أشخاص كما عرفتهم

الشيخ احمد الجزائري

أحمد ألحبوبي


كنت اراه يدخل الصحن الشريف (صحن الامام علي في النجف) من باب ((العمارة)) شاباً جميل الطلعة يرتدي عمة بيضاء صغيرة ونظيفة وحسنة الهندام، وجبة عريضة من قماش فاخر، حليق الذقن الا من بعض شعرات يتركها تلف حنكه احتراماً للبزة ذات الدلالة.. فأعجب لهذا الشاب الذي يتزيَّ بزي رجال الدين وأتساءل مع نفسي.. ترى هل هو ملتزم كما هم ملتزمون..

ان خطوه السريع والملابس الفاخرة والعطر المتضوع منه تنبىء عن شخص آخر قد لا يمت الى رجل دين بصلة.. ويمر بالصحن الشريف مروراً سريعاً من باب العمارة الى باب القبلة.. ألفت رؤيته داخلاً وخارجاً وأنا أتخذ من بعض ((ايوانات) الصحن مكاناً لوحدي احياناً او مع بعض الاتراب احياناً اخرى، كنت في الصف المنتهي في ثانوية النجف وكثير التواجد في الصحن لمراجعة بعض الدروس او لانتظار بعض الزملاء وقد جعلنا من الصحن مكاناً للقاءاتنا.. الى ان التقيت به ذات يوم وجهاً لوجه واقفاً امام مكتبة (رؤوف قسام) في نهاية السوق الكبير يتصفح الكتب والجرائد والمجلات وقد جئت لشراء جريدة.. فسلمت ورد السلام بحرارة واهتمام وكأنه يعرفني عندما قام رؤوف قسام بالتعريف بيننا.. وتكررت لقاءاتنا امام المكتبة وغالباً ما تكون عصراً وأخذنا نتجاذب اطراف الحديث فوجدته متحمساً لحزب الاستقلال وللوحدة العربية وسر كثيراً عندما عرف انني ومعي مجموعة كبيرة من طلاب النجف من شباب حزب الاستقلال وان لنا دوراً كبيراً في وثبة (1948) ضد معاهدة (بورتسموت)..

شعر وسياسة

كان تعرفي به في سنة 1951.. وانجذب كل منا الى الآخر لا لمجرد الرابطة الحزبية فحسب، فقد وجدت عنده حباً شديداً للادب ومحاولات جيدة لنظم الشعر وانا كذلك.. وأخذ يعرض علي قصائد نظمها في السياسة والغزل والوصف.. وانا كذلك، لم نكتف بلقاءاتنا امام مكتبة رؤوف قسام بزمنها المحدود، فرحنا نقوم بسفرات منتظمة الى الكوفة، حيث البساتين وشط الفرات ومسجدها التاريخي، او السفر الى مسجد السهلة ونقتل الوقت بقراءة الشعر او الكلام في السياسة وآمالنا وطموحاتنا وما نتطلع ونرنو الى عراق المستقبل والامة العربية، ووجدته ينطوي على روح شفافة وحب شديد للحياة ومتعها البريئة وينظر الى جانبها الجميل، وقد اعتاد ان يحصل على كل ما يطلبه، فهو وحيد والده العلامة المعروف الشيخ عبد الكريم الجزائري (احد رجالات ثورة العشرين) فوالده لم يبخل عليه بشيء فعاش منعماً في ظل والده الحنون..

التحقت بكلية الحقوق وانتقلت الى بغداد سنة 1951 فكان يزورني عندما يجيء الى بغداد وعندما اعود الى النجف في العطلة الصيفية ازوره في ((البراني) وقد اتخذ منه صومعة له.

فقد ملأ الغرفة الكبيرة بأحسن انواع الفرش لاستقبال ضيوفه خاصة وان للبراني مدخلاً خاصاً بعيداً عن بقية البيت والعائلة، فكان يقضي اغلب اوقاته فيه وقد اتخذ منه مكاناً يلتقي فيه مع اصدقائه، واتخذناه اخيراً بعد تطور عملنا السياسي مكاناً للقاءاتنا حيث نعقد فيه الاجتماعات الحزبية مع منتسبي حزب الاستقلال من طلاب او عمال او كسبة.. وقد أدى (براني) الجزائري دوراً مهماً في احداث النجف في الخمسينيات ابان العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956.

