أشخاص كما عرفتهم :"الفريق طاهر يحيي"
أحمد الحبوبي
سمعت باسمه لأول مرة عند تعيينه مديرا للشرطة العامة بعد انقلاب 14تموز سنة1958،ثم اختفت أخباره في خصم الصراع الذي احتدم بعد الثورة بين فصائل القوى الوطنية،وكأن أن أصابه رذاذ هذا الخصام فأحيل إلى التقاعد وتم إبعاده عن الجيش الذي تزاحمت كافة القوي الوطنية في أن يكون لكل منها أنصار ومؤيدون ومحاربون من الضباط لإحداث الانقلاب المضاد عند اللزوم...وغبت عن العراق سنة1959،وعندما عدت إلية بعد انقلاب 8 شباط سنة1963 كان طاهر يحيي رئيسا لأركان الجيش...ورايته عن قرب وصافحته عندما حضر مع كوكبة من رجال السياسة والجيش حفلة خطوبه(عمار علوش)عضو مكتب التحقيق في حزب البعث وكنت مدعوا فيها ايضا...
وجلس قريبا منى فرحت أختلس النظر إلية من حيث لا يشعر...كان اسمر اللون ،مربوع القامة،أميل إلى القصر،ممتلئ الجسم،وبكرش بارز..ثم برز اسمه واحدا من القيادة القطرية لحزب البعث التي تم انتخابها في اجتماع عاصف في مؤتمر حزبي،تكرس فيه انقسام حزب البعث الحاكم إلى اليمين واليسار...مما سهل على عبد السلام عارف وحردان التكريتي وطاهر يحيي،والفصيل القومي القيام بانقلاب18 تشرين ثان سنة1963...وصعود التيار القومي واستلام السلطة تحت رئاسة عبد السلام عارف...ويبدو ان انخراط طاهر يحيي في صفوف حزب البعث كانخراط عبد السلام عارف فيه...لم يكن بدافع الإيمان المطلق بعقيدة وطروحات وشعارات هذا الحزب،بقدر ما أراد كل منهما ومن خلال تعاونهما معه الوصول إلى الهدف الذي يسعيان إلية وهو إسقاط حكم عبد الكريم قاسم الذي تولى حزب البعث هذه المهمة،لذا سرعان ما نزع كل من طاهر يحيي وعبد السلام عارف قميص البعث وتنكرا فيه،وأعلنا إيمانهما بقوميه عربيه وبوحدة عربية تختلف عما كان يطرحه ويفهمه حزب البعث...بل تنكرا لأي تحزب في الجيش ،ولم يخف طاهر يحيي رأيه من انه يؤمن بالقومية العربية وبالوحدة العربية ولكنه لا ينتمي إلى أي حزب أو حركة أو تنظيم وبدا حاكى عبد السلام عارف في هذا الاتجاه ...وكان لا بد ان يتولى طاهر يحيي رئاسة الوزراء بعد 18تشرين سنة1963فهو الأقرب إلى قلب وفكر عبد السلام عارف فمسيرتهما العسكرية السياسية تكاد تكون متشابهة...وقد نجح طاهر يحيي في ان يحوز ثقة عبد السلام عارف من خلال صحبة ورفقة طويلة قطعاها معا في تنظيم الضباط الأحرار واطمأن كل منهما على الآخر...،كما نجح طاهر يحيي في ان ينهض بأعباء المسئولية الكبيرة الملقاة على عاتقة كرئيس للوزراء...
فقد استعان بالخبرة المطلوبة وأحاط نفسه بخبراء يستشيرهم في كثير من الأمور التي يحتاج فيها رأي ومشورة،ولم يدع بطرا أو تبجحا انه ذو قابليات خارقة امكانات لا يأتيها الباطل من بين يديها أو من خلفها،فالرجل العسكري ويعرف تماما قدراته وقابلياته،ولكنه لم يمار أو يدعي أو يتعالى،فقد كان كما لمست،تواقا لان يتعلم وكان والحق يقال سريع التعليم والاستيعاب،وهذا ما شهدته بنفسي بعد اشتراكي معه في المسئولية في تجربتين خرجت منهما بهذا الانطباع...
في مساء العاشر أو الحادي عشر من تموز سنة1965تلفن إلى بيتي المرحوم(عبد الله مجيد)سكرتير الرئيس عبد السلام عارف مبديا رغبة عبد السلام عارف ان أوافية إلى القصر الجمهوري بقدر ما أستطيع من السرعة...اخبرني عبد السلام عارف عن نيته إجراء تعديل وزاري ويرغب في ان اشترك في وزارة يرأسها طاهر يحيي،وزيرا للشئون البلدية والقروية خاصة وان قضية اشتراكي في الوزارة سبق ان نوقشت معه ومع الحزب الذي انتمى إلية في سنة1964بعد قيام تنظيم الاتحاد الاشتراكي العربي على أمل ان تتشكل وزارة قومية الاتجاه وهذا لم يحصل وقتئذ...
وقال عارف انه مستعد الآن لقبول كل شروطي الشخصية والحزبية لدخول الوزارة...فأعدت على مسامعه ما عندي من شروط يعرفها جيدا فقبلها ووعد ان يعمل جهده من اجل إنقاذها ورجاني ان أقابل طاهر يحيي صباحا حيث ينتظرني في المجلس الوطني...وفي الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم كنت جالسا أمام طاهر يحيي وجها لوجه بعد ان ترك مكتبة وجلس على كرسي قبالتي،فوجدت الجل قد ازداد بدانة،وبدا اكبر عمرا عما رايته من قبل...فكان ان افتتح الكلام بعد السلام والتحية بقوله(أنت لا تعرفني أستاذ....ولكن أنا أعرفك جيدا،وان لم التق بك،فانا اعرف ماضيك ومواقفك...والرئيس عبد السلام عارف حكى لي عنك وهو يحبك...ويشرفني ان تشاركني المسئولية...)ثم سكت ينتظر الرد فقلت:أنا أعرفك ايضا واعرف ماضيك،وأنت تعرف إنني كنت بالأمس مع عبد السلام عارف...ولم يتركني استكمل حديثي فقاطعني بقوله نعم اعرف وقد أطلعني الرئيس على كل شروطك وأنا موافق عليها وستجدني معك وفي صفك...أنا قومي يا أخي مثلك...ثم فوجئت به يقول بصوت مرتفع وفيه انفعال"شنو قصة عبد الزهرة...وعبد الحسين...مو عيب تأخذ كل هذه الأبعاد..."... وبالمناسبة فقد كانت كلمة (الأبعاد)تتردد على لسانه كثيرا في كل لقاء أو اجتماع...ويبدو انه عاد معجبا بهذا التعبير...سالت طاهر يحيي بكثير من الاستغراب عن موضوع(عبد الزهرة وعبد الحسين...)أجاب موضحا ان العلامة السيد محسن الحكيم(المرجع الديني المعروف)يتهمنا بالطائفية وإننا نعوق أو نعرقل أية قضية أو معاملة تخص أي شخص أسمة(عبد الزهرة أو عبد الحسين)أو ما شابههما يراجع دوائر الحكومة باعتبارها من أسماء الشيعة ودلالة على إننا طائفيون ونميز بين أفراد الشعب...ثم سكت...فسالت عن كيف وصل إلية هذا الكلام المنقول عن العلامة الحكيم!(فأجاب وبسرعة هذا الكلام يتردد في مجالس السيد الحكيم نفسه وقد وصلتنا الأخبار...)
