أشخاص كما عرفتهم : محمد صديق شنشل
احمد الحبوبي
كان لقائى الأول بالأستاذ محمد صديق شنشل فى مقر حزب الاستقلال فى بغداد سنة 1951 ، فقد دعينا – نحن شباب الحزب – على الحضور للاستماع إلى محاضرة يلقيها هناك ، وأذكر أن الوقت كان عصراً ، وكان موضوع المحاضرة عن فلسطين ، وبعد المحاضرة طرحنا علية أسئلة كثيرة فى السياسة الداخلية والخارجية للحكومات العربية بخصوص القضية الفلسطينية وكانت إجاباته صريحة وأبدى من سعة الصدر وطول البال ما ترك فى نفسى أثراً طيباً لقيادى بارز وجرئ فى الحزب الذى أنتمى إليه ..
ولم تزد لقاءاتى به بعد ذلك عن مجرد السلام والتحية سواء فى مقر الحزب أو فى أى مكان آخر التقيته فيه ، فالجدية الطاغية على شخصه لم تشجعنى أنا وغيرى أيضاً أن نجرأ مثلاً على اقتحام غرفته فى الحزب أو الجلوس إليه ، كما كنا نفعل ، دون حرج ، مع رئيس حزبنا (محمد مهدى كبة) أو نائبه (فائق السامرائى) أو غيرهما من قيادات الحزب كـ (عبد الرازق شبيب) أو (إسماعيل الغانم) أو (سلمان الصفوانى) الذين كنا نجد عندهم الترحاب والقبول ... وظلت علاقتى بالأستاذ شنشل رسمية لا تخرج عن نطاق علاقة تلميذ بأستاذه طوال ترددى على الحزب ... إلى أن تخرجت فى كلية الحقوق وكان ترتيبى الثالث وكنت أطمح فى بعثة دراسية إلى فرنسا للحصول على الدكتوراه فى القانون المدنى المتفوق فيه ، وبقيت أنتظر موعد المقابلة وبعدها النتيجة .. وطال انتظارى فأقترح على (مصطفى شنشل) الأخ الأصغر للأستاذ صديق ، الذى كان زميلاً لى فى كلية الحقوق وقد تخرج معى أيضاً أن أمارس مهنة المحاماة فى مكتب أخيه الأستاذ صديق ، الذى كان زميلاً لى فى كلية الحقوق وقد تخرج معى أيضا أن أمارس مهنة المحاماة فى مكتب أخيه الأستاذ صديق إلى حين ظهور نتيجة البعثة خاصة وأن الأستاذ صديق يبحث عمن يساعده فى مكتبه وسوف لن يجد من هو أحسن وأكفأ منك .. ولا أكتم أن هذه الفكرة التى جاء بها الأخ مصطفى قد لاقت هوى فى نفسى وفرحت بها ، لما سأحصل عليه من خبرة عملية أنا بحاجة إليها فى عالم المحاماة وسرعان ما أبلغت الأخ مصطفى بموافقتى ولم أقف عندما كان مخزوناً فى نفسى من انطباع عن صعوبة التعامل مع الأستاذ محمد صديق واستقبلني الأستاذ صديق بحرارة قائلا: اعتبر هذا المكتب هو مكتبك وعلى بركة الله .. كان المكتب يتكون من غرفتين متقابلين ،واحدة تخص الأستاذ صديق والأخرى يشغلها الكاتب (طه خضر طه) وهو شاب فلسطينى ، هاجر أهله من يافا ، طيب وخجول ، مسئول عن المكتب وترتيب القضايا ويقوم بطبع اللوائح والمكاتبات على الآلة الكاتبة. والمكتب يقع فى الدور العلوى فى خان الحاج (إسماعيل شنشل) والد الأستاذ صديق الواقع فى الشورجة ، تحت التكية ، وهو كرز تجارة الحاج إسماعيل التى ديرها أولاده (عبد اللطيف) و (عبد المحسن) و (مصطفى) ..
أقبلت على العمل بجد ونشاط ، فكنت أحضر إلى المكتب عصراً ، وقبل حضور الأستاذ صديق – فأقوم بدراسة قضايا (الغد) وكتابة مسودة اللوائح المطلوبة – وتسجيل بعض الملاحظات التى أراها ضرورية إلى حين حضور الأستاذ صديق فيطلع على ما كتبت ويجرى عليه تعديلاً أو تبديلاً ثم يكلف (طه خضر طه) بطبعه على الآلة الكاتبة وكثيراً ما يستغرقنا العمل إلى ساعة متأخرة من الليل ما دامت القضايا كثيرة إذا ما صاحبها تردد المراجعين على المكتب .. وأترك المكتب إلى الغرفة التى استأجرتها فى أحد فنادق بغداد وأنا منهك .. وفى الصباح أكون أنا وطه فى انتظار الأستاذ صديق فى المكان المطلوب حيث يوافينا ونذهب ثلاثتنا لمباشرة العمل المخصص ذلك اليوم ... ومع الوقت وجدت نفسى غارقاً فى الأضابير والملفات وقد أستهوانى العمل ففيه متعة بالغة خاصة عند قراءة اللوائح القانونية المصوغة بلغة قانونية متينة لكبار المحامين فى قضايا متنوعة وأن غلب عليها العنصر التجارى أو المالى ، والذى لفت نظرى شدة حرص الأستاذ شنشل على قضاياه وإيلائها الاهتمام الكبير ويحرص على تتبعها بدقة ويجرى وراءها بهمة ونشاط وكأنه شاب ، يدخل إلى محكمة ويخرج منها إلى أخرى ، ونترك المحاكم إلى وزارة التجارة أو مسجل الشركات وقد أشركنى معه فى التوكيل فى كل القضايا التى يترافع فيها حيث ندخل إلى المحكمة سوياً وينتهى الدوام الرسمى فأجد نفسى متعباً فأشفق على الأستاذ صديق الى أراه متماسكاً نشطاً ونفترق فأذهب إلى غرفتى فى الفندق أستريح فيها بعض الوقت حتى العصر حيث يجمعنا المكتب ، وهكذا استمرت الأيام ، وقد شعرت أن الأستاذ صديق قد وثق بى وأطمأن إلى قدراتى وحسن أدائى وسرعة تعلمى .. فراح يقلل من حضوره إلى المكتب ويطلب تليفونياً تسليم أضابير القضايا ومسودات اللوائح إلى سائق سيارته الذى يحملها إلى داره ثم يعود بها وعليها إشاراته وملاحظاته ويقوم (طه خضر طه) بطبع اللوائح ثم نترك المكتب ونكون فى انتظار الأستاذ صباح اليوم التالى .. وغرقت فى القضايا ولم يعد عندى فسحة من وقت غير الجمعة أجد فيه بعض الراحة .. والمعروف عن الأستاذ صديق أنه لا يخلط العمل المهنى بالسياسة فمكتبه للمحاماة فقط ولا تجرى فيه أمور سياسية ولا يتحدث فيها معى أو مع غيرى فحديثنا فى المكتب يدور عن القضايا والقوانين واللوائح والشروح والتفاسير وعنده مكتبة قانونية غنية ومعتبرة تضم أمهات الكتب القانونية العربية والأجنبية خاصة وأنه يجيد اللغة الفرنسية قراءة وكتابة وحديثاً ... ومع مرور الوقت قل حضوره إلى المكتب واعتمد على اعتماداً كلياً وخولنى كتابة اللوائح وطبعها رأساً وإحضارها فى اليوم التالى وهذه ثقة اعتززت بها كثيراً وأكبرتها فيه فقد أولانيها ولما يمضى على وجودى فى المكتب غير أشهر قليلة ، وذات يوم طلب منى أن أنتقل إلى السكن معه بدار فى الأعظمية قائلاً : إن عائلته سافرت إلى لبنان للاصطياف ورجانى أن أشاركه السكن طوال غياب عائلته فلم أمانع وانتقلت إلى السكن معه ...