وقررنا فتح مكتبة للشباب اسميناها مكتبة ((الشباب القومي) في اهم شارع عمالي في النجف كان يسمى ((الشارع الاحمر)) لكثرة تواجد الرفاق من منتسبي الحزب الشيوعي وضعنا فيها الكتب القومية واتخذنا منها مكاناً للقاءات شبابنا واقامة الندوات والقاء المحاضرات التثقيفية مما اغاظ الرفاق الشيوعيين جراء هذا النشاط وسط شارعهم وعلى مرأى ومسمع منهم فراحوا يحرقون الارم ويتحرقون شوقاً لغلق هذه المكتبة وقد انتهزنا حلول العطلة الصيفية فأقمنا اسبوعاً ثقافياً ودعونا من جملة من دعونا الاستاذ عبد الهادي محبوبة (الاستاذ في دار المعلمين العالية) لالقاء محاضرة في شبابنا القومي عن التربية القومية واعداد شباب الامة وامتلأت المكتبة بالحاضرين حتى فاضت الى الشارع مما اغضب الرفاق فحاولوا افساد المحاضرة بمحاولة الهجوم على المكتبة من قبل جمهرة منهم ولكنهم خابوا فقد تصدى لهم شبابنا وكادت ان تحدث معركة – لولا انسحاب المعتدين بعد ان شاهدوا تصميم الشباب على ايقاف الهجوم الغادر وكان المحرض الاول على هذا الهجوم على المكتبة رفيق حزبي وهو عامل مشهور اسمه (محمود ابو شوارب) اذ كان شارباه يشبهان شوارب الرفيق (ستالين).

وقد وقف احمد الجزائري موقفاً شجاعاً في التصدي لعدوان الرفاق فرغم حراجة وضعه (الديني) ومنـزلة ابيه الدينية وزيه غير المناسب الا انه أبى الا ان يقف بباب المكتبة وقد وضع يده على مقبض مسدسه تحسباً لأي طارىء وكان مستعداً لأي اشتباك دفاعاً عن المكتبة ومن فيها وقد اكبرت فيه هذه الروح والنفس الشجاعة خاصة بعد ان كسبنا المعركة – وحافظنا على المكتبة التي استمرت فعالياتها زمناً طويلاً.

توثقت علاقتي بالشيخ احمد الجزائري فلا نكاد نفترق خاصة اثناء تواجدي في النجف في العطلة الصيفية وكان (البراني) يشهد لقاءاتنا الحزبية مع الشباب القومي الذين يفدون اليه ليلاً لسماع الاخبار او تلقي الاوامر الحزبية او اجراء حوارات تمتد لساعات طويلة.

ورغم هذا النشاط المكثف لم يمنعنا ذلك من الترويح عن النفس فنسافر (انا وهو) الى مدينة (الديوانية) ونقضي نهارنا هناك نتسكع في اسواقها وشوارعها وما ان يجن الليل حتى نذهب الى محطة القطار انتظاراً لوصول القطار القادم من بغداد في طريقه الى البصرة فنختلط مع الناس المحتشدين في المحطة، بين مسافر ومودع وبائع مشروبات وأطعمة وصاعد ونازل فنستعرض عربات القطار (نتفرج) على الناس فيها، اشكالهم وأزياءهم نساء ورجالاً وأطفالاً تحت اضواء القطار الباهرة، وينبعث الصخب والضجيج من كل ناحية فيخلق جواً مبهجاً لم نفق منه الا على صوت صفارة القطار مؤذناً بالتحرك فنظل نتابع حركته الى ان يغيب عن ناظرينا فنقفل عائدين الى الديوانية ومنها الى النجف بعد ان نقضي قرابة الساعة في هذا الجو المرح والمتعة البريئة.