فقلت..ست بصدد الدفاع عن السيد الحكيم فهو لا يحتاج لدفاع مثلي واشك ان القضية مفتعلة مثلي جملة وتفصيلا لزراعة بذرة الخلاف والشقاق بين أفراد الشعب العراقي فالسيد الحكيم وكما اعرفه شخصيا ضد التعصب الطائفي ويدعو إلى وحدة المسلمين...وحتى لا يطول بنا الحديث والموضوع شائك ومعقد وخطير فالرجاء إعادة النظر بما نقل إليك أو بلغ اسامعك فالسيد الحكيم اكبر بكثير من هذه القضية فهو بمركزة الاسلامي الخطير لا يتعاطى بمثل هذه المسائل التي تعود على الإسلام والمسلمين بالضرر والفرقة...وعلي الحكومة من الرئيس إلى اصغر موظف ان تقدر أهمية وحدة نسيج الشعب العراقي وتحافظ على هذه الوحدة بنية صادقة وضمير حي وتبتعد عن كل ما هو شانه تمزيق هذا النسيج...فسكت ثم أراد ان يزيل حسب ما ظنه ما قد علق في نفسي من وشب فقال:شهد الله إنني لا افرق بين أبناء الشعب العراقي لا بين سنة لا شيعة أو كردي وعربي فانا عراقي وأحب كل العراقيين فابتسمت وقلت(ان شاء الله...)باشرت،بعد أداء اليمين،مهام وزارة الشئون البلدية والقروية في 12تموزسنة1965،ومر أسبوع أو يزيد قليلا وان منشغل في تلمس طريقي في هذه الوزارة...وفي اجتماع لمجلس الوزراء عقد في العشرين من تموز قرأ طاهر يحيي من ورقة أخرجها من جيبه ما معناه:ان السيد رئيس الجمهورية يرغب ان يسافر وفد وزاري إلى(الجمهورية العربية المحتدة)للتهنئة بذكري ثورة 23يوليو...وان الوفد يتشكل من(طاهر يحيي)رئيس الوزراء وناجي طالب(وزير الخارجية)واحمد الحبوبي(وزير الشئون البلدية والقروية)ويرافق الوفد رئيس أركان الجيش(عبد السلام عارف)ومر الخبر دون تعليق وكأنه حصل على الموافقة،وان قراءته كان لمجرد العلم فقط،ولا أنكر إنني فوجئت كما فوجئ مجلس الوزراء،وبعد الجلسة اتصلت بعبد السلام عارف لمعرفة المعيار الذي تم بموجبه اختيار أعضاء الوفد وعن سبب اختياري ضمن الوفد...
فكان الرد وهو يضحك(ما وحشتك مصر...)وفعلا كانت مصر قد وحشتني بعد ان قضيت فيها ثلاثة سنوات...
أقلتنا طائرة(شارتر)وكان معنا على الطائرة(عبد السلام عارف)رئيس أركان الجيش ومعه وفد عسكري كبير،وقد استقبل وفد العراق بحفاوة بالغة ونزل ضيفا في قصر الطاهرة،وحضر جميع الفعاليات والاحتفالات التي أقيمت في القاهرة بمناسبة ذكري ثورة23يوليو بما فيها حفلة غنائية لام كلثوم في نادي الضباط في الزمالك...استقبلنا جمال عبد الناصر في بيته عصرا،وكان حريصا ان يسمع من الوفد العراقي ما يطمنه عن الوضع في العراق وما يمر به من مشاكل بعد استقالة ستة من الوزراء اعتبرهم الإعلام الغربي من (القوميين)على اثر خلاف بين عبد السلام وعبد الكريم فرحان(وزير الثقافة والإعلام) ودار الحديث مع عبد الناصر عند استقباله لنا كوفد عراقي حول هذا الموضوع...وتكلم طاهر يحيي بعد ان انهي جمال عبد الناصر عبارات الترحيب التقليدية فقال...إننا نحمل تحيات حارة من أخيك عبد السلام عارف...وكان بوده ان يحضر بنفسه لتقديم التهنئة بهذه المناسبة لولا المشاغل الكثيرة...ثم راح طاهر يحيي يقلل من حجم الأزمة التي ضخمها الأعلام الغربي لأسباب معروفة قائلا:ان الأمر لا يعدو عن خلاف بسيط في وجهات النظر بين الإخوة...وأنا اطمئن سيادتك ان العراق بخير وستحل كل المشاكل بروح أخوية...فقال عبد الناصر بعد ان استمع جيدا لما قاله طاهر يحيي...انه يرحب بمجيء الأخ عبد السلام عارف إلى القاهرة ليقضى بعض الوقت معنا وتهدا أعصابة ويستريح من ضغط العمل ...ويا حبذا ييجي...ثم تشعب الحديث(كما دونته في حديثي عن جمال عبد الناصر في هذه الأوراق)...وقد لفت نظري ان طاهر يحيي كان قد اعد نفسه جيدا لهذا اللقاء مع جمال عبد الناصر،فقد كان ينتقي عباراته بحساب وردوده كذلك وبهدوء...وبدا واثقا من نفسه ولم اخف إعجابي به...
وسافر الوفد إلى الإسكندرية لحضور الاحتفالات هناك وخصصت لنا سيارتان...أقلت الأولي كلا من طاهر يحيي،ورجب عبد المجيد(السفير العراقي المنقول)وكنت معهما وأقلت الثانية ناجي طالب وشكري صالح زكي(السفر الجديد).وفي الطريق استمعت إلى حديث طويل بين طاهر يحيي ورجب عبد المجيد عن ذكرياتهما عن ثورة 14تموز سنة1958والاعداد لها ثم الخلافات بعد قيامها التي حصلت بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف...واخذ طاهر يحيي يذكر رجب عبد المجيد عن الاجتماع الذي بعض الضباط اجمعوا على ان يكون(ناجي طالب) هو الرئيس لهذا التنظيم الذي يعد العدة للانقلاب على حكومة عبد الكريم قاسم...وكيف ان الأمور سارت بعدئذ باتجاه التعاون مع حزب البعث بعد التأكد من وجود خطة جاهزة لديه للانقلاب العسكري...ولم اذكر ان طاهر يحيي قد ذكر عبد الكريم قاسم بسوء رغم اختلافه معه وعمله ضده...بل شعرت انه يكن له احتراما وتقديرا...