وجدت فى الدار رجلاً كبير السن يرتدى الملابس العربية من أهالى الموصل يسكن معه ويقوم على تلبية طلبات الأستاذ ويتولى طبخ طعامه وقد توثقت علاقتى بهذا الرجل المسن فبالإضافة إلى طيبة قلبه فقد وجدت عنده كثيراً من أسرار وأحداث حركة مايس 1941 الى قام بها (رشيد عالى الكيلانى) فقد كان مرافقاً للمرحوم (يونس السبعاوى) وراح يحدثنى عن ها الوزير الثائر الذى كان وزيراً مع الكيلانى وأشترك معه فى حركة مايس ضد (عبد الإله) الوصى على العرش والذى أعدم بعد فشل الحركة مع من أعدم من ضباط الجيش العراقى ... فقد كان هذا الرجل الطيب العجوز من اتباع أو أقارب المرحوم (يونس السبعاوى) ... ولما كان الأستاذ شنشل متزوجاً من شقيقه المرحوم السبعاوى فقد استقدمه من الموصل ليكون بمعيته طوال غياب عائلة الأستاذ فى لبنان ... وقد فرح الرجل بوجودى معه فى الدار .. فالأستاذ صديق كان يقضى أغلب الليالى خارج البيت فكنت أنا وهذا الرجل الطيب نصعد إلى سطح المنزل حيث الهواء العليل المنعش يرطب أماشى بغداد الساحرة فينطلق ، وقبل أن أطلب منه ، فى سرد القصص والذكريات عن المرحوم السبعاوى وأسرار حركة مايس فقد عاصرها بحكم ملازمته للبعاوى ، ويبدو أنه كان متعطشاً إلى من يسمع منه ولما لم يجد عند الأستاذ شنشل أذناً صاغية فقد وجدها عندى .. وقد نقل لى واقعة شاهدها بعينه صبيحة يوم إعدام السبعاوى وجماعته من الضباط وهم العقيد الطيار محمود سلمان ، والعقيد فهمى سعيد والعقيد كامل شبيب فقال : إن الوصى عبد الإله حضر إلى (أبو غريب) حيث كانوا معتقلين وأمر أن يراهم قبل تنفيذ حكم الإعدام فيهم ووقف يستعرضهم واحداً وراء الأخر وهم يمرون من أمامه وقد وضع على عينيه نظارة سوداء وكأنه كان يتشفى بهم وعندما مر العقيد الطيار محمود سلمان من أمام الوصى أدار وجهه ناحيته و (بصق) على الأرض ثم استمر فى مشيته فغضب الأمير عبد الإله غضباً شديداً ولكنه لم ينطق بكلمة وترك المكان مسرعاً عائداً إلى بغداد .. وبعدها بساعات تم تنفي حكم الإعدام .. وذكر الرجل أن صداقة قوية وعلاقة وثيقة كانت تربط عبد الإله بالعقيد محمود سلمان ،وقد تحولت هذه الصداقة إلى عداوة وثيقة كانت تربط عبد الإله بالعقيد محمود سلمان ، وقد تحولت هذه الصداقة إلى عداوة .. وتستمر الحكايات إلى ما بعد منتصف الليل .. وكان الرجل يعد لنا وجبات الطعام وكثيراً ما كان الأستاذ صديق ينتقد طبيخه خاصة عندما يطبخ الباذنجان وحينما يناقشه الأستاذ عن سبب طبخه للباذنجان يجيبه باللهجة المصلاوية (ما أعرف غيره ... أستاذ) فنضحك ..