وتتعدد سفراتنا الحزبية والترويحية الى الديوانية او الحلة او الكوفة طوال فترة وجودي في النجف اثناء العطلة الصيفية وفي احدى المرات سافرنا الى (السماوة) وكان معنا كل من المرحوم (كامل الجزائري) (كان يشغل مراقب انواء جوية في مدينة الشامية) ومحمد صدقي ابو طبيخ (كان ينتمي الى حزب البعث) وأغرانا شط السماوة الهادىء العريض في النـزول اليه والسباحة فيه، وظل كامل الجزائري يحرس ملابسنا لانه لا يعرف العوم، وسبقنا الشيخ احمد في السباحة تجاه الشط المقابل وابتعد عني وعن محمد صدقي مسافة كبيرة فقد كان سباحاً ماهراً وكنت اسبح وراءه وخلفي بمسافة كان صدقي أبو طبيخ وكان الوقت ظهراً وحرارة الشمس شديدة والسكون مخيماً، واذ بي اسمع صوتاً كأنه الرعد ينبعث من صدقي ابو طبيخ وعندما التفت اليه وجدت ذراعيه يخبطان الماء وكأنه يقاوم الغرق ثم اطلق صيحة اخرى يطلب النجدة فوجدت نفسي غير قادر لوحدي على نجدته لضخامة جسمه ثم انه مصاب بالصرع فاستغثت بالشيخ احمد الجزائري أستعجله ان ينجدني لتخليص صدقي خاصة بعد ان غاص رأسه في الماء ، وبسرعة هائلة وجدت الشيخ احمد قريباً مني فنـزلنا انا وهو تحت الماء وحملنا صدقي الى فوق سطح الماء ثم جررناه الى الشاطىء بعد ان شرب الكثير من الماء، وما ان جلس على الشاطىء حتى راح في بكاء ونشيج متواصل وعندما هدأ روعه قال معللاً بكاءه انه رأى وهو يغرق ابنته الطفلة التي تبلغ من العمر ستة اشهر فخاف ان يغرق ويتركها يتيمة، ثم حلف الا يسبح بعد اليوم ابداً وقد بر بحلفه .

تخرجت في كلية الحقوق سنة 1955 ومارست المحاماة لمدة اشهر في مكتب الاستاذ محمد صديق شنشل في بغداد ثم استقر بي المقام في النجف لمزاولة المحاماة والعمل السياسي بعد ان انيط بي مسؤولية وادارة فرع حزب الاستقلال في النجف اواخر سنة 1955، فكان مكتبي مقراً للحزب نعقد فيه اجتماعاتنا الحزبية، وكان الشيخ احمد الجزائري المداوم الاول في المكتب وتعرف من خلال مكتبي على بعض الزملاء المحامين ممن يتعاطون العمل السياسي ومنهم المحامي المرحوم (موسى صبار) الذي كان رغم نزعته اليسارية، صديقاً عزيزاً كثيراً ما نجتمع سواء في مكتبه او مكتبي او في (براني) الشيخ احمد.