وحل الوفد العراقي في قصر الصفا في الإسكندرية وحضر احتفالات الإسكندرية وأولم لنا جمال عبد الناصر وليمة غذاء بفيلته في شاطئ المعمورة(وذكرت ذلك ايضا وبتفصيل عند الحديث عن جمال عبد الناصر...).
استغرقت زيارتنا لمصر مدة أسبوع وكان الوفد العراقي محل ترحيب واهتمام عند الأوساط الرسمية والشعبية ويقابل بالهتاف والتصفيق أينما حل ونجح طاهر يحيي ان يملا المكان الذي يتبوأه كرئيس وزراء ورئيس وفد العراق فأحاديثه ومداخلاته كانت حسنه.وأولمت كثير من المآدب علي شرف الوفد العراقي...واذكر ان السيد (عبد الحميد السراج)قد دعا الوفد العراقي إلي وليمة غذاء في نادي الجزيرة المعروف في القاهرة ودعا ايضا(عبد الرحمن عارف)رئيس أركان الجيش العراقي الذي رافقنا في الرحلة...وعلي مائدة الطعام سال السراج طاهر يحيي ما إذا كان يرغب في بشرب(الويسكي أو البيره)فاعتذر طاهر يحيي عن الشرب وانه يكتفي بالماء البارد ثم اعتذر ناجي طالب ايضا عن الشرب عندما سؤل ثم اعتذرت أنا كذلك،ولكن عبد الرحمن عارف قال (أريد بيرة)قالها بصوت عال فما كان من طاهر يحيي إلا ان يلتفت إلية ويشتمه بكلمة عراقية ثقيلة قائلا...يا...ألا ترانا جميعا قد اعتذرنا عن الشرب فلماذا أنت تشذ...ألا تستحي...فأجابه...(أبو زهير يقولون البيرة المصرية ممتازة...)فكرر علية طاهر يحيي نفس الشتيمة...ولم يبال عارف وأصر علي شرب البيرة وكان له ما أراد...
ولاحقا وعندما تولي عبد الرحمن عارف رئاسة الجمهورية في العراق سنة1966ويحضر أحيانا اجتماعات مجلس الوزراء يهب طاهر يحيي واقفا له بكل الاحترام ويقول له(نعم سيدي)أتذكر تلك الشتيمة الثقيلة في نادي الجزيرة في القاهرة واضحك في سري واردد(سبحان مقلب الأحوال...).
لم يطل مكوثي في وزارة طاهر يحيي فقدمت استقالتي إلى عبد السلام عارف رئيس الجمهورية،وقبلت بعد مماطلات إذ كان عبد السلام عارف رافضا قبولها،فخرجت من الوزارة بعد أربعين يوما وعدت إلى مهنة المحاماة-ولم اعد التقي بطاهر يحيي،وان كانت استقالتي لم تقلل من إعجابي به لتصميمه علي تثقيف نفسه وإعدادها لأنه يكون رجل دوله،وان كان مركزة قد تضعضع بعض الشيء عند عبد السلام عارف الذي ارتأى استبداله برئيس وزراء آخر.فكان اختياره لعارف عبد الرازق ان يحل محل طاهر يحيي...
وظل طاهر يحيي-وهو خارج محل الوزارة محل تقدير واحترام من قبل الكثير من الضباط والمدنيين،وظل بعيدا عن المسئولية إلى ان أعادة عبد الرحمن عارف(رئيس الجمهورية الذي حل محل أخيه عبد السلام بعد احترافه بطائرة هليكوبتر كما هو معروف)قبل نكسة حزيران سنة 1967...
واذكر انه ذهب في وفد عراقي لزيارة مصر إبان اشتداد الأزمة التي سبقت النكسة وطار طاهر يحيي والوفد العراقي صبيحة يوم 5حزيران مع حسين الشافعي(نائب رئيس جمهورية مصر)لتفقد القوات المصرية في سيناء فهوجمت طائرته كما هوجمت المطارات في سيناء من قبل الطائرات الإسرائيلية إذ بدا العدوان صبيحة ذلك اليوم ولم يجد الطائرة التي تقله مطارا صالحا للهبوط فيه ولكن الطيار استطاع ان ينزل في احد مطارات سيناء غير المضروبة وكانت الطائرات الإسرائيلية تلاحق الطائرة مما اضطر طاهر ومرافقوه إلي رمي أنفسهم من الطائرة إلي ارض المطار دون استعمال سلم الطائرة تخلصا من قصف الطائرات الإسرائيلية وراحوا يركضون للابتعاد عن الطائرة التي صارت طعمه سائغة لقذائف الطائرات الإسرائيلية...كما روي الحادثة بنفسه بعد حين.
وفي احد أيام تموز سنة 1967 زارني طاهر يحيي وكان معه عبد الكريم فرحان في مستشفي(الألوسي)حيث كنت راقدا فيه بعد إجراء العملية جراحية(للبواسير)وفاتحني ان اشترك معه في الوزارة الجديدة المنوي تشكيلها،وكان حاضرا احد(القوميين)جاء يزورني هو الآخر في المستشفي وسمع عرض طاهر يحيي بشان التشكيل الوزاري الجديد فما كان منه إلا ان عدل من جلسته ووضع رجلا فوق رجل ليبدو حذاؤه قبالة طاهر يحيي فحدجته بنظرة لأشعره بسوء تصرفه الذي لا يليق ولكنه لم يبال وظل على وضعة وكأنه يتحدى طاهر يحيي بتلك الجلسة وقد شعر طاهر يحيي بحركته تلك ولكنه تجاهله تماما وتماسك أعصابه ولم يعره أي اهتمام وظل يتحدث عن مشاريعه الوزارية وقال أخيرا:ما رأيك...يا أستاذ فأجبته ان الظروف تحتم المشاركة وتحمل المسئولية ولكن بشروطي ولم يدعني أكمل فقال ضاحكا:أنا موافق ولكن مو أربعين يوم ثم"تبطل..."قام طاهر يحيي مودعا ولم يتزحزح الأخ القومي من مكانه وما ان خرج الرجل حتى انفجر فيه لوما وتوبيخا على سوء تصرفه الذي يحسب انه يسيء إلى طاهر يحيي وكان جوابه ان طاهر يحيي من(المليانين)وأنا من الكادحين والمسحوقين فكان جوابي له ان أحسن الأخلاق والتربية والتهذيب لا تفرق بين الغني والفقير...وتمر الأيام ويدور الزمن وإذا بهذا الأخ الكادح والمسحوق يتحول إلى رجل أعمال كبير يجمع من الدولارات جراء تعاطيه الأعمال التجارية في بلد عربي خليجي اتخذه مقرا له ولنشاطه التجاري الواسع ثم هاجر أخيرا إلى أمريكا ونسي حكاية الفقر والكدح والانسحاق ولم يفكر حتى في مساعدة الفقراء والكادحين وان طاهر يحيي يموت مفلسا في العراق بعد ان حرم من المعالجة في الخارج وانطفأ نور عينية قبل وفاته.