قليل من يزور الأستاذ بداره وكان أكثر من يتردد عليه الأستاذ (فائق السامرائى) خاصة عند إصدار بيان للحزب وكانا يطلعانى على مسودة البيان ومراجعة الصياغة والتأكد من خلوه من الأخطاء النحوية .. وعدت إلى الفندق عند عودة عائلة الأستاذ من لبنان ... لم تنقطع مراجعاتى إل دائرة البعثات فى وزارة المعارف لمعرفة ما تم بشأن بعثتى إلى فرنسا ... إلى أن أعلنت الوزارة أسماء المبعوثين ولم يكن اسمى من بينهم فأسقط بيدى وزاد من حزنى أن زميلاً لى كان ترتيبه الخامس على الكلية قد قبل فى البعثة – ولم أقبل وأنا الثالث .. لذا قررت ترك بغداد والعودة إلى النجف ومزاولة مهنة المحاماة وتعاطى العمل السياسى هناك ، وعندما فاتحت الأستاذ صديق برغبتى هذه فؤجى بقرارى وحاول أن يثنينى وتساءل عما إذا كان وراء قرارى أسباب مادية أو أن وضعى المادى غير مريح ، فأجبته أن الذى دفعنى إلى العمل معه فى المكتب لم يكن العائد المادى بقدر ما هو اعتزازى به وإعزازى له لمكانته الحزبية والسياسية – وما كان العائد المادى يوماً فى حسبانى أبداً ... وعبثاً – حاول .. وأمام إصرارى وافق ودعا لى بالتوفيق والنجاح وأكد أن مكتبه مفتوح لى فى أى وقت .. وأخذت رأيه فى وضع اسمه مع أسمى فى (يافطة) للمحاماة فى الميدان الكبير فى النجف فرحب بذلك ..
وهكذا ودعته وطه خضر طه الذى حزن لفراقى وكل العاملين فى خان الحاج إسماعيل شنشل وقفلت عائداً إلى النجف .. وكانت باكورة عملينا المشترك فى المحاماة هو إشراك الأستاذ صديق فى دعوى (جنائية)( اتهم فيها طبيب يوغوسلافى مسلم يعمل طبيباً للأنف والأذن والحنجرة فى مستشفى الفرات الأوسط ومتزوج من طبيبة مصرية اسمه (د.كمال مصطفى مفتيج) وهو إبن مفتى يوغوسلافيا اُتهم بـ (قتل خطأ) أدى إلى موت معاون شرطة الكوفة أثناء إجراء عملية (بزل) جيوبه الأنفية إذ توفى بسبب حساسية إصابته بعد أن رش أنفه بمادة مخدرة لم يتحملها المعاون فأصيب بتشنج وفارق الحياة فى حين أن الطبيب قد استعمل نفس المادة المخدرة مع ثلاث مرضى قبل المعاون ولم يحصل لأحدهم أية مضاعفات .. وجاءتنى زوجة الطبيب اليوغوسلافى وكانت خائفة على زوجها من حاكم التحقيق الى رفض إطلاق سراحه بكفالة لاعتقادها بوجود علاقة قرابة بين الحاكم (الكردى) والمعاون المتوفى وهو(كردى أيضاً) وزرت زوجها فى الموقف ووقع على توكيل باسم الأستاذ صديق وأسمى ... وقد وجدت حاكم التحقيق متحاملاً على الطبيب المتهم وكأنه قد (قتل) المعاون عمداً وأمام إصرار الحاكم على إبقاء الطبيب المتهم رهن التوقيف ، طلبت والأستاذ صديق نقل القضية إلى بغداد فتم ذلك – وقد أفرجت محكمة – جزاء بغداد عن الطبيب المتهم لعدم كفاية الأدلة وأنه غير مهمل بعد أن استمعت إلى شهادات أطباء خبراء فى التخدير والحساسية وقد حفزت هذه القضية الأستاذ شنشل فلجأ إلى مجلات طبية أجنبية وقام بترجمتها تتحدث عن الحساسية وخطأ الطبيب وقد استنارت المحكمة بما جاء فيها فى إصدار قرارها السالف الذكر ، بذل الأستاذ شنشل فى هذه الدعوى جهداً كبيراً ولم ينظر إلى عائدها المادى من حيث الأتعاب فقد هزت أريحيته هذا الزواج الذى جمع بين طبيب يوغوسلافى مسلم وطبيبة مصرية جاءا معاً إلى العراق وكان سروره عظيماً عند إطلاق سراحه وظلت علاقتى بالأستاذ صديق متصلة ومتواصلة سواء على المستوى المهنى أو السياسى – فلم يكد يمر أسبوع إلا وأزوره فى مكتبه خاصة بعد توقيع ميثاق جبهة الاتحاد الوطنى سنة 1957 بين الأحزاب الوطنية العراقية ... وفى هذه الأثناء حل الأستاذ عبد الستار على الحسين المحامى بمكانى فى مكتب الأستاذ شنشل – وفى قضية جنائية منظورة أمام المحكمة الكبرى فى الحلة كنت والأستاذ شنشل وكيلين فيها عن المتهمين وكنا نحضر سوياً جلسات المحكمة وبعد 14 تموز سنة 1958 واستيزار الأستاذ صديق كنت أباشر القضية لوحدى وعند اشتداد الصراع السياسى بين أطراف الجبهة وتعرضى للمشاكل والملاحقات حل موعد نظر هذه القضية ونظراً لحراجة موقفى طلبت من الأستاذ عبد الستار على الحسين أن يحضر معى خوفاً من اعتقالى أثناء حضورى فى المحكمة خاصة وأنى كنت (طريد العدالة) وهناك أمر عسكرى بإلقاء القبض على فتردد الأستاذ عبد الستار وحاول أن يعتذر فطلبت منه أخذ رأى الأستاذ صديق فى الأمر لأنه هو وكيل أيضاً قبل استيزاره فأذن الأستاذ صديق للأستاذ عبد الستار أن يحضر معى فى القضية بعد أن عرف ظروفى بل أوصاه ألا يفارقنى .. وحضر الأستاذ عبد الستار معى فى المحكمة فتعرف على ضابط أمن المحكمة