ثورة النجف
تسارعت الاحداث السياسية سنة 1955 خاصة بعد ان شكل نوري السعيد الوزارة وعمد الى حل الاحزاب السياسية وتعطيل الصحف تمهيداً لاقامة حلف بغداد الذي ناصبته القاهرة وعبدالناصر العداء وبرز دور المذيع احمد سعيد في اذاعة ((صوت العرب)) يحشد المشاعر العربية ضد هذا الحلف، وسرعان ما تلاحقت الاحداث بعد تأميم قناة السويس وما تبعها من تطورات معروفة انتهت بالعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 وكانت النجف سباقة في التظاهرات تنديداً بسياسة وموقف الحكومة العراقية المتخاذل امام هذا العدوان، وقد بدأت التظاهرات من المدارس حتى عمت الجميع وقد ادى (براني) الشيخ احمد الجزائري ليلاً ومكتبي نهاراً، دوراً كبيراً في ادارة التظاهرات والاضراب العام الذي عم مدينة النجف بعدئذ اثر مقتل كل من الطالبين احمد الشيخ علي الدخيلي (الطالب في متوسطة الخورنق) والطالب (عبد الامير الشيخ راضي) (الطالب في متوسطة السدير) وهو سبط العلامة السيد حسين الحمامي.. وفي مكتبي يحضر ممثل الحزب الشيوعي وممثل حزب البعث لوضع الترتيبات اللازمة لسير التظاهرات وتثبيت الشعارات او رفع اللافتات، اما في (براني) الشيخ احمد فكنا نعقد اجتماعاتنا الحزبية مع شبابنا الحزبي لاعطائهم التعليمات والشعارات او الكلمات التي تلقى.. وهكذا سيطرنا على مجريات الامور في النجف، وأفلت الزمام من يد الحكومة وشرطتها ولم تعد تستطيع ان تفعل شيئاً بعد سقوط الشهيدين المذكورين وعدد من الجرحى ما حفز رجال الدين والعلماء الاعلام على التدخل في الامر، فتم ارسال برقيات احتجاج عنيفة من قبل المراجع الدينية الى الملك فيصل الثاني تشجب وتستنكر تدخل الشرطة واستعمالهم الرصاص في قتل الابرياء من الناس واهتبلناها فرصة اذ طبعنا برقيات العلماء ووزعناها على جماهير النجف وأوصلناها الى اذاعة ((صوت العرب)) وراح احمد سعيد يكرر اذاعتها من هذه الاذاعة لاستنهاض الهمم وإشعار العرب وتعريفهم بثورة النجف وعلمائها ضد سياسة حكومة نوري السعيد وتجاوب اهالي النجف مع ابنائهم واخوانهم من طلاب وعمال فأعلنوا الاضراب العام وأغلقوا الحوانيت والمحلات التجارية والاسواق وتحولت النجف الى كتلة متراصة متلاحمة ضد الحكومة واجراءاتها التعسفية.

وعبثاً حاولت الحكومة فك الاضراب العام بعد ان أفلت الزمام من يدها بوقوف علماء الدين هذا الموقف المنحاز لاهالي النجف وادى (ديوان) العلامة الشيخ عبد الكريم الجزائري (والد الشيخ احمد) دوراً مهماً في احداث النجف اذ يجتمع فيه صباح مساء رجال دين وشيوخ لبحث الامور الخاصة والعامة وهنا يأتي دور الشيخ احمد فراح يحضر هذه الاجتماعات ويحاول بطريقته اللبقة توجيه الحديث الى الوجهة التي تخدم اهدافنا اذ يزود المجتمعين بمعلومات عن قرارات وتصرفات تقوم بها الحكومة العراقية ضد ارادة الشعب حتى يبقى جبهة العلماء متراصة ضد الحكومة..

وأذكر مرة ان (خليل كنة) وزير المعارف اتصل هاتفياً بالعلامة الشيخ عبد الكريم الجزائري وكان في ديوانه ومعه بعض العلماء يطلب منه العمل على فك اضراب النجف فما كان من الشيخ محمد جواد الجزائري (أخو العلامة الجزائري) الا ان يخطف الهاتف من يد اخيه الكبير ويصيح باعلى صوته (كان ثقيل السمع) (اسمع يا خليل يا كنة) ان دماء ابنائنا لن تذهب هدراً.. وو.. ارتج عليه الا ان الجزائري الكبير استرد سماعة الهاتف من اخيه حتى لا يتمادى في شتمه خليل كنة..

كنت والشيخ احمد نراقب الموقف حرصاً على استمرار جبهة العلماء متراصة، استمر اضراب النجف ثمانية ايام ونحن نغذيه بالتظاهرات والمسيرات وقد سيطرنا على النجف سيطرة تامة فأرسلت حكومة بغداد وفداً وزارياً برئاسة الوزير (عبد الرسول الخالصي) وعضوية الشيخ (محمد العريـبي) الى النجف للاتصال بعلماء من أجل فك الاضراب الذي اخذ ابعاداً واسعة محلياً وعربياً ودولياً، وجاء الوفد الى (ديوان) الشيخ عبد الكريم الجزائري بعد ان مر على العلماء الاعلام وقبل وصول الوفد كان الشيخ احمد قد اجتمع بوالده وأخذ يحثه على ان يظل متصلباً في موقفه ولا يتنازل عن المطالب الوطنية.