قبلت المسئولية بعد النكسة حزيران سنة 1967على أساس إعداد العراق للمعركة القومية القادمة مع الصهيونية والإمبريالية الأمريكية وسميت الوزارة(وزارة حرب وبناء)وتكريس العمل من اجل المجهود الحربي وقبلنا التنازل عن جزء من رواتبنا إسهاما في هذا المجهود،خاصة وان جمال عبد الناصر مصر علي مواصله القتال وأطلق شعاره المعروف(ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة)ولا بد (من محو آثار العدوان)...فوضعت الوزارة خطة طموحة للنهوض بالعراق وحشد طاقاته من اجل التنمية وان تسير جبنا إلى جنب المجهود الذاتي،وكان ضمن الخطة العمل على حمل الإخوة العرب،وخاصة الخليجيين على استثمار أموالهم في مشاريع صناعية وزراعية في العراق،ومن اجل ذلك سافر وفد برئاسة طاهر يحيي ضم كلا من:عبد الكريم فرحان(وزير الزراعة)وخليل إبراهيم حسين(وزير الصناعة)ود:مالك دوهان الحسن(وزير الإرشاد)واحمد الحبوبي(وزير العمل والشئون الاجتماعية)إلى الكويت ومعه خطة مدروسة من اجل إسهام الكويتيين رسميين وغير رسميين في مشاريع زراعية وصناعية تنفذ في العراق وأعددت دراسة من اجل انتقال الأيدي العاملة بين البلدين-العراق والكويت وتحسين أحوال العمالة العراقيين الموجودة في الكويت والتي يبلغ عددها عشرات الألوف...وعقدت جلسات رسمية وشعبية بين الوفد العراقي والإخوة الكويتيين الذين قابلوا وفدنا بترحاب وابدوا رغبتهم الأكيدة في التعاون والتنفيذ بعد الدراسة....حتي ان الوفد العراقي تلقي طلبات من بعض الإخوة الكويتيين يطلبون تخصيص مساحات واسعة من الأراضي العراقية تستقطع لهم من اجل زراعتها.بمختلف المحاصيل...
وعاد الوفد إلى العراق وكله أمل ان ينفذ الإخوة الكويتيون وعودهم ولا ادري ما تم بشان ها الوعود وعما إذا نفذت بعضها أم لا..فقد استقلت من الوزارة بعد عودتي من الكويت وبعد ان ساءت الأمور ولم يعد بالمستطاع تحمل المسئولية عن أخطاء وخطايا ترتكب فبمرور الأيام ازداد اليقين عندي وعند غيري من الزملاء من إننا غير قادرين على تنفيذ ما جئنا من اجل تنفيذه من مشاريع وكأن قوة خفية تحرك الأمور وتشدنا إلى الخلف وتعيق تقدمنا فهناك عقبات كثيرة وضعت أمام الحكومة للحؤول دون تنفيذ مخططها التنموي أو العمل الجدي من اجل المجهود الحربي وكانت احدي المشاكل الرئيسية هي القضية الكردية والحقوق المشروعة للإخوة الأكراد فهناك تيار قوى في الجيش والحكومة يدفع ناحية التشدد ويدعو إلى مواصلة القتال الأمر الذي يستنزف طاقات الجيش والبلد فهناك مصالح غير مشروعة وراء تجدد القتال مع الإخوة الأكراد فقد راجت تجارة التهريب من إيران ويتولاها ضباط من الجيش العراقي يهربون السجاد والسكاير وغيرها وتتردد أسماء كبيرة من الضباط متورطة في عمليات التهريب...وقد أوليت أنا والمرحوم عبد الهادي الراوي(وزير الشباب)هذا الأمر أهمية كبيرة وجمعنا أدلة وبراهين ومستندات ضد ضابط كبير يخدم في الشمال...وذهبت أنا والراوي وطاهر يحيي في مكتبة وعرضنا علية ما عندنا من أدلة ومستمسكات وإدانة ضد الضابط الكبير الذي يتولى قيادة الجيش في كردستان العراق وتجاوب معنا طاهر يحيي وكغنة صدم من هذه المعلومات ونحن جلوس رن تليفون طاهر يحيي...ورفع السماعة وما ان عرف المتحدث حتي صاح بصوت عال:(أهلا..أهلا بالبطل....)وراح يثني ويطنب على شجاعة هذا البطل المغوار ويعدد انتصاراته الباهرة في الشمال... وإذا بهذا البطل المتحدث هو عين الشخص الذي جئت والراوي إلى طاهر يحيي من اجل ان يضع حدا لتجارته الواسعة في التهريب...ووضع طاهر يحيي السماعة حتى التفت نحونا ونظر في وجهينا وإذ بنا نحن الثلاثة وبوقت واحد ننطلق بضحكة عفوية مدوية...ثم قال مداريا لموقفة المخجل...(يا إخوان شسوي ...مو بيدي...أرجوكم قدروا موقفي...)فقمت والأخ الراوى ولم نعلق فالموقف الذي رأيناه لا يحتاج إلى تعليق والرجل (طاهر يحيي)اعترف انه غير قادر على إجراء التطهير المطلوب... وازدنا قناعة بضرورة الاستقالة وعدم تحمل المسئولية وواكب هذه التجاوزات إصرار بعض المنتفعين ومنهم ضباط في الجيش على عودة(سباق الخيل)بعد ان أوقف لما فيه من أضرار وعامة تمس صميم المجتمع العراقي وذهبت محاولاتنا سدي في مجلس الوزراء من اجل عدم إقرار قانون(الفروسية)الذي يبيح عودة المراهنات ووقف طاهر يحيي(رئيس الوزراء) (مكرها)في صف القانون نتيجة الضغوط التي مورست علية...وكان هذا القانون الذي وافق علية مجلس الوزراء بالأغلبية،القشة التي قسمت ظهر البعير فتقدم ستة من الوزراء باستقالاتهم وهم:الدكتور محمد جواد العبوسى(وزير المالية) والدكتور احمد الشماع(وزير الصحة)وعبد الهادي الراوي(وزير الشباب)والدكتور عبد الرحمن القيسي(وزير التربية)والدكتور عبد الرازق محيي الدين(وزير الوحدة)واحمد الحبوبي(وزير العمل والشئون الاجتماعية)وعبثا حاول طاهر يحيي إثناءنا عن الاستقالة وكذلك حاول عبد الرحمن عارف(رئيس الجمهورية)المغلوب على أمره...