وراح ينظر نحوى بإستغراب إذ كيف تجرأت على الحضور والترافع وهناك أمر بإلقاء القبض صادر بحقى وقد أحسست بخطورة الموقف وعرفت ما ستواجهنى من مشاكل فيما لو بقيت فى المحكمة فهمست للأستاذ عبد الستار بمخاوفى وطلبت منه أن يتولى هو قراءة الدفاع (المهيئ) لأننى سأغادر الجلسة فى أول فرصة مناسبة ، وفعلاً ما أن رفعت الجلسة للاستراحة حتى غادرت قاعة المحكمة بسرعة إلى الخارج وإلى السيارة وإلى بغداد .. وعند عودة المحكمة أسقط بيد ضابط الأمن بعد أن وجد مكانى خالياً فاعتقل الأستاذ عبد الستار بتهمة أنه قام بتهريبى وكان دفاع الأستاذ عبد الستار أنه لا يعرف شيئاً عن الأمر وأنه موكل نيابة عن الأستاذ شنشل ولا شأن له بى فأطلق سراحه بعد ساعات طويلة وحضر ليلاً إلى مكتب الأستاذ شنشل وكنت أنتظره فيه وقد قلقت عليه فحكى لى ما جرى له وكان معه بقية أتعابنا فى القضية بعد الإفراج عن المتهمين وحصلت أنا على نصيبى منها ... أردت من سرد ذلك التأكيد على أن الأستاذ صديق ملتزم بموقف أخلاقى وذو نجدة ومقدام غير متهيب استوزر الأستاذ صديق شنشل وزيراً للإرشاد بعد ثورة 14 تموز سنة 1958 وكنت وقتها فى النجف مسئولا لفرع حزب الاستقلال ومقرراً لفرع الجبهة الوطنية وصبيحة الثورة حضر إلى مكتبى ممثلوا الجبهة وقررنا السيطرة على الأوضاع فى النجف ومنع أى عمل خارج نطاق الجبهة تجنباً لأى تخريب محتمل خاصة وأن نورى السعيد قد هرب من داره والثورة خوفاً من عواقب فرار نورى السعيد ... وتوجهت إلى وزارة الدفاع ولم أجد صعوبة فى الدخول إليها والصعود إلى الطابق الثانى وكانت تعج بالناس عسكريين ومدنيين وفى حركة دائبة ، وسألت عن الأستاذ صديق ، فقد علمت أن مجلس الوزراء مجتمع فى الدفاع ، فاقتادنى أحد الضباط بعد أن عرفته بنفسى إلى غرفة واسعة يحتلها ضابط برتبة كبيرة فهمس فى أذنه فرحب بى ودعانى إلى الجلوس ثم أختفى قليلاً وعاد بصحبة الأستاذ صديق فسارعت إلى احتضانه وصافحته بحرارة وهنأته بالثورة وكان التعب بادياً على وجهه بشكل واضح فمسك بيدى وقادنى إلى خارج الغرفة وقد تدلت خصلات شعره على جبينه ووقفنا فى أحد الممرات وسألنى عن الأوضاع فى النجف فطمأنته وقلت إننا مسيطرون ثم أفصحت له عن سبب مجئ لمعرفة الأوضاع بشكل أوضح ولأخذ أية توجيهات أو تعليمات ، فقال حسناً فعلت فالثورة فى إستنفار ولن يقر لها قرار وتأمن من أى عدوان ما لم يتم العثور على نورى السعيد ... وأرى – والكلام له – أن تعود إلى النجف وتعمل مع إخوانك فى الجبهة من أجل السيطرة على الأمور سواء فى النجف موقعها حساس وسط العشائر والقبائل للنظام الجديد ، فولاؤها دائما للشعب وقضاياه الوطنية وقد حضرت وفود منها إلى النجف لإعلان الولاء والتأييد للثورة المباركة فأيدنى بذلك وقال معقباً صحيح ما تقول ولكن الحذر واجب (أبوى) .. خرجت من وزارة الدفاع ، وكان الوقت ظهراً واختلطت بالناس ورحت أجوب شوارع بغداد وأتحسس مشاعر الشعب وقلقه وخوفه على ثورته الوليدة وإذا بالبشرى يتناقلها الناس وتسرى بينه مسرى النار بالهشيم فقد وصلت الأخبار عن مصرع (نورى السعيد) بعد اكتشاف أمره فى أحد شوارع بغداد وعمت الفرحة لارتفاع الخطر الذى يتهدد الثورة فيما لو ظل السعيد طليقاً .. ولكن ألسنة لهيب النار المشتعلة من حريق مصافى النفط فى ضواحى بغداد أقلق الناس أيضاً فقد أحترقت هذه المصافى بأيدى مخربة .. وكنت أرى الدخان المتصاعد إلى عنان السماء ويغطى مساحات كبيرة وكثير من الناس هرعت صوب النار المشتعلة للإسهام فى إخمادها .. وقبل أن يحل الظلام خرجت من بغداد عائداً إلى النجف ووجدت رفاقى أعضاء الجبهة فى انتظارى فنقلت لهم مقابلتى مع الأستاذ صديق ومشاهداتى فى شوارع بغداد ومهمتنا الأساسية فى النجف وما حولها ، وسألنى أحدهم : هل رأيت نورى السعيد مقتولاً ؟ فأجبته بالنفى : فأجاب (كان لازم تشوفه) فسكت ولم أعلق .. وأخت الأحداث تتسارع وكان لحرارة تموز دخل فى هذا التسارع ، إذ سرعان ما دب الخلاف بين أطراف الجبهة الوطنية وراح كل طرف يطرح أفكاره وشعاراته ويهيئ أنصاره ومريديه وكأنه يخوض معركة وفعلاً حصل كثير من الاصطدامات والتجاوزات وتحول الأصدقاء وحلفاء الأمس إلى أعداء وسالت دماء كثيرة ... فاعتدى على مكتبى بالسلاح النارى لإيقاف موكب دينى خرج منه برفع شعارات سياسية مناقضة لما هو مطروح فى الشارع الذى استولى عليه الإخوان اليساريون مستغلين وصول المواكب الدينية إلى النجف بمناسبة مرور (الأربعين) على استشهاد الإمام الحسين ..
