أشخاص كما عرفتهمعبد الرحمن البزاز

 

أحمد الحبوبي

 

فى حفلة التخرج التى أقامتها كلية الحقوق فى قاعة (الملك فيصل) فى بغداد لعام 1955 ، كان عبد الرحمن البزاز حاضراً فيها باعتباره العميد الجديد للكلية إذ استلم عمادتها بعد انتهاء عمادة الأستاذ الدكتور (محمد عبد الله العربى) المصرى الجنسية فى نهاية تلك السنة الدراسية. وجلس البزاز بجانب الملك فيصل الثانى والأمير عبد الإله (ولى العهد) بصفته العميد الجديد للكلية واشترك معهما فى مصافحتنا وتهنئتنا نحن الخرجين الجدد .. وكانت لى قصيدة شعرية بهذه المناسبة فقد كان ترتيبى الثالث على (الكلية) بعد أن ألقى كل من الأول والثانى كلمته ...

وكانت قصيدتى فيها تعريض مبطن بالحكم الذى خاصم العدالة وعطل القانون ... وكانت العاقبة أن استبعدتنى وزارة المعارف من الترشيح إلى بعثة دراسية إلى فرنسا لنيل شهادة الدكتوراه فى القانون وانصرفت للعمل فى مهنة المحاماة وتعاطى السياسة شأن المحامين جميعا .. ولم أعد اسمع عن البزاز إلى أن انفجر الوضع السياسى فى العراق بعد العدوان الثلاثى على مصر سنة 1956 وكان لطلاب الجامعة دور كبير فى تصعيد الأحداث والتصدى للحكومة وأجهزتها من خلال المظاهرات احتجاجا على موقف الحكومة العراقية المتخاذل .. كانت النتيجة أن قام وزير المعارف (خليل كنه) بفصل أعداد كبيرة من طلاب الجامعة كعقوبة على موقفهم الوطنى ..

وتنادى كثير من أساتذة الجامعة إلى الوقوف مع الشعب وقواه الوطنية فى شجب العدوان الثلاثى فرفعوا (عريضة) إلى الملك فيصل أعلنوا فيها تضامنهم مع الشقيقة مصر وفيها تعريض بالإجراءات التعسفية التى طالت الشعب والطلاب بشكل خاص من فصل وطرد واعتقال لجأت إليها وزارة المعارف ووزارة الداخلية وكان ابرز الموقعين على هذه العريضة المرحوم عبد الرحمن البزاز ، والدكتور محمد على البصام ،والأستاذ حسن الدجيلى ، وأخرون لا تحضرنى أسماؤهم وكان وقع العريضة طيباً فى الأوساط الوطنية وقد تناقلتها بالأيدى وانتشرت من خلال توزيعها بين طبقات الشعب العراقى الغاضب .. مما أغضب خليل كنة (وزير المعارف) ونورى السعيد (رئيس الوزارة) فأقدمت الحكومة على اعتقال الأساتذة الموقعين على العريضة بما فيهم البزاز وتم إبعادهم إلى (تكريت) وحددت إقامتهم هناك كمنفى لهم بعيداً عن العاصمة بغداد مما زاد من غضب الناس على الحكومة وأعلى من شأن هؤلاء الأساتذة الذين انتصروا للقضية الوطنية ولأبنائهم الطلاب من خلال القلم التى ضاقت به الحكومة .. وراح اسم عبد الرحمن البزاز يتردد كعنصر وطنى خسر وظيفته بسبب موقفه الوطنى ..

وبرز اسم عبد الرحمن البزاز على الساحة الإعلامية وبشكل واسع عندما ما جئ به كشاهد أمام محكمة (المهداوى) فى قضيه (عبد السلام عارف) فقد أراد المدعى العام (ماجد محمد أمين) الإقلال من شأن البزاز والاستهزاء به باعتباره وجها قوميا فوجه إليه عبارات قاسية فيها تعريض واتهام مبطن لإثارة الجماهير المحتشدة فى قاعة المحكمة ضده ، فما كان من البزاز إلا أن رفع صوته مخاطباً المحكمة بقوله (أرجو من المحكمة أن تحمينى من المدعى العام) وذا فوت على المدعى العام ما كان يضمره ضد البزاز من تحامل واضح لا مبرر له وكسب البزاز الرأى العام العراقى بدفاعه الشجاع عن كرامته خاصة وان المحاكمة كانت منقولة تلفزيونياً ..