خرجت من الوزارة في الشهر الواحد سنة1968وقد أمضيت فيها قرابة الستة اشهر...واذكر عندما قابلت طاهر يحيي لتقديم الاستقالة قلت له انه إنني نفذت وعدي لك فلم استقل خلال أربعين يوما،كما في المرة السابقة،بل قضيت معك ستة اشهر وهذه مدة طويلة وكان بودي ان نستمر ولكن،فسلط على نظرة مدة طويلة...ودن ان ينطق وقد لاحظت الحزن علية وتركته وانصرفت...
ان الإنصاف يقتضى التنويه إلى ان الراجل كان مجدا ومجتهدا ومخلصا في عمله يقرا ويستوعب ويتابع...فهو قارئ جيد،ومستمع جيد،ومستوعب جيد،ملما بالكبيرة والصغيرة يتابع ويلاحق ويسال ويستفسر،وكثيرا ما يذهب بنفسه لتفقد المشاريع على الطبيعة واذكر انه طلب مني يوما ان نذهب سويا لزيارة دور العجزة والمسنين التابعة لوزارة العمل والشئون الاجتماعية فذكرته ان الأمر يتطلب قضاء نهار كامل لزيارة جميع المؤسسات التي تحتوي على دور العجزة والمسنين لأنها كثيرة ومتباعدة فرحب بذلك وابدي استعداده،وهكذا قضينا نهارا كاملا وكان طاهر يحيي وبنشاط يحسد عليه الشباب يصعد وينزل المسافات الطويلة يتفقد العنابر ويستمع لشكوى المرضي والمسنين ويتحرى أحوالهم وقد اصطحب معه كبار موظفي مجلس الوزراء راح يملي عليهم توجيهاته وإرشاداته لاستكمال النواقص وسد الثغرات ولم يأنف في الجلوس مع المرضي أو مصافحتهم حتى إنني أشفقت علية من الجهد الذي بذله وهو بمثل سنه وثقل حجمه،وشعرت انه كان سعيدا في هذه الزيارة...ومن خلال عملي الوزاري وجدت ان قانون العمل بحاجة إلى تغيير فقد تجاوزه الزمن من حيث التنظيم والحقوق والواجبات والعمل والعمال ونقاباتهم فشكلت لجنة وزارية لإعداد مشروع لقانون جديد للعمل وبعد انتهاء المشروع أدرج في جدول الوزراء لمناقشته وإقراره بعد ان وزعت نسخ منه على الوزراء،وفي يوم مناقشة المشروع اكتشفت ان اغلب الوزراء لم يكلف نفسه قراءة المشروع ولم يعرف عنه شيئا ورأيت طاهر يحيي يخرج من المحفظة رزمة من الأوراق سجل فيها ملاحظاته عن المشروع واخذ يقرا ويناقش في أمور قانونية وفنية وليست من اختصاصه مما دفعني ان أوجه عتبي إلى الزملاء الوزراء الذين لم يقروا المشروع،في حين ان طاهر يحيي ورغم مشاغلة الكثيرة قد عكف على دراسة المشروع وسجل ما عنده من أفكار وملاحظات تخص هذا القانون الهام...واذكر ايضا وأثناء مناقشة اتفاقية(إيراب)الفرنسية للحصول على امتياز التنقيب عن النفط ان الجلسة كانت برئاسة عبد الرحمن عارف(رئيس الجمهورية)وأنني جئت بدراسة متكاملة عكف الحزب الذي كنت انتمي إليه على إعدادها بخصوص بنود الاتفاقية...وان طاهر يحيي كان مستوعبا بشكل جيد للدراسة وقد تجاوب معي في كثير مما جاء بها وقد طال النقاش حولها مع وزير النفط(عبد الستار على الحسن)فتدخل عبد الرحمن عارف ليضع حدا لمناقشاتي فقال مازحا...(انه يقترح ان يتولى الحبوبي وزارة النفط ويخلصنا...)
ما أردت قوله ان طاهر يحيي كان يدرس القضايا المطروحة على مجلس الوزراء ويستوعبها ويتابع مراحل تنفيذ ما اتفق علية ويتمتع بذاكرة جيدة ويتذكر حتي الأرقام عند اللزوم.
كانت الساحة العراقية في بدايات سنة 1968تزخر بنشاطات مريبة فقد نزلت إلى هذه الساحة مجاميع وجماعات وان كانت عراقية الملامح عربية اللسان ولكنها غريبة في منطقها وطروحاتها جريئة في طرح أفكارها تتصدرها عناصر عسكرية ومدنية لم تألفها الساحة السياسية من قبل عناصر عسكرية تتبوأ مراكز حساسة في الدولة راحت تمارس العمل السياسي جهارا نهارا خلافا لكل الأعراف دونما أي اعتبار للقواعد أو القوانين التي تحرم علي العسكري العمل في السياسة أو الانخراط في الأحزاب السياسية فنري الرائد عبد الرزاق النايف(معاون مدير الاستخبارات العسكرية)ينشئ تنظيما سياسيا اسماه(حركة الثوريين العرب)ويجند له بعض الكتاب والصحفيين ومن لهم باع طويلة وخبرة في العمل السياسي للترويج لهذا التنظيم الجديد والتبشير بأهدافه ومراميه وراحت بيانات(حركة الثوريين العرب)تغرق العراق من أقصاه إلى أقصاه تطعن في طاهر يحيي ووزارته وتتهمه بالفساد والرشوة وتطعن بنزاهته وكانت تسميه(أبو فرهود)...كان تركيز بيانات هذا التنظيم ضد طاهر يحيي شخصيا وكشف أسوائه وتجاوزاته وكأن المطلوب هو تهيئة أذهان الناس إلي قبول التغيير المرتقب الذي يساندها ويدعمها(المقدم إبراهيم عبد الرحمن الداوود)آمر الحرس الجمهوري،والغريب ان أجهزة الدولة من امن واستخبارات لم تتعرض لنشاط هذا التنظيم أو تلاحق عناصره في حين أنها لم تقصر بواجبها تجاه باقي التنظيمات السياسية التي تحصي عليها حتي أنفاسها،وتأكد لكل بالسياسة أو المعنيين بها والمراقبين والعارفين بالأمور ان هذا التنظيم(حركة الثوريين العرب)مدعوم من المخابرات المركزية الأمريكية(C,I,A)وان رئيسه(النايف)رجل أمريكا القوي في العراق...