وأعقب هذا الاعتداء المسلح أن قدمت ضدى وضد كثير من رفاقى شكاوى (كيدية) بتهمة إطلاق الرصاص من مكتبى للإيقاع بى وبرفاقى بتهمة (العصيان المسلح) فى ظل الأحكام العرفية المعلنة فأصدر حاكم تحقيق النجف أمراً بإيقافي ومعى مجموعة كبيرة من رفاقى أودعوا فى شرطة الكمارك فى النجف .. ولكنى هربت إلى بغداد حتى لا أمكن رفاقى وأصدقائى القدماء من نفسى فأقع بأيديهم وهم يتحرقون شوقاً إلى الفتك بى ، وذهبت رأساً إلى منزل الأستاذ صديق شنشل وزير الإرشاد ، وقد وصلت بغداد ليلاً فوجدت أخبار النجف قد وصلت غليه مشوشة ومغلوطة بأن أيدى أجنبية وراء العملية فوضعته فى الصورة الحقيقية فانزعج كثيراً وبان عليه الضيق وطلب منى أن أقابل (عبد السلام عارف) وزير الداخلية وأشرح له حقيقة ما جرى فالصورة عنده مشوشة أيضاً حسبما ذكر .. وعندما أبلغته أننى هارب وصادر بحقى أمر بإلقاء القبض لم يحر جواباً وبدا وكأنه مسلوب الارادة ولا يملك أن يفعل حيال قضيتى شيئاً وكرر على ضرورة مقابلة عبد السلام عارف وأوصانى بالاحتراز وأن ابتعد عن العيون المترصدة وودعنى بالدعاء وشد على يدى – فخرجت من داره وقد تأثرت للحالة التى هو عليها وهو الوزير والمسئول ويبدو وكأنه عاجز عن فعل شئ يوقف هذا التدهور والانحدار الجارف الذى سيضر بالبلد حتماً ، ولم أستطع الاختفاء أكثر من بضعة أيام كانت المساعى تبذل بجدية ونشاط من أجل الإيقاع بى وقد نجحت ودخلت معتقل (أبو غريب) وكانت تصلنى أخبار الأستاذ صديق من خلال بعض الأخوة لا تبشر بخير إذ تنقل ازدياد حالته النفسية سوءاً فهو عصبى المزاج سريع الغضب.
وبعد إطلاق سراحى بكفالة من معتقل أبو غريب زرت مكتب الأستاذ صديق فأبلغنى الأستاذ عبد الستار أن الأستاذ صديق يسلم عليك ويود أن يراك فى أقرب فرصة ، وكنت فى هذه الأثناء قد افتتحت والأخ المرحوم صبرى القنبر المحامى مكتباً للمحاماة فى شارع (المتنبى) ..
وسرعان ما أدركتنى استعدادات أنصار السلام لعقد مؤتمرهم فى الموصل وما رافق ذلك من توتر بتسيير قطار (السلام) وما صاحبه من إشاعة حصول اصطدام مع أهالى الموصل التى لا ترحب بعقد هذا المؤتمر فى مدينتهم فأرسل لى الأستاذ صديق رسالة شفهية مع الأستاذ عبد الستار بألا أبقى فى بغداد ويجب أن أغادرها سريعاً تحسباً لأى احتمال يعرض حياتى إلى الخطر ، فسافرت إلى النجف وقامت ثورة (الشواف) فى الموصل يوم 7/8- 3 سنة 1959 .. وبعد فشلها عدت إلى بغداد واتجهت رأسا إلى مكتبى المشترك مع الأستاذ صبرى القنبر فوجدت بابه مكورة وأوراقى وأضابيرى مبعثرة على أرض المكتب بغرفتيه – وأخبرنى الفراش وكان خائفاً .. ان جماعة من (الوطنيين) كسروا باب المكتب بعد منتصف الليل حيث ظنوا أننى نائم فيه وعندما لم يجدونى فعلوا ما فعلوا ثم رحلوا .. اتجهت من فورى إلى الأستاذ صديق فىوزارة الإرشاد وأخبرته ما جرى لمكتبى .. وكان الجو مشحوناً بالتوتر فالمظاهرات تملأ شوارع بغداد احتجاجاً على مقتل (عزيز سوادى) فى جانب الكرخ وهو من اليساريين المعروفين .. وكان الهتاف الذى يردده المتظاهرون يدعو الزعيم عبد الكريم قاسم إلى إعدام الخونة (لا تكول ما عندى وكت اعدام .. اعدم) فنصحنى الأستاذ صديق أن أختفى وألا أظهر علناً خوفاً على حياتى وألا أعود إلى المكتب مرة أخرى – ثم قام من مكانه وأخذ يدى قائلاً (أبوى) أنا أخاف عليك .. وكانت من لازمات الأستاذ صديق كثرة استعماله لكلمة (أبوى) .. ونظراً لكثرة التصادمات وسوء الأحوال وتصادم الآراء والإرادات فى مجالس الوزراء .. أضطر الأستاذ صديق مع بعض الوزراء أن يستقيلوا وخرج الأستاذ صديق من الوزارة .. ولم أره بعد الاستقالة فقد غادرت العراق إلى السعودية ومنها إلى مصر – والتقيت به بعد 8 شباط سنة 1963 عندما عدت إلى العراق وكنت قد انتميت إلى الحزب العربى الاشتراكى ، ولم يفاتحنى الأستاذ صديق عن انتمائي الجديد أو عن سبب تركى لحزب الاستقلال ، منعاً للحرج فهو يعرف جيداً أنه ما كنت لأترك حزب الاستقلال ، منعاً للحرج فهو يعرف جيداً أنه ما كنت لأترك حزب الاستقلال لو كان فى الإمكان النهوض به من عثرته أو ضعفه بعد تعرضه لكثير من التصدعات أوهت أركانه ونقل لى الزميل محمود البلداوى المحامى عدم رضى الأستاذ صديق عن انتمائي للحزب الجديد أو بالأحرى عتبه على ولكنه أضاف (الأستاذ صديق) أن هذه قناعات أحمد وهو حر فيها – (واختلاف الرأى لا يفسد للود قضية) .. فعلقت بقولى وهو كذلك ويظل الأستاذ صديق وقيادة حزب الاستقلال السابقة على العين والرأس وأكن لهم كل مشاعر الحب والاحترام ... ولكن علاقتى بالأستاذ صديق شابهاً بعض الفتور ولك عندما ترشح الأستاذ (فائق السامرائى) كنقيب جديد للمحامين وقد آزره ودعمه الأستاذ شبيب رئيس المكتب