعدم الإلتفات إلى معارضتنا وكأنه اراد ألا يثير فى نفس عبد السلام أية ريبة أو شكوك وأن ينجح فى تشكيل الوزارة دون عوائق ، واسترجعت أيضاً موقفا لم أعره فى وقته أى أنتباه ، وهو أننا عندنا غادرنا غرفة رشيد محسن (مدير الأمن العام) ظل كل من عارف عبد الرازق وصبحى عبد الحميد. ورشيد محسن فى الغرفة وكأنهم فى اجتماع مغلق طوال الفترة التى قضيناها نحن المغادرين خارج الغرفة وقوفاً نسترجع مجريات ما جرى فى الاجتماع ... وظل هؤلاء الثلاثة من (الضباط) مجتمعين إلى أن غادرنا المديرية مما يعنى أن نية (الانقلاب) كانت مبيتة .... وفى المساء كنت عند عدنان الراوى فى داره فى الحارثية واستعرضنا سويا أحداث ما جرى وقد اعتقد هو الآخر من خلال مشاهداته وربطه للأمور أن نية الانقلاب كانت مبيته وقد اتفق بهذا مع ما ذهبت إليه أنا الآخر من قناعة وقد أيد الأخ عارف عبد الرازق شكوكى فى الخلوة الثلاثية فى مديرية الأمن وأنهم فعلاً ناقشوا عملية الإنقلاب بعد الانتهاء من تشكيل الوزارة ، وذلك عندما استعرضنا فى القاهرة ظروف وملابسات الحركة ، أما لماذا لم تنجح فلم يمط (اللثام) بعد عن (الأسرار....).
وحدث انقسام فى الرابطة القومية بخروج بعض قاداتها واستقلالهم عن عدنان الراوى ولكن هذا الانقسام لم يفت فى عضد عدنان أو يؤثر قليلاً أو كثيراً فى مواقف وقناعات عدنان الراوى وظل متماسكا يمارس عمله السياسى وله مريدوه ومؤيدوه ويصدر بين الحين والحين بيانات سياسية يقول فيها رأيه وتقييمه للأوضاع السياسية وينتقد مجريات الأحداث بصراحته المعهودة ، وفى إحدى بياناه كما أتذكر انحى بالائمة على القوى القومية التى راحت تتصارع فيما بينها دون أن ترتفع إلى مستوى الأهداف القومية التى راحت تتصارع فيما بينها دون أن ترتفع إلى مستوى الأهداف القومية وراح البيان بعدد بعض القيادات القومية التى ابتعدت عن الساحة نتيجة للأخطاء المرتكبة وجاء ذكر (البعث) كتيار قومى ، مما يدل أن حزب البعث حاول الالتفاف حول عدنان الراوى وقد استعان هذا الحزب بالمحامى (رمزى العمرى) الذى تربطه بأحمد حسن البكر علاقات وثيقة للتقرب من عدنان الراوى وكسبه أو على الأقل تحييده وعدم انحيازه إلى صفوف الأعداء من العناصر القومية التى تولت الأمور بعد وردة تشرين ثان).
وعندما كنت أناقش عدنان الراوى فى التجاوزات القومية وغير القومية التى ارتكبها حزب البعث طوال الشهر التى حكم بها العراق وما جرت على العراق من ويلات وخروقات كان يجيب أنه مقتنع بما أقول ويدين التجاوزات ولكن مع ذلك يجب ألا نبعدهم من صفوفنا كقوميين وأنهم ربما قد وعوا الدرس .... وكنت أعرف أن تأثير رمزى العمرى عليه كان كبيراً.....