ولكي ينجح مخطط الإطاحة بنظام عبد الرحمن عارف الضعيف وفق النهج الجديد الذي تريده وترعاه قوي خارجية لابد من إقامة حلف يجمع بين زمرة النايف وبين تنظيم سياسي مجرب وله باع طويلة وشعارات قومية ذات رنين وملتهبة فكان هذا الحليف هو حزب البعث(جناح احمد حسن البكر)فهو التنظيم المطلوب للمرحلة القادمة...ولقد زامن هذا الشعار في العراق ان عبد الناصر لم ينسحب من المعركة ويعلن استسلامه بعد نكسة حزيران سنة1967فقد ظل مصرا على خوض المعركة القومية ضد الصهيونية ولما كان العراق بلد ثريا وفيه طاقات مادية كبيرة ويملك جيشا قويا فان الواجب يقضي إخراجه من المعركة التي يدعو إليها جمال عبد الناصر ولا يتحقق إخراجه إلا بإزاحة عارف عن السلطة فالرجل وان كان ضعيفا لكنه محسوب على التيار القومي المساند إلي عبد الناصر،وقد يبادر إلى إنجاد جمال عبد الناصر في المعركة المرتقبة ويزج بالعراق وجيشه وإمكانياته في هذه المعركة وهذا غير مطلوب مرغوب...واشتد الصراع وراح يسابق الزمن من اجل إسقاط عارف والتقت المصالح كثير من الأطراف العراقية والعربية والأجنبية في التخلص من الحكم العارفي والإتيان بنظام يكون تحت السيطرة...تكون أول واجياته خصومة جمال عبد الناصر...خصومة عقائدية ومن ثم إخراج العراق من المعركة القومية...حتى لو كان الإنقلابيون لهم أقانيمهم الثلاثة المعروفة يرددونها بمناسبة وغير مناسبة...ولا ادري فقد تكون المقولة المنسوبة إلى المرحوم على صالح السعدي(نائب رئيس الوزراء ووزير داخلية انقلاب 8شباط سنة1963) التي تقول(جئنا سنة 1963بقطار انجليزى،وعدنا سنة1968بقطار أمريكي) صحيحة..والله اعلم..
وترددت أسماء أشخاص قام كل واحد بدور خطير في الإعداد لانقلاب 17تموز1968…فقد جاءت الأخبار على لسان(سليم اللوزي) صاحب مجلة الحوادث اللبنانية..ان حردان التكريتي استلم من الدكتور(ناصر الحاني)سفير العراق في بيروت مبلغ خمسة ملايين دولار قبيل الانقلاب،وكان حردان التكريتي قد قدم إلى بيروت وقابل ناصر الحاني واستلم منه المبلغ المذكور.
والذي اذكره جيدا إنني عندما جئت إلى لبنان أواخر الشهر العاشر من سنة 1967للاستجمام بعد وعكة صحية ألمت بي وكنت يومها وزيرا للعمل..ان زارني(ناصر الحاني) سفيرنا في لبنان في فندق(كراند اوتيل)الذي انزل فيه في (شتوار)..واستجبت لإلحاحه الشديد على قبول دعوته للغداء في(زحلة)وللحديث في أمور هامة(حسب تعبيره)…وكان ان بدا حديثة بعد ان استقر بنا الجلوس في احد المطاعم ان قال(لماذا تقاطعون أمريكا…)وكان العراق وبعض الدول العربية قد جمدت علاقاتها أو سحبت سفراءها من أمريكا لموقفها المساند لإسرائيل في حرب سنة1967ودور رئيسها(جونسون)المتواطئ كما هو معروف وقتئذ…فاندهشت…وقاطعني قبل إتمام ردتي بقوله…مهما يقال بهذا الخصوص فالمصلحة تقتضى(الاصطفاف)مع أمريكا، وإعادة العلاقة معها لمصلحة العراق…ولا مصلحة في معاداة أمريكا…ويجب ان تغيروا سياستكم…وانه ينتهز هذه الفرصة ويتكلم مع وزير مسئول،ويرجوني ان انقل حديثه إلي طاهر يحيي رئيس الوزراء…
لم اخف استغرابي من حديثة الصريح…وعزوته إلى عدم رضاه عن مكانه في بيروت سفيرا بعد ان كان سفير العراق في(واشنطن)…
فقلت:ألا تعلم انك تعارض سياسة حكومتك!!!فضحك وأجاب:إنني اختلف مع سياسة حكومتي بل أعارضها وأرجوك يا أستاذ ان تنقل حديثي هذا إلى طاهر يحيي لتعديل الموقف من أمريكا قبل(فوات الأوان)…فأجبته وقد استفزني عبارة(فوات الأوان)…إنني لا انقل رسائل منك أو من غيرك…ولكني سأناقش هذا الموضوع الخطير مع طاهر يحيي عند عودتي دون شك…ان كيف يعارض سفير سياسية حكومته ويعمل ضدها ويستمر في منصبه…فابتسم معتذرا ثم قال انه حر في أرائه ومعتقداته حتي لو كانت مخالفة لسياسة حكومته…وسرعان ما نقل الحديث إلى موضوع آخر خاص بشان الشاعر العراقي(احمد الصافي النجفي)وكان يعمل على إقناعه بالعودة إلى العراق بعد ان فارقة منذ سنوات طويلة متنقلا بين دمشق وبيروت…
وعند عودتي نقلت إلى طاهر يحيي ما جري من حديث مع سفيرنا ناصر الحاني…وكان تعليقه(هذا يخروت)ولم يزد عن ذلك…استقلت من الوزارة وتسارعت الأحداث وحصل انقلاب 17تموز سنة1968وجاء ناصر الحاني وزيرا للخارجية في العهد الجديد..وذات مساء وعندما كنت اقرأ الفاتحة في حسينية(عبد الرسول علي)في الكرادة على روح متوف لا اذكر اسمه..دخل ناصر الحاني وقد جاء لزيارة الفاتحة ايضا،وعندما راني اتجه نحوي وجلس بجانبي وبعد ان قرأ الفاتحة مال على أذني(ها أستاذ اشكتلك…)فأجبته (العاقبة بالخواتيم…دكتور….) ثم قرأت الفاتحة وغادرت المكان..
وفي 30تموزابعد ناصر الحاني من وزارة الخارجية…ولم يمر وقت طويلا حتي وجد قتيلا في(قناة الجيش) كما قتل حردان التكريتي في الكويت سنة 1971..ومات في ظروف غامضة(لطفي العبيدي)في أمريكا..كما اغتيل في احد فنادق لندن(عبد الرزاق النايف)وكان يدا خفية تلاحق كل من لعب دورا في 17تموز سنة1968.