وهكذا عرف البزاز فى الأوساط السياسية وبشكل منتشر كوجه قومى حتى وأن لم يكن له سابقة عمل فى حزب أو حركة سياسية ، رغم عضويته القديمة فى نادى المثنى المعروف باتجاهه القومى .. وبعد فشل ثورة الشواف فى الموصل .

فى 8/3/1959 ساءت الأوضاع وعمت الفوضى وحصلت تجاوزات وقتل وسحل طالت أعلب المدن العراقية .. وسرت إشاعة قوية عن اغتيال كل من الدكتور          (عبد الجبار الجومرد) (وزير خارجية ثورة 14 تموز سنة 1958 وعبد الرحمن البزاز .. ولكن البزاز اختفى كما اختفى غيره وتوارى عن الأنظار على أمل أن تهدأ الأمور وتخف وطأة العاصفة ويعود للشارع هدوؤه دونما طائل .. مما اضطره إلى مغادرة العراق ، وكنت قد سبقته فى المغادرة إلى السعودية حيث التقيت بصديقه (عبد الرازق الحمود) الذى فر قبلنا إلى السعودية وكان شديد القلق على البزاز فطمأنته أنه بخير ولا صحة لما أشيع عن اغتياله ..

والتقيت بعبد الرحمن البزاز فى القاهرة  عندما جئتها فى الشهر الخامس سنة 1960 .

وتشاء الصدف أن يكون سكنى قريباً فكان يخرج بعد صلاة العشاء من شقته يمارس رياضة المشى مستعيناً بعصى ويجوب بعض الشوارع الهادئة القريبة منه ثم يعرج على شقتى ويقضى معى بعض الوقت وكأنها محطة استراحة ويبدو على سجيته من القيود ويطلب إسماعه أبياتاً من الشعر كنت أحفظ لكثير من فطاحل الشعراء كالمتنبى وأبو تمام والبحترى وابن الرومى وكان سعيداً وهو يستمع للشعر الجيد .. وعند المغادرة أرافقه المسير حتى سكنه ، وكان يستمتع كثيراً فى جولاته المسائية خاصة وأنه يشكو من مرض فى الدم يسبب له متاعبا تؤثر على القلب وكان بعض أبنائه مصاباً بنفس المرض ..

وفى القاهرة باشر بإعطاء دروس ومحاضرات فى معهد الدراسات العربية التابع لجمهورية الدول العربية عن القومية والوحدة والاتحاد وعن تاريخ العراق             السياسى ..

اعتاد بعض الأخوة العراقيين (أنا واحد منهم) على قضاء فصل الصيف فى مدينة الإسكندرية (عروس البحر الأبيض المتوسط) كما يحلو لإخواننا المصريين أن يسموها .. حيث يجتمع فيها كما ذكرت سابقاً الدكتور (جابر عمر) والدكتور (فيصل الوائلى) (وفؤاد الركابى) و (عبد الله الركابى) وكان لقاؤنا اليومى فى (كابينة) تعود للأستاذ (فؤاد جلال) الوزير المصرى السابق ، فى بلاج ميامى . فبعضنا ينزل إلى البحر للسباحة تمشياً مع قناعته من أن السباحة قد تكون عملية غير لائقة لمثله خاصة وأنها تتطلب تعرية الجسم وعرضة للمشاهد وهذه عند البزاز من (الكبائر).

وفى اليوم التالى بكرت فى الذهاب إلى بلاج (ميامى) ولم أخف دهشتى عندما فوجئت بالبزاز واقفاً فىالكابينة مرتدياً بدلة بيضاء وربطة عنق ويحمل شنطة ملابسه فاستغربت حضوره المبكر وبهذه الهيئة الغريبة وقبل أن أبادره بالسؤال قال (يا أخ أحمد أنا تعبان وأريد أن أسافر إلى القاهرة وأرجوك أن تأتى معى إلى محطة (الباص) لحجز التذكرة والسفر من محطة الرمل .. ) فكان جوابى أننى تحت أمرك يا أبو عامر  ولكنى أرى من الممكن أن ننتظر وصول بقية الأخوان .. فأجاب لا لا ماكو داعى الآن أسافر .. أنا لم أنم ليلة البارحة .. ووضعى الصحى لا يحتمل الانتظار ويجب أن يسافر .. فأجبته أن الوقت ما زال مبكراً والسيارات المسافرة على القاهرة لها مواعيد فلا بأس أن تستريح هنا بعض الوقت ثم نذهب سوية إلى محطة (الرمل) فأطمأن بعض الشئ وجلس على الكنبة بعد أن كان واقفاً فأطمأن ورحت ألفت نظره إلى البحر ومنظره الجميل وإلى الهواء العليل والسماء الصافية وكان فعلاً يوماً رائعاً وقد بدا البلاج يعج بالسابحين والسابحات من مختلف الأعمار والكل فى بهجة وسرور فهدأ بعض الشئ وقد شجعنى هدوؤه على مداعبته فقلت له : ألا تسمح لى يا أبو عمار أن آخذ (غطة) فى البحر فصاح .. (يا معود يا غطة يا بطة) فضحكت على عبارته فابتسم وقد بدأت أسارير وجهه تنبسط.

ولم يمض وقت طويل حتى بدأ تقاطر الإخوان الواحد وراء الآخر وقد أخذهم العجب والدهشة من وجود البزاز فى الكابينة وبكامل ملابسه فى حين أن الجميع اعتاد على القميص والبنطلون وبعضهم يأتى إلى الكابينة بالمايوه استعداداً للنزول إلى البحر .. وافهم الأخوة أنه قد قرر السفر إلى القاهرة ولم يذكر شيئاً عن مرضه أو عدم نومه ، وحاولت أن أطيل جلوسنا فى الكابينة خاصة بعد وصول جميع الأخوة فقد يكون وجودهم ما يطمئن البزاز ويصرف عن ذهنه فكرة السفر .. ولكنه حدجنى بنظرة من طرف عينه وكأنه يذكرنى بوعدى فقمت وقام وصافح الجميع مودعاً ولم أهب به إلى محطة الأتوبيس بل جئت به إلى شقتى التى أسكنها فى (الشاطبى) ولم يفاجأ عندما وجدنى أفتح باب الشقة وأدعوه للدخول بل بادر بعد أن دخل إلى خلع (الجاكتة) والحذاء وتمدد على الكنبة فطلبت منه أن يرتاح فى غرفة النوم وراح فى نوم عميق مجرد أن ألقى  بجسمه على السرير وتركته نائماً حتى غروب الشمس فاستيقظ وقد تحسنت حالته النفسية كثيراً وبعد أن اغتسل وتؤضأ وصلى كانت نفسه مفتوحة للطعام فأكل (التمن والقيمة) من طبخ زوجتى وشكرها كثيراً على طبيخها وبعد أن شرب الشاى قال أشعر الآن بتحسن كبير ومع هذا فأنى أفضل السفر إلى القاهرة فصحبته إلى محطة الأتوبيس وانتظرت حتى غادر إلى القاهرة وأنا مطمئن على    حالته .. وبعد انتهاء الصيف عادت لقاءتنا المسائية فى القاهرة ..

وكأن القدر كان يترصده بفجيعة فقد مرض ابنه (عزام) (14 سنة تقريباً) واشتد قلقه عليه إذ سبق أن فقد ابنتين له كانتا مصابتين بنفس المرض منذ عام أو أكثر وكان عزام فتى جميل المحيا مقبلاً على الحياة مفرط الذكاء يعشق كرة القدم ولا ينقطع حديثه معى عن الكرة واللاعبين ومراكزهم ، دون أن يعرف خطورة مرضه وأن الموت يحوم حوله ولم يمهله كثيراً فقد توفاه الله وكانت وفاته قاصمة لظهر عبد الرحمن البزاز فأخذ يبكى بكاء الثكلى منادياً بصوت عالى ولدى عزام .. كلمنى .. عزام مات وكان منظره يثير الحزن ويدعو للرثاء على حاله .. وتوليت أنا والدكتور فيصل الوائلى عملية تجهيز عزام وتم تسفير جثمانه إلى بغداد حيث دفن فيصل الوائلى عملية تجهيز عزام وتم تسفير جثمانه إلى بغداد حيث دفن هناك .. وبقى له من الأولاد ابنه البكر (عامر) وابنه خرساء نجيا من المرض الذى مات به عزام وأختان له من قبل.

وأنصرف عبد الرحمن البزاز للتدريس فى معهد الدراسات العربية كما ذكرت وقد أخرج العديد من الكتب والمؤلفات ... (1) بحث فى القومية العربية (2) الإسلام والقومية العربية (3) العراق من الاحتلال حتى الاستقلال (أعادت طبعه أخيراً دار البرق وقد كتبت أنا له المقدمة) (4) الدولة الموحدة والدولة الاتحادية (5) من وحى العروبة (6) هذه قوميتنا .. وعاد البزاز إلى العراق بعد ثورة 8 شباط سنة1963 شأنه شأن اللاجئين العراقيين وعين سفيراً للعراق فى إنجلترا حسب رغبته ولعلاقته الطيبة مع عبد السلام عارف .. وكنت التقيه أحياناً عندما يجئ إلى العراق بين الحين والحين .. وعند تكليف العميد الركن (عارف عبد الرازق) بتشكيل الوزارة خلفاً لوزارة طاهر يحيى 1965 طرح اسم عبد الرحمن البزاز كنائب لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية وأثار ترشيحه وزيراً جدلاً لدى القوى القومية (الثورية) إذ كانوا يعتبرونه من القوميين التقليديين (اليمنيين) أو (الرجعيين) لتمسكه الشديد بالإسلام وتدينه الواضح ولأفكاره بخصوص الاشتراكية وتطبيقاتها مما قربه إلى التجار وأصحاب رؤوس الأموال المسيطرين على السوق ولكن عبد السلام عارف أصر على توزير البزاز .. وجاء وزيراً للخارجية فى وزارة (عارف عبد الرازق) ..

وعند فشل محاولة عارف عبد الرازق (رئيس وزراء) الانقلابية ضد عبد السلام عارف عندما كان يحضر مؤتمر القمة العربية فى الرباط عين عبد الرحمن البزاز رئيساً للوزراء وأطلق له عبد السلام عارف حرية اختيار الوزراء وأعطاه صلاحيات واسعة .. ولأن البزاز نشأ وترعرع فى جو دينى (هو ابن أخت الشيخ نجم الدين الواعظ مفتى الديار العراقية وزوج ابنته) وما بدا عليه بعدئذ من تزمت فقد لصقت به تهمة (الطائفية) خاصة أنه كان يجهر بآرائه حيال بعض معتقدات الطائفة الشيعية فاهتبلها فرصة عندما كلف بتشكيل الوزارة وأراد أن ينفى عنه هذه التهمة ويبرء نفسه منها فاختار أغلب وزرائه من الشيعة وممن يرتبط معهم بعلاقة صداقة ونجح فى ذلك إ استقبلت وزارته استقبالاً حسناً عند عموم الشيعة وعند (الشورجة) السوق التجارى أيضاً وارتفعت أسهمه وزاد رصيده دون أن يخسر (السنة) من جانب أخر ، وطفق عملياً فى تصفية الآثار (السيئة) التى خلفتها عملية التأميمات والقرارات الاشتراكية سنة 1964 التى جاءت بها وزارة طاهر يحى والمؤسسة الاقتصادية التى رأسها وأدارها (خير الدين حسيب) وراح البزاز يطلق التصريحات التى من شأنها تطمين التجار واستقرار السوق وينتقد التطبيق السئ للاشتراكية ورفع شعار (الاشتراكية الرشيدة) التى يستهدى بها لتحقيق العدالة التى ينشدها الجميع ، وهو بهذا اقترب كثيراً من فكر عبد السلام عارف (رئيس الجمهورية) ولم يسكت علىالهجوم الذى شنه (القوميون) ضده واتهامهم إياه وقارعهم كما قارعوه وقد أطلق عليهم اسم (ذوى القمصان البيضاء) وهم بدورهم ناصبوه العداء العلنى فصدرت ضده بيانات تدين سياسته (الرشيدة) فهو فى نظرهم ابن (اليمين) وممثله الأمين.

لم ألتق به خلال هذه الفترة رفعاً للإحراج سواء من جانبه أو من جانبى            ولكن الدكتور (رؤف الواعظ) أبن خاله كان ينقل لى عتب البزاز لمقاطعتى له        فأكتفى بالابتسام وعندما يزيد فى إلحاحه من أجل لقائى بالبزاز كنت أجيبه           (يجى يوم إن شاء الله).

احترقت طائرة الهليكوبتر التى تقل (عبد السلام عارف) (رئيس الجمهورية) أثناء زيارته إلى البصرة سنة 1966 ،وسرت إشاعة قوية أن العمل مدبر بدليل أن طائرتين أخريين كانتا ترافقان طاشرة عارف لم يحصل لهما ما حصل لطائرة الرئيس التى طوحت بها كما قيل (عاصفة ترابية) ... وأن الدليل القوى على وجود (المؤامرة) أن الدكتور (محمد ناصر) وزير الإرشاد رفض أن يركب مع عارف الطائرة المنكوبة وكأنه يعلم مسبقاً بمصيرها المحتوم متعللاً بانشغاله فى شئون تخص وزارته وظل فى البصرة وقد أشار الأستا (فيصل حسون) نقيب الصحفيين العراقيين وكان يركب إحدى الطائرتين المرافقتين ، إلى هذه الواقعة فى كتاب له وأكد بوجود المؤامرة التى أودت بحياة عبد السلام عارف ، كان البزاز رئيساً للوزراء وتشكلت هيئة تحقيقية آجرت التحقيق بسرعة أعلنت قرارها بأن العملية (قضاء وقدر) وأن (العاصفة التراية) هى المسئولة عن موت عبد السلام عارف ولم يقتنع البعض بهذه النتيجة.

وتاقت نفس عبد الرحمن البزاز أن يكون رئيساً للجمهورية خاصة وأنه يتمتع بسمعة جيده وعنده شعبية كبيرة فرشح نفسه لها المنصب والدستور المؤقت ينص على حصول المرشح على ثلثى أصوات الاجتماع الى يضم مجلس الوزراء وقواد الفرق فى الجيش + رئيس أركان الجيش ، وترشح معه كل من عبد الرحمن عارف رئيس أركان الجيش وأخو عبد السلام عارف واللواء الركن عبد العزيز العقيلى (وزير الدفاع) وفى الاقتراع الأول حصل البزاز على صوت واحد زيادة على أصوات عبد الرحمن عارف وحصل العقيلى على صوت واحد فقط (هو صوته) وقبل أن يعاد التصويت من جديد رأى عبد الرحمن البزاز بثاقب فكره وبعد نظره أن يتنازل لعبد الرحمن عارف ويضم أصواته له ليفوز بالإجماع أو شبه الإجماع برئاسة الجمهورية ولكى يضمن البزاز بتنازله أن يظل رئيساً للوزراء ، ويتجنب بشكل أكيد حصول انقلاب عسكرى ضده وإزاحته أوتصفيته فيما لو فاز بالمنصب عند إعادة التصويت فقد أدرك بالتجربة أن (العسكر) لا يسمحون له أو لغيره من (المدنيين) أن يصل إلىمنصب رئيس الجمهورية فها المنصب محجوز بعد 14 تموز سنة 1958 للعسكر فقط يتناحرون فيما بينهم ويتآمر بعضهم على بعض ليفوز أحدهم بالرئاسة إما أن يتجاسر مدنى ويدخل إلى الحلبة فدون هذا خرق القتاد ولكن الذى لم يحسبه العسكريون أو يتوقعونه أن يتفوق عليهم (مدنى) ويترأس حتى أنه وضع على كتفه رتبة (عسكرية) لم يصل إليها واحد منهم من قبل أو من بعد ..

تنازل البزاز لعبد الرحمن عارف ليضمن منصب رئي الوزراء وها ما حصل فعلاً فقد حفظ الرئيس الجديد (عبد الرحمن عارف) للبزاز هذا الجميل وعهد له بتشكيل وزارته الثانية ..

ولم يكتب النجاح للمحاولة الانقلابية التى قام بها (عارف عبد الرازق) سنة 1966 ، وكنت وقتها خارج العراق فسمعت بهه المحاولة وأنا فى إيطاليا حيث كنت بصحبة الدكتور فيصل الوائلى (مدير الأثار العام) لحضور افتتاح جناح للآثار العراقية فى مدينة (تورينو) ولكى أحصل على تفاصيل أكثر عن ها الموضوع سارعت والدكتور الوائلى إلى السفر إلى (فينا) للقاء الأخ الدكتور (عبد الحسن زلزلة) سفير العراق فى النمسا الذى اطلعنا على التفاصيل ووجدت عنده اعداد الصحف العراقية والعربية التى غطت موضوع المحاولة الانقلابية .. وقد أزعجنى ما قرأته فى إحدى الصحف العراقية عن المؤتمر الصحفى الى عقده عبد الرحمن البزاز (رئيس الوزراء) بعد الانقلاب الفاشل مباشرة فقد وجدت فيه اتهاماً صريحاً لى بأنى ضالع ومشترك فى مؤامرة لا أعرف عنها شيئاً حيث كنت خارج العراق .. فبعد أن شرح البزاز أبعاد (المؤامرة) وأسماء المشتركين المقبوض عليهم والهاربين (واسمى واحد من الهاربين) سأله أحد الصحفيين : أن كيف يتهم الحبوبى بالتأمر وهو الآن خارج العراق منذ شهر تقريباً .. فكيف يتسنى له الاشتراك بعملية انقلابية وهو خارج العراق وكان جواب البزاز (نعم) إن الحبوبى أحد المشتركين فى المؤامرة واسمه موجود حتى لو كان خارج العراق ..

آلمنى إصرار البزاز على اتهامي وكنت أتعهد فيه التروى وتغلب عليه صفة (القاضى) بعد أن جلس على منصة القضاء ردحاً طويلاً من الزمن أكسبته دون شك كيف يزن الأمور ولا يطلق الكلام على عواهنه ، ولا يكفى بأن يكون انتمائي (العقيدى) مبرراً لزجى فى عمل لم أحضر له أو اشترك فيه خاصة وأن التحقيق لم يأخذ أبعاده ومدياته بعد ولم يتح له الوقت الكافى لمعرفة أبعاد المحاولة والأشخاص القائمين عليها أو المشتركين فيها .. فقد أعتبر المرحوم البزاز أن الرابطة العقائدية تكفى وحدها لأن تنهض كتهمة .. لذا تم اعتقال عناصر كثيرة من التيار القومى باعتبار أن صفتهم هذه تبرر هذا الاعتقال ما دامت (القومية) هى الرابطة بينهم وبين قائد الانقلاب .. فاعتقل (فؤاد الركابى) و (عدنان الراوى) و (هشام الشاوى)        و (توفيق المؤمن) و (أياد سعيد ثابت) و (عبد الرزاق العانى) وآخرون كثيرون وكان اسمى من ضمن هذه القوائم .. وصدر بحقى برقية عممت على جميع الحدود العراقية بوجوب اعتقالى .. وتأخرت عودتى إلى العراق إذ اضطررت إلى البقاء فى لبنان بعض الوقت بعد انتشار مرض (الكوليرا) فى العراق سنة 1966 وقبل عودتى إلى العراق سقطت وزارة عبد الرحمن البزاز وكلف الأخ (ناجى طالب) بتشكيل الوزارة .

وعند مرورى على نقطة (الرطبة) الحدودية فى طريقى إلى العراق أخرج ضابط الجوازات من درج مكتبه برقية اعتقالى صادرة بتاريخ سابق وراح يلوح بها وقال وهو يضحك (الحمد على السلامة أستاذ ......).

لم ألتق بالبزاز وقد انصرف يزاول مهنة المحاماة وجاءنى يوماً (رؤف الواعظ)        ابن خاله قائلاً أن أبا عامر يسلم عليك كثيراً ويذكرك بالخير فقلت له إنى حزين على (أبو عامر) فانا أحبه واحترمه ولكنه لم يحفظ الأخوة مع الأسف أو يرعى حقوقها وقد ظلمنى ولا أسامحه ... وذات صباح رأيت البزاز فى القشلة مقبلاً فى الاتجاه الذى أسير فيه إلى أن أقترب منى فوقف ولكنى واصلت السير دون أن ألتفت ناحيته وكأننى لا أعرفه .. كان الموقف مؤلماً دون شك لكلينا .. ثم لمت نفسى بعد ذلك وكان لابد أناعذره لأن المنصب وضروراته ومتطلباته حكمت عليه وألزمته القيام بتصرفات أضطر لها اضطراراً وحصل انقلاب 17 تموز 1968 وكان البزاز فى لندن ومن هناك أرسل برقية تهنئة لأحمد حسن البكر ليشعره أنه ليس ضد السلطة الجديدة ولكنه ظل متردداً فى العودة إلى العراق وقد علمت أن ابن خاله (الدكتور مكى الواعظ) نصحه بعدم العودة ولكنه عاد إلى العراق وقيل مستفسراً لعودته أنه مرتبط بقضايا ودعاوى مهمة موكل بها هى التى  دفعته إلى العودة .. وجلس فىداره يستقبل الناس من شتى الطبقات تتوافد للسلام عليه مما أوغر صدر السلطة عليه وراحت تحصى عليه حركاته وسكناته واتصالاته ... ولم يطل به الوقت فقدانتزع من داره وأودع المعتقل دون توجيه تهمة معينة له وراحت الأخبار تتسرب عن تعيبه لانتزاع أى اعتراف منه بالتآمر أو غيره وطال الاعتقال أعداداً كبيرة من الناس ومن شتى الطبقات وبعد اعتقالى أكثر من مرة ، غادرت العراق وتركت البزاز نزيل المعتقل ويتعرض للتعذيب الجسدى وقيل أن السلطة اتهمته