السياسى للحزب العربى الاشتراكى الذى أنتمى إليه .. وعملت جهدى من أجل نجاح قائمة عبد الرزاق شبيب وقد كنت مرشحاً كأحد أعضاء لجنتها الإدارية .. وحصلت اعتداءات واشتباكات بين المحامين المتنافسين على القوائم .. كانت الانتخابات تجرى فى مبنى نادى النقابة وكان الجو متوتراً بعد هذه المشاحنات ، وكنت وقتها فى حديقة النادى وسمعت الهرج والمرج فأسرعت إلى الدخول وفى طريقى قابلت الأستاذ صديق خارجاً من القاعة يهبط السلالم فى طريقه إلى مغادرة النادى ، وقد بان عليه الغضب والامتعاض فرفعت يدى بالسلام مع عبارة (صباح الخير أستاذ أبو سامية) لم يرد وكأنه لم يرنى أو يسمعنى ، وما أن وصلت إلى نهاية السلم حتى سمعته ينادينى من الخلف (ابنى أحمد) فالتفت ورائى وقلت (نعم أبو سامية) وإذا به يفاجؤنى بعتاب لم أعهده فيه وبنبرة غريبة .. قائلاً بالنص (ابنى أحمد أنى شمسويلك) فذهلت واستغربت خاصة وقد كان مقطب الجبين بالله فى سرى فتمتمت (كل خير أستاذ أبو سامية .. أنت أستاذى ..) ولم يدعنى أسترسل وإذ به يقول (إذا لماذا هذا الجحود !!) أزعجتنى العبارة وكأنها طعنة لم أتوقعها من أستاذى فتمالكت نفسى وأجبته (أعوذ بالله من الجحود ... أنا لا أعرفه وأنت تعرفنى جيداً .. أبو سامية ..) فسكت قليلاً ثم قال بنبرة فيها رقة – وكأنه أدرك وشعر أنه قد آذانى بعباراته (القاسية) .. (يا ابنى تعرف آنى أحبك ..) فابتسمت فى وجهه وقلت (وأنا كذلك يا أستاذى .. يا أبو سامية) ولم ينقذنى من هذا الموقف المحرج والعصيب بالنسبة لى غير بعض المحامين اتجهوا نحوه للسلام عليه فوجدتها فرصة فاستأذنت منه وانسحبت داخلاً إلى النادى .. ولكننى ظللت مشغول البال وأفكر وأتدبر عن معنى هذا الموقف الجديد بالنسبة لى الذى لقيته من الأستاذ صديق وقد عزوت الأمر إلى الجو المكهرب وما جرى فيه من اعتداءات واشتباكات بين المحامين شاهدها بنفسه وأثرت على نفسه وهو كاره بالأساس لمثل هذه الأجواء غير السوية .. فخرج من القاعة الملتهبة والمشتبكة فوجدنى أمامه فأفرغ شحنة الغضب بى فأستقبلتها بصدر رحب من أستاذ أكن له كل حب وتقدير ..
لم تتم الانتخابات وتدخلت وزارة العدل ووضعت يدها على نقابة المحامين وكان وزير العدل هو الأستاذ عبد الستار على الحسين المحامى فى مكتب الأستاذ صديق ، وعند تشكيل (اللجنة التنفيذية العليا) التى تمثل فيها جميع الأحزاب والحركات القومية من أجل وضع ميثاق (الاتحاد الاشتراكى العربى) كنت أمثل الحزب العربى الاشتراكى فى هذه اللجنة ، وكان الأستاذ عبد الستار على الحسين يمثل حزب الاستقلال وكان ينقل التحيات والسلامات بينى وبين الأستاذ صديق وكنت أداعبه قائلاً : هل ما زال أبو سامية زعلان منى فيبتسم ويقول أنت تعرف أنه يحبك ولكنه زعل الأب على ابنه إلى أن استوزرت سنة 1965 (وزيراً للشئون البلدية والقروية) فى الشهر السابع فجاءنى الأستاذ صديق مهنئاً فأكبرت فيه هذه الالتفاتة الجميلة التى تدل على كبر نفسه .. وعند استقالتى من الوزارة وعودتى إلى المحاماة كنت التقيه كثيراً فى مناسبات مختلفة ونتبادل التحايا ويسأل عن أحوالى .. وعند مجيئ عبد الرحمن عارف رئيساً للجمهورية بعد موت أخيه عبد السلام عارف بحادث الطائرة كما هو معروف وعقب نكسة 5 حزيران سنة 1967 اشتركت فى وزارة طاهر يحيى (وزيراً للعمل والشئون الاجتماعية) وزاملنى عبد الستار على الحسين (وزيراً للنفط) وزارنى أيضاً الأستاذ صديق أكثر من مرة إلى ديوان الوزارة ، ونصحنى أن أتروى عندما علم بنيتى فى الاستقالة ولكننى استقلت وكان آخر لقاء لى مع الأستاذ شنشل فى القصر الجمهورى ، عندما دعا رئيس الجمهورية عبد الرحمن عارف بعض السياسيين ومن تيارات مختلفة للاستماع إلى آرائهم وملاحظاتهم فيما يتعلق بسير الأمور فى البلد بعد أن أمتلأ الشارع السياسى بكثير من الإشاعات التى راحت تنطلق من هنا وهناك وأغلبها تروجها أجهزة تابعة للدولة كان همها إضعاف الحكم ثم الإجهاز عليه واستلام السلطة من عارف فقد نشط (عبد الرازق النايف – نائب مدير الاستخبارات العسكرية) والمقدم (إبراهيم عبد الرحمن الداود) آمر الحرس الجمهورى وغيرهما وقد أغرقت الشوارع بالبيانات ضد حكومة طاهر يحيى تتهمه بالفساد والرشوى .. وحضرت دعوة رئيس الجمهورية كأحد المدعوين فى القصر الجمهورى وقد بلغ عدد الحاضرين ملاحظاتهم .. وكان أبرز المتكلمين الأستاذ محمد صديق شنشل وقد استهل كلامه بالمديح والإطناب برئيس الجمهورية وراح يسلط الضوء على دوره فى تنظيم الضباط الأحرار ونشاطه فى صفوف الجيش من أجل التغيير ، وأن التواضع والزهد الذى عرف به عبد الرحمن عارف لا يلغى أو يمحو دوره سواء فى التنظيم أو التنفيذ وأطنب كثيراً فى ها المجال ، وبان على وجوه بعض