أدركت بعض القوى السياسية خطورة الموقف وما يهيأ للعراق وأدرك ذلك طاهر يحيي نفسه ولكن صوته لم يعد مسموعا من قبل عبد الرحمن عارف…وراحت قوي كثيرة من عبد الرحمن عارف تضرب على وتر إبعاد طاهر يحيي من الوزارة بحجة انه بدا يعمل مع ضباط الجيش من اجل انقلاب عسكري يطيح بعارف…فضلا على انه متهم بالفساد…فقد أحدثت بيانات حركة الثوريين العرب أثرها وأوصلت صوتها إلى رئيس الجمهورية فاقتنع هذا بتغيير طاهر يحيي،فاستدعي المرحوم محسن حسين الحبيب(سفير العراق في موسكو)وكلفه بمهمة تشكيل وزارة جديدة تخلف وزارة طاهر يحيي،فقيل الحبيب المهمة وراح يستشير من اجل تأليف الوزارة..ونقل لي الدكتور فيصل الوائلي(مدير الآثار العام)وان المرحوم رجب عبد المجيد أقام مأدبة غداء في نادي المنصور علي شرف صديقه محسن حسين الحبيب وكان الوائلي وناجي طالب ضمن المدعوين لهذه المأدبة…وأمام الجميع وعلي مسمع منهم نصح رجب عبد المجيد صديقه الحبيب بان يعتذر عن تأليف الوزارة،وعندما سألته الحبيب عن سبب الاعتذار أجابه رجب،أنت صديقي ولا أريد ان تتعرض وزارتك لانقلاب عسكري…فالانقلاب العسكري قادم لا محالة…وعلي الأبواب والكل يعلم به…ويؤلمني ان تكون أنت الضحية لهذا الانقلاب…
لذا أري ان تعتذر لرئيس الجمهورية عن هذه المهمة وتعود إلى مركزك سفير في موسكو…ويقول الوائلي ان الجميع سمع هذا الكلام ولم يعلق علية احد ويبدو ان الحبيب قد اقتنع به وعمل بنصيحة صديقه رجب حيث اعتذر لعبد الرحمن عارف عن تشكيل الوزارة بحجة انه جديد في منصبة كسفير للعراق في موسكو وفي نيته العمل على تحسين العلاقات بين البلدين وقد بدأ بخطة طموحة لخدمة العراق أنه يفضل أن يعطي فرصة لذلك...فاقتنع عارف أعفاه من المهمة... وسرعان ما عرفت حكاية اعتذار الحبيب عن تشكيل الوزارة الجديدة وجن جنون النايف وزمرته وراحوا يسابقون الزمن خوفا من عودة طاهر يحيي إلى تشكيل الوزارة وهو خصمهم اللدود ولم يسكت طاهر يحيي هو الآخر،فالأمور تجري أمام عينيه وقد رصت تحركات النايف وحاول ان يقطع علية الطريق فذهب إلى عبد الرحمن عارف وشرح له كل أبعاد المخطط الانقلابي والتحالفات والاجتماعات التي تمت بين الأطراف المتآمرة، وحذره مما قد يتعرض له البلد من ضرر فيما لو استمر النايف وزمرته يعيثون فسادا ويشيعون الفوضى وسمي له الأشياء النشيطة من عسكريين ومدنيين واقترح على عارف نقل النايف والداوود من مركزيهما الحساس إذا لم يرد اعتقالهما أو إحالتهما إلى التقاعد...كأن يتم تعيينهما في وزارة الخارجية وإبعادهما إلى خارج العراق...لانهما يخططان لانقلاب عسكري...وخرج طاهر يحيي من مقابلة عارف دون ان يخطي منه بجواب شاف أو وعد مطمئن...ولما كانت حركات وتنقلات طاهر يحيي مرصودة-فما ان خرج من لقائه مع عارف حتي دخل عليه كل من النايف والداوود وأجهشا أمامه بالبكاء، وقد اخرج كل منهما المصحف الشريف من جيبه وراحا يحلفان عليه أنهما لن يخوناه وأنهما مخلصان له... وان طاهر يحيي يريد إبعادهما عنه حتى يخلو له الجو للقيام بانقلاب عسكري لمصلحته.. واستمر في بكائهما ونحيبهما...وأمام هذا المنظر المؤثر وأمام الدموع والحلف اطمأن عارف وطيب خاطرهما وانه لا ينوي المساس بهما، وطلب منهما الاستمرار في عملهما...فخرجا من عنده وأسرعا إلى احمد حسن البكر وطلبا التعجيل في تنفيذ خطة الانقلاب بعد ان شرحا له كل الموقف...
وهذا ما حصل فعلا إذ حضر كل من البكر،وحردان عبد الغفار التكريتي،وصالح مهدي عماش ومعهم بضعة عشر من البعثيين فيهم،صدام حسين،طه الجزراوي،عزت الدوري،عبد الكريم الشيخلي،على حسن المجيد،بروان التكريتي،وآخرون...وأدخلهم إبراهيم الداوود آمر الحرس الجمهوري إلى القصر الجمهوري حيث تمت عملية الاستلام والتسلم كما هو معروف,,,وخرج عبد الرحمن عارف من العراق واستلمته طغمة البكر والنايف والداوود وجرت عليه منذ ذلك التاريخ حتى الآن من المصائب والمحن والويلات ما يشيب لذكره الولدان...ونجح المخطط المرسوم لا لإضرار بالعراق فحسب بل شمل الأمة العربية ومزقها شر ممزق...من الحرب الإيرانية أي غزو الكويت في مؤتمر مدريد إلى مباحثات اوسلو إلى طعن القومية العربية إلي تشويه الوحدة العربية.
اعتقل طاهر يحيي في معتقل الفضيلية في بغداد وضيق عليه في المعتقل وعومل معاملة سيئة وكان معه في المعتقل مجموعة كبيرة من السياسيين ومن اتجاهات مختلفة منهم محمد صديق شنشل وعبد الكريم فرحان،خير الدين حسيب،أديب الجادر،مالك دوهان الحسن،ود.شامل السامرائي وآخرون...وينقل الدكتور رحيم الكبيسي الذي كان معه في المعتقل ان طاهر يحيي غضب غضبا شديدا عندما بلغه ان أهله أو عائلته تتوسط له عند البكر...
وعند أول مقابله له مع زوجته منعها من الاتصال بالبكر أو بغيره للتوسط له من اجل إطلاق سراحه أو التخفيف عنه...كما ذكر الكبيسي ان طاهر يحيي نقل لهم نبوءة عبد السلام عارف من انه سيأتي يوم يعتقلهم البكر ويضعهم في السجن وذلك عندما ذهب طاهر يحيي وبعض الضباط إلى عبد السلام عارف للتوسط من اجل إطلاق احمد حسن البكر عندما اعتقل بعد فشل المحاولة الانقلابية التي قام بها البعث في5/9/1964...ويقول طاهر يحيي وفعلا هذا هو اليوم الذي تنبأ به عبد السلام عارف...