وجلست والشيخ احمد في البراني نراقب ما يجري في ((الديوانية)) وبدأ الحديث الوزير عبد الرسول الخالصي وأخذ يرجو الشيخ الجزائري وكان في ديوانه ومعه بعض العلماء يطلب منه العمل على فك اضراب النجف وراح يقدم الوعود والاماني التي ستتولى الحكومة تنفيذها من أجل النجف وأهالي النجف، ولكن الشيخ عبد الكريم الجزائري اخذ يردد هذا البيت من الشعر:

           الى ان يعود الماء في النهر جارياً    وتخضر جنباه تموت الضفادع

ثم أنحى على الحكومة باللائمة وحمّلها مسؤولية فلتان الوضع في النجف وغيرها من المدن العراقية وخرج الوفد الحكومي من الديوان خائباً وعاد الى بغداد بخفي حنين.

ولم تستسلم الحكومة امام صمود أهالي النجف فمارست ضغوطها على رجال الدين والمراجع الدينية حتى استطاعت الحصول على موافقتهم بفك الاضراب وفتح الاسواق والحوانيت بعد ان استمر ثمانية ايام بكاملها.. ثم بادرت الحكومة الى اعتقال رؤساء احياء النجف وبعض الشيوخ بتهمة التقاعس في التصدي للتظاهرات وايقافها عند حدها، ثم نقلتهم الى مدينة شثاثة (عين التمر) وهنا شعرت بالخطر محدقاً بي أنا الآخر فآثرت ترك النجف والاختفاء في بغداد ريثما تهدأ الامور ولكنني في الاخر اضطررت الى تسليم نفسي في دائرة محافظة كربلاء فتم اعتقالي مع الشيوخ في حي الحسين في كربلاء بعد نقلهم من شثاثة ولم تمتد يد الاعتقال الى الشيخ احمد الجزائري احتراماً لمكانة ابيه فظل حبيس (البراني) لا يبرحه الى ان خفت حدة التوتر.

وكان من نتيجة العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 ان ازداد التلاحم بين القوى الوطنية المتمثلة في الاحزاب السياسية وساد التنسيق والانسجام بينها بعد ان اشتركت في نضالها ضد حكومة نوري السعيد وتمخض عن ذلك قيام جبهة الاتحاد الوطني سنة 1957 من كل من الاحزاب التالية: حزب الاستقلال، الحزب الوطني الديموقواطي، حزب البعث، الحزب الشيوعي، وتشكل فرع للجبهة في النجف كنت المقرر لها وعضو ارتباط مع المركز في بغداد.

وسافرت مع الشيخ احمد الجزائري الى الاهواز سنة 1957 بعد اطلاق سراحي من المجلس العرفي الذي احلت اليه في الديوانية وخرجت بكفالة نقدية كبيرة، ولآل الجزائري بساتين عامرة في المحمرة اعتاد الشيخ احمد الجزائري ان يسافر الى هناك سنوياً لاستلام ريعها، وقضينا هناك اياماً حلوة وعشت في اجواء القبائل العربية المقيمة بين المحمرة والاهواز وعبادان.. بني طرف وكعب، وأزيرج وغيرهم.

ثورة تموز

وتوج نضال الشعب العراقي بقيام ثورة 14 تموز/يوليو سنة 1958 وقد احسن الشعب العراقي استقبالها ظناً منه انها خاتمة المطاف وانها ستضع حداً لمعاناته وتضحياته الكثيرة.. ولكن سرعان ما دب الخلاف بين اطراف الجبهة وانعكس هذا الخلاف على الشارع واحتدم الصراع وتعرضت شخصياً الى الاعتداء على مكتبي اذ هوجم من قبل اصدقاء الامس وحلفائه ولفقت ضدي تهمة كاذبة اعتقلت بموجبها ومعي مجموعة كبيرة من الاخوان في معسكر ابو غريب مدة اشهر طويلة ولم يشمل هذا الاعتقال الشيخ احمد الجزائري ايضاً احتراماً لمكانة ابيه ولانه لم يكن وقتها في مدينة النجف حيث كان في بغداد بعيداً عن مسرح العمليات، وما أن عاد الى النجف حتى لازم (البراني) لا يبرحه خوفاً من الاعتداء عليه بعد ان تم اعتقالي واعتقال اغلب القوى القومية في النجف وظل هو طليقاً.. وحتى عندما تم اطلاق سراحي بكفالة قلّت لقاءاتنا سواء في النجف او في غيرها تحاشياً للمشاكل خاصة بعد ان استولى على الشارع تيار لا يرعوي ولا يقيم وزناً لاي اعتبار..