الجالسين الاستغراب أن يصدر مثل هذا الكلام من الأستاذ صديق .. وما أن انتهى الأستاذ صديق من كلمته التى أثلجت دون شك صدر عبد الرحمن عارف بادر (أحمد حسن البكر) إلى الرد على كلام الأستاذ صديق قائلاً ما معناه : أننا ما جئنا إلى هنا لنكيل المديح أو نسمعه لرئيس الجمهورية إنما جئنا لبحث أوضاع البلد يا أستاذ صديق .. ثم وجه نقداً لسياسة الحكومة .. ولم يرد أحد أو يعقب على كلام البكر ، حتى رئيس الجمهورية الى تناوله البكر بالنقد لم يدافع عن نفسه وظل ساكتاً ، لم أكتم استغرابى من موقف الأستاذ صديق وإطنابه الزائد عن الحد الذى كاله للرئيس عبد الرحمن عارف وقد أزعجنى كثيراً الكلام الى تفوه به أحمد حسن البكر والسكوت أو الصمت الذى لاذ به الأستاذ صديق دون أن يرد أو يدافع عما قاله ، وكأنه أراد عدم الدخول فىمهاترات مع البكر وجماعته وآثر السلامة وليس هذا الذى اعرفه عن الأستاذ صديق فقد عهدته مقاتلاً شجاعاً تجاه رايه وأفكاره وأن كان سياسياً محنكاً يعرف كيف يدخل فى أمر وكيف يخرج منه ولكنه دون شك قد حسب موقفه جيداً وحسب ردود الفعل عما قاله فأخذ موقفه هذا ، وكنت قد هممت بالرد على البكر ولكننى وجدت نفسى فى حرج فالوقوف مع الأستاذ صديق فيما قاله معناه تأييد لسياسة الرئيس عارف وهذا ما لا أتفق معه فيه فأستقالتى من الحكومة لم يمض عليها وقت طويل وقد ذكرت فيها من أسباب الاستقالة من الحكومة لم يمض عليها وقت طويل وقد ذكرت فيها من أسباب الاستقالة الشئ الكثير مما يؤخذ على حكومة عارف فكيف يتسنى لىانأقف الآن للدفاع عن عارف وسياسته التى رفضها لما ارتكبه ويرتكبه منأخطاء وخطايا .. لذا لذت بالصمت كما لاذ الأستاذ صديق فلا هو رد على البكر ولا عارف نفسه تصدى للبكر ولا غيرهما من الحاضرين ... وهكذا مرت المسألة .. ولكن ظل الاستغراب يلازمنى حيال ما صدر من الأستاذ صديق ولم تكن الفرصة مواتية فى الجلسة لاستيضاح الأمر من الأستاذ صديق ولم تكن الفرصة مواتية فى الجلسة لاستيضاح الأمر من الأستاذ صديق نفسه .. وما ان انفض الاجتماع حتى ذهب كل فى طريقه ولم أر الأستاذ صديق بعدها .. إلى أن دهمنا جميعاً انقلاب 17 تموز سنة 1968 وتم اعتقال الأستاذ صديق مع من اعتقل من وزراء ومسئولين ممن تولوا المسئولية بعد 18 تشرين ثانى سنة 1963 (ردة تشرين) .. فما يدرينى فقد يكون ما دفع الأستاذ صديق إلى ما قاله فى تلك الجلسة للدفاع عن عارف هو حالة الضياع التى كان عليها عارف وتخلى الجميع عنه فأراد الأستاذ صديق أن يرفع من معنوياته ويشد من أزره بتلك الكلمات المشجعة ليصمد أمام التيار الجارف الذى لم يستطع الوقوف أمامه فكان أن جرفه وجرف العراق بلداً وشعباً فى انقلاب 17 تموز سنة 1968 ، ولم يتمخض عن الاجتماع أى شئ وقد علمت بعدئذ أن عبد الرحمن عارف طلب من البكر أن يزوره فى القصر الجمهورى فرفض قائلاً أن من يريدنى يحضر إلى بيتى أو يجدنى فى دارى .. ما يدل على مدى ضعف رئيس الجمهورية والاستهتار به وبسلطته خاصة وأن الترتيبات كانت قائمة على قدم وساق من أجل الإطاحة به وهذا ما حصل فعلاً فى 17/7/1968 أى بعد لقاء القصر الجمهورى بفترة قصيرة ... ويبدو أن البكر لم ينس للأستاذ صديق موقفه أو كلمته فتم اعتقاله مع من اعتقل من وزراء تشرين أوزراء (الردة) رغم ان الأستاذ صديق ليس منهم فى حين لم يعتقل الأستاذ عبد الستار على الحسين شريك الأستاذ صديق فى مكتبه رغم استيرازه أكثر من مرة ، وزيراً للإسكان ، ووزيراً للعدل ، ووزيراً للنفط ، ... وضيق على الأستاذ صديق فى معتقله واساؤوا معاملته ، وسربت السلطة إشاعة أن سبب اعتقاله هو اتفاقية (إيراب) النفطية التى تمت بين الحكومة العراقية وفرنسا فى عهد عبدالرحمن عارف وأن الأستاذ شنشل كتب عدة مقالات فى الصحف عن النفط واهميته وتسويقه قبيل توقيع هذه الإتفاقية وأن مجلة (دير شبيجل) اللمانية نشرت عن العمولات التى دفعتها شركة غيراب لبعض الأشخاص مما حدا فى حينه بالأستاذ صديق إلى إقامة الدعوى على المجلة ومقاضاتها ودحر اكاديبها الملفقة ...
وظل الأستاذ شنشل معتقلاً لفترة طويلة وقد أسيئت معاملته وتردت صحته ولكنه كان متماسكاً شأنه فى كل الأوقات العصيبة التى مر بها ... وبعد أن اطلق سراحه ظل معتكفاً بداره لفترة – وكنت وقتها خارج العراق ولكنى أتابع اخباره ،واتسقطها وهو فى مثل هذا العمر المتقدم .. وقد التقيت فى السبعينات بابنته (لمياء) وزوجها (فاروق الشابندر) فى مدينة الإسكندرية وكنت متلهفاً لسماع أخباره فطمأنتنى عنهوعن صحته رغم ما لاقاه من عنت واضطهاد طوال فترة اعتقاله فى الفضيلية ومحاولة الزج باسمه وسمعته وتاريخه ونضاله الطويل .. ولكنه تحمل وصبر وانتصر وعاود حياته الطبيعية فمثله لا يعرف اليأس.