واتعب الانقلابيون أنفسهم من اجل الحصول على أدلة تدين طاهر يحيي بالفساد أو الرشوة ولم يوفقوا...فقد اعتقلوا(عبد الواحد زكي)المدير المفوض لشركة الكوكا كولا وراحوا يعذبونه من اجل ان يقر ويعترف بأنه رشا طاهر يحيي من اجل تمشية معاملات الكوكا كولا ولك يعترف الرجل لأنه فعلا لم يدفع رشوه لطاهر يحيي حتى مات تحت التعذيب...ثم نقل طاهر يحيي إلى معتقل قصر النهاية وهناك كانوا يعقدون جلسات للتسلية على المعتقلين ويتفننون في استعمال الوسائل من اجل التسلية...ولم يسلم طاهر يحيي من جلسات الأنس هذه فكان يؤتي به ويربط حوله وسطه حزام ليبدو وكأنه راقصة ويطلبون منه الرقص...ثم كلفوه بتنظيف المراحيض زيادة في الإهانة والإذلال وقد احتمل كثيرا وصبر وقضى وقتا طويلا في قصر النهاية وساءت صحته وزادت شكواه من مرض عينيه حتى كاد يفقد بصره...
وأطلق سراحه فاعتكف بدراه لا يبرحها وكانت المراقبة على داره شديدة وعندما تضطره الضرورة للخروج تتبعه سيارة إلى حيث يذهب وتحصي علية تحركاته وسكناته ولم يزره احد من أصدقائه أو معارفه عدا بعض أقربائه واخذ بصره يضعف وأراد ان يعالج عينيه خارج العراق فمنع من السفر فعلق على المنع بقوله:سبحان الله حتي(الشراميط)تسافر إلى خارج العراق وأنا ممنوع من السفر من اجل العلاج...وانطوي يكابد علته الجسدية والنفسية حتي فارق الحياة رحمه الله...
زاملت طاهر يحيي مرتين في عامي1965و1967وقد استقلت في المرتين ولم يرد في الاستقالة ما يمس طاهر يحيي شخصيا فأسباب استقالتي تعرضت العامة للدولة ويتحمل مسئوليتها الأولي رئيس الجمهورية التي حصرت به كل السلطات وجمع بيده جميع الصلاحيات في غياب دستور دائم ومؤسسات دستورية فليس هناك مجلس نيابي منتخب ولا فصل حقيقي بين السلطات الثلاث ،التشريعية، التنفيذية، القضائية،ولا صحافة حرة ولا أحزاب فرئيس الجمهورية يتدخل في كل صغيرة وكبيرة ولا يريد هو أو حاشيته وضع دستور دائم لدولة عصرية تتحدد فيها الحقوق والواجبات،دوله مؤسسات تحكمها القوانين ويعرف كل فرد أو مواطن حقوقه وواجباته،الشعب فيها هو السيد ومنه تستمد الشرعية.
كان عبد الرحمن عارف ضعيف الشخصية،بسيط التفكير تغلب عليه الطيبة،ولا ينزع إلى الشر وكان للمحيطين به تأثيرهم الواضح على قراراته الرسمية وغير الرسمية ودائما ما يعمل هؤلاء من اجل مصالحهم الخاصة وتحقيق رغباتهم الشخصية التي قد لا يحدها حد أو يوقفها قانون ويتدخلون في شئون الوزارات،وتسن القوانين وفق مصالحهم ولم يستطيع وزير أو حتى رئيس وزراء ان يقف أمام طلبات أو رغبات أو مصالح هذه الحاشية المسيطرة علي رأي وفكر الرئيس...وعندما كنت أنا وغيري من الوزراء يضعون هذه الحقائق أمام طاهر يحيي كان لا ينكرها ويظهر تذمره وعدم رضاه ولكنه كان عاجزا في صدها أو إيقافها...واذكر مرة ان اتصل بي تليفونيا سعيد صليبي(آمر الانضباط العسكري)ورجاني ان أوافق علي مشروع قانون(الفروسية) الذي سيعرض على مجلس الوزراء لإقراره لان له مصلحة...باعتبار يملك(طولة خيل)تجري على مضمار السباق ...
سألته ومن أعلمك ان المشروع سيناقش في مجلس الوزراء فسمعته يضحك ويقول(إحنا حكومة....أستاذ)فأجبته إنني سأعارض المشروع لأسباب أخلاقية واجتماعية ووطنية فأجابني(بكيفك...أستاذ...لكن القانون سيطلع..)فاتصلت بطاهر يحيي ونقلت له ما جري بيني وبين سعيد صليبي فسكت ولم يحر جوابا...
أراد طاهر يحيي ان يرضي الجميع،الرئيس، وحاشيته، ووزراءه، والضباط، والأصدقاء، والناس، ولكنه لم يستطيع...
أراد ان يحتفظ بمركزه وبمنصب رئيس الوزراء لأطول وقت ممكن ولكنه لم يصمد أمام التيارات والنزعات،والطموحات ثم المؤامرات- ولما نضجت المخططات الداخلية والخارجية عصفت به الريح وراح هو وغيره ضحية...ويصدق هنا قول الشاعر الجواهري الذي يقول..
حتي إذا نضج الشواء وقيل حسبك يا لهب
جاءوا ولست بعارف من هم يزكون الطلب
كان في الجيش العراقي كتل من الضباط..كل كتلة لها لون سياسي وترتبط بضابط ذي رتبة كبيرة…ولم تكن لطاهر يحيي كتلة تعرف باسمه فقد أراد ان يكون صديقا للجميع ويحظى برضا واحترام الجميع ولكن عند اشتداد الأزمة لم يجد أحدا يقف بجانبه ويأخذ بيده كان السيل جارفا وأقوى منه ومن الجميع…
لم تكن عسكرية طاهر يحيي صارمة ولا كان متجهم الوجه وقد يكون عمله لفترة(معلم)أفاده في تعامله مع الناس،يخفي بين جانحيه شفافية وروح مرحه جاد في عمله ويخلص فيه يقرأ ويستوعب وسريع الفهم- يحب أصدقاءه ويخلص لهم وذو نجدة ويهرع لمد يد المساعدة ولا يرد من يطرق بابه…رجل دولة مشكلته انه أراد إرضاء الجميع و(إرضاء الناس غاية لا تدرك)يسيطر على أعصابه،ويكظم الغيظ،ويحافظ على كرامته ويحترم الناس،طاهر اليدين.
…رحمه الله…