لم تنقطع زياراتى عنه وإن تأخرت أو تباعدت الزيارات يتلفن لى معاتبا عن هذا الانقطاع .. زرته فى إحدى الأماسى فوجدته مصفراً شاحب الوجه اكثر ضعفا ونحولا وشكى لى أنه أصيب بتسمم بعد أكلة كباب من السوق ... ولكن هزاله استمر ملازما له وكذلك شحوبه وبدا يشكو من أن الطعام لا يستقر فى معدته وسرعان ما يتقيؤه ، وراجع الأطباء واختلفوا فى التشخيص وفى يوم اخبرنى أنه سيسافر إلى القاهرة للعلاج ، ورقد فى مستشفى القوات المسلحة فى المعادى وهناك اكتشفوا إصابته بسرطان البنكرياس وأجريت له عملية جراحية استرد بعدها بعض صحته وعاد إلى بغداد متفائلا وهو يعقد انه قد شفى تماماً وراج يمارس حياته العادية واستمر فى التدخين وكان شرها فيه وكنت التقيه وألاحظ الشحوب الذى ظل ملازما له وكذلك النحول وعندما أسأله عن صحته كان يجيب باقتضاب (لا بأس والحمد لله) كنت فى مطار القاهرة فى طريقى إلى بغداد عام 1966 وإذا بمن يخبرنى أن عدنان الراوى قد وصل الأن من بغداد على الطائرة العراقية فخرجت مسرعا من صنلة السفر إلى صالة الوصول فى المطار وإذا بعدنان الراوى يمشى ببطء شديد ويحمل بيده (صرة) فيها ملابسه فعانقته وقد سر للقائى وقال : علمت أنك فى القاهرة ومنيت نفسى أن ألقاك فيها وقد حسبنى أننى حضرت لمقابلته فأخبرته أننى مغادر الآن إلى بغداد وقد أخبرني أحد الأصدقاء عن وصولك فجئت لأراك قبل أن أغادر ولا أستطيع التأخير لالتزامي بارتباطات كثيرة فى بغداد ... فأجاب : أنا متوجه الأن إلى مستشفى القوات المسلحة لأننى تعبان كما ترى فطمأنته وهونت عليه الأمر رفعا لمعنوياته وقلت له إننى أعدك يا أبا سعدون أن سأكون عندك خلال أسبوعين سواء فى بغداد أو أحضر خصيصاً إلى القاهرة من أجلك فنظر لى طويلا وقال (يعنى ما تكدر تتأخر- !!) فأجبته (كان بودى يا أو سعدون) ثم عانقته وقبلته وافترقنا وكان الوقت ليلاً وعدت إلى بغداد وأنا حزين ومتألم للمنظر الذى رأيته فيه والحالة التى هو عليها وظلت نظرة عينيه لم تفارقنى طوال الليل وهو يمشى الهوينا وحيداً يحمل صرة ملابسه ..... وبعد ايام وصلنا نبأ وفاته فقد كان مرض السرطان اللعين قد تمكن منه وصرعه.
احتشد جمع كبير فى مطار بغداد لاستقبال جثمان عدنان الراوى وقد وصل ليلاً من القاهرة .... وفى اليوم التالى رافقته أعداد من السيارات تقل العديد من أصدقائه ومحبيه إلى مدينة الموصل حيث وورى جثمانه هناك بجانب قبر أخيه المرحوم الشهيد الضابط سعد الله الراوى الذى استشهد بعد فشل حركة العقيد عبد الوهاب الشواف .... رافقت الجثمان بصحبة الأخوين (عبد الرازق شبيب) نقيب المحامين وغالب العلوش.
وأقام أصدقاء عدنان الراوى ومحبوه حفلاً تأبينياً بمناسبة الربعين فى قاعة الشعب ألقيت فيه الكلمات والقصائد تتناول عدنان الراوى الإنسان والمناضل والتأثر ، وألقيت كلمة بحق هذا الصديق الذى أحببته كثيراً والذى نذر نفسه منذ نعومة أظافره لقضية وطنه العراق وقضايا أمته العربية ولاقى ما لاقى من عنت واضطهاد وتشريد وحرمان فى سبيل ما كان يعتقد ويؤمن به .
كان رحمه الله صلباً لا يعرف المهادنة ولا المداورة أو المراوغة صريحاً واضحاً فى أهدافه جريئاً فى آرائه لا يهمه رضى من يرضى أو سخط من يسخط ... كان محباً لعبد الناصر شديد الإيمان به وبقيادته معلقاً عليه الآمال الكبيرة فى أن يقود الأمة العربية إلى طريق الوحدة والتقدم والإزدهار وأنه باعث مجدها – وكم ترحمت عليه عندما حلت بنا نكسة خمسة حزيران سنة 1967 ، وأنه مات قبل أن يرى الانكسار الذى أصيبت به أمتنا العربية وكأن الله سبحانه وتعالى قد رأف به أن استدعاه قبل وقوع هذا الزلزال العظيم.
كان طيب القلب محباً لأصدقائه شديد الثقة بالناس خجولاً ، قليل الكلام لا يشكو أو يتشكى ولا يتذمر من فقر الحال أو قلة المال ... خفيض الصوت ولكنه إن غضب أو تعكر مزاجه أو مست كرامته يثور ثورة عارمة ويخرج كلامه كقصف الرعد حتى أن الإنسان يحار كيف يتأتى لهذا الجسم الضعيف مثل هذا الصوت القوى الهادر ...
رحم الله أبا سعدون...
(1) اضطررت إلى ذكر وتكرار واقعة الاعتداء على مكتبى فى أكثر من موقع لما لها من دخل ومساس فى البحث.