وسرعان ما تلاحقت الاحداث حتى وصلت الى ثورة الشواف في الموصل في 8/3/1959 وكنت يومها في بغداد وعدت سريعاً الى النجف، ولم أستطع مقابلة الشيخ احمد لانه معتكف بداره لا يبرحها، وانا لا اكاد اظهر علناً خاصة بعد ان جدّت في طلبي عناصر موتورة تتحرق شوقاً الى اغتيالي او سحلي، فاضطررت ان اغادر الى خارج العراق وهكذا تركت النجف في طريقي الى السعودية في 23/3/1959.

وظل الشيخ احمد الجزائري في النجف لا يبرح كما ذكرت.. والتقيت به في القاهرة سنة 1960 وقد جاءها قبلي لاجئاً سياسياً وعادت علاقتنا السابقة يحدونا الامل ان نعود الى عراقنا الحبيب بعد ان يتحرر من حكومة عبد الكريم قاسم، وصباح ذات يوم طالعتني جريدة الجمهورية بخبر استشهاد الشيخ احمد الجزائري بحادث سيارة مشؤوم حيث كان بصحبة (محمود الدرة) عائدين من المطار فاصطدمت السيارة التي يقودها الدرة بسيارة عسكرية معطلة في طريق المطار المظلم فكان ان توفي الشيخ احمد في الحال نتيجة نزيف دموي برأسه، وأصيب الدرة برضوض بسيطة، وذهبت الى مشرحة (زينهم) لأرى اخي وصديقي الشيخ احمد الجزائري جثة هامدة يرقد في ثلاجة وقد رفض عبد الكريم قاسم ان ينقل جثمانه الى العراق ويدفن بمدافن عائلته بجانب والده الذي سبقه الى الدار الآخرة بعام.. فدفن بمقابر العلماء في البساتين في تشييع مهيب اشترك فيه علماء الازهر ورجالات عربية كثيرة ولم يتعد عمره الاربعين.

لم يميزه عن أي (أفندي( الا العمامة البيضاء والجبة، فرغم سمته الديني الذي التزم به لباساً الا ان قراءاته ومطالعاته حديثة ومتطورة فكان يقرأ في السياسة والتاريخ والجغرافيا والادب لمؤلفين عرب واجانب وله محاولات تعلم اللغة الانكليزية، ويقرأ في الشعر ويستمع الى الغناء ويحب المسرح وكثيراً ما كان يذهب اليه والى السينما عندما كان في القاهرة، حليق اللحية الا من بعض شعرات تغطي حنكه، يحب الطيب، وعندما كنت اقسو عليه أحياناً لتصرف يصدر عنه لا ارتضيه كان يجيبني انه (هو الآخر شاب.. ويحب الحياة..) كان طيب القلب لا يقوى على (زعل) صديق له يحبه.. كريم اليد وطاهر النفس ويعتز بكرامته ويتفانى من أجل عروبته.. كان شجاعاً لا يتردد في اقتحام المصاعب او المتاعب من أجل عقيدته دون ان يشعر بحرج لوضعه الديني وعمامته.. مقبل على الحياة وكثيراً ما كان يردد على مسامعي انهم عائلة معمرة.. اراده والده عندما أحس باقتراب منيته ان يعود الى العراق كي يراه قبل ان يموت ولكنه رفض الرجوع الى بغداد يوجود عبد الكريم قاسم فمات ابوه حسرة عليه ولكنه لحق بأبيه بعد عام من وفاته فقد اخترمه الموت وهو في ريعان الشباب رحمه الله.

كتاب أشخاص كما عرفتهم

الاستاذ أحمد الحبوبي

دار الحكمة - لندن                                                     

2002