كان الأستاذ صديق شنشل جاداً فى عمله ومخلصاً فيه سواء فى عمله الخاص أو حينما يتصدى لعمل عام وقد تدفعه هذه الجدية وهذا الإخلاص المتناهى وفى كثير من الأحيان إلى التصادم سواء مع الحكومة أو مع اى جهة اخرى ولا يبالى بالنتائج مهما كانت ... وينقل عنه أنه عندما كان نائباً فى مجلس النواب ممثلاً ع الموصل (مدينته) وقف مرة فى المجلس مطالباً الحكومة (وكانت يومئذ برئاسة نورى السعيد) أن تولى مدينة الموصل الاهتمام اللازم لأنها تعانى إهمالاً حكومياً متعمداً شمل كل المرافق فيها سواء العمرانية أو غير العمرانية وذلك لمواقفها المعروفة ضد الحكومات العراقية الممالئة للإنجليز – أو كأنها تتعرض لهذا الإهمال كعقوبة لها لأن احد أبنائها قتل القنصل الإنجليزي لا تستحق العقوبة ... وتكلم الأستاذ صديق كثيراً وعدد اوجه قصور الحكومة تجاه مدينة الموصل .. وكان تعقيب (نورى السعيد) على كلمة الأستاذ صديق أن طلب من نواب المجلس أن يقرروا نقل عاصمة العراق من بغداد إلى مدينة الموصل إرضاءاً للأستاذ صديق وضجت القاعة بالضحك.
اتسمت حياة الأستاذ صديق بالجدية وطبعت سلوكه فهو جاد جداً بعمله لا يعرف الكسل ولا يتهاون فيه او يسمح به والجدية الزائدة تجعله عصبى المزاج ولا تكاد السيجارة تفارق أصابعه أو شفتيه ، كثير الاعتداد بنفسه ، وهذا حقه فله تاريخ طويل فى العمل الوطنى والنضال منذ نعومة أظفاره ، فقد كان مدير الدعاية العام فى حركة مايس 1941 ، وتحمل عبء الدعاية لحكومة المرحوم (رشيد عالى الكيلانى) وحربها سواء مع الوصى على عرش العراق (عبد الإله) أو أشتعال القتال بين الجيش العراقى فى (الفلوجة) و (سن الذبان) والإنكسار الذى منيت به الحكومة والذى أعقبه هروب الكيلانى وبعض أقطاب حكومته ولجأ الأستاذ شنشل إلى إيران مع عائلته وهناك غرق ابنه الوحيد (إياد) فى حوض ماء فى الدار التى كان يسكنها وخلف هذا الحادث أثراً سيئاً فى نفسه ولكنه لم يتحدث عنه أبداً. وقد قضى فترة طويلة من الاعتقال فى البصرة والعمارة مع السياسيين الذين اتهموا بحركة مايس .. وبعد خروجه من المعتقل انصرف بجدية إلى العمل الوطنى معارضاً للحكومة ملتزماً جانب الشعب وانتخب أكثر من مرة نائباً عن الموصل فى مجلس النواب ، وعند تأسيس حزب الاستقلال كان نائباً عن الموصل فى مجلس النواب ، وعند تأسيس حزب الاستقلال كان أحد مؤسسيه وصار سكرتيره العام وقد بذل جهداً كبيراً فى صفوف الحزب محاضراً وكاتباً فى صحيفة الحزب وكان دائم الزيارة ونزيلاً على معتقلات العراق دون شكوى أو تمر فهو رجل قوى الشكيمة معتد بنفسه إلى أبعد الحدود وقد حباه الله حدة فى الذكاء مقنع فى حديثه ويجيد الاستماع ويعرف المحاورة والمداورة .. ويعرف من أين يدخل ومن أين يخرج ، قد يلين أحيانا ولكنه لا ينحنى ... رغم تراء أبيه لكنه أعتمد على نفسه وكافح فى عمله ونجح فيه وله علاقات واسعة بمختلف الطبقات ورغم اشتداد الخلاف بين أطراف الجبهة الوطنية إلا ان علاقته ظلت حسنة مع بعض أقطاب الحزب الشيوعى وكذا علاقته مع كل من الأساتذة (كامل الجادرجى) و (محمد حديد) و (حسين جميل) أقطاب الحزب الوطنى الديموقراطى وتربطه علاقة جيدة مع المرحوم (فؤاد الركابى) وكثيراً ما كانا يلتقيان بدار الأستاذ صديق للمشاورة أو للتعاون .. وحضرت شخصياً أكثر من لقاء بداره مع بعض ممثلى الأحزاب من أجل تحضير ميثاق للجبهة القومية قبل الانصراف إلى إقامة الاتحاد الاشتراكي العربي سنة 1964 ، وكان هو (الأستاذ صديق) يشرف على إعداد الميثاق وصياغته وتعديل بعض فقراته ...
إن محمد صديق شنشل يعتبر أحد أبرز رجالات العراق الوطنيين ولا يستطيع أن يدعى أن يخفى دوره أو يطمس تاريخه أو يصادر جهاده أو يزايد على تضحياته وخدماته لبلده العراق وأمته العربية ويكفيه فخراً واعتزازاً أنه كان الرسول المؤتمن الذى حمل إلى الرئيس جمال عبد الناصر أخبار وأسرار الثورة المرتقبة التى تفجرت صبيحة 14 تموز سنة 1958 والذى تبوأ فيها منصب وزير الإرشاد ..
وكان الأستاذ صديق شنشل عضواً فى الوفد الذى رأسه عبد السلام عارف للذهاب إلى دمشق ومقابلة جمال عبد الناصر فيها بعد نجاح ثورة تموز التى سعى شنشل بأخبارها إلى عبد الناصر فيها بعد نجاح ثورة تموز التى سعى شنشل بإخبارها إلى عبد الناصر قبل قيامها كما هو معروف ..
رحم الله محمد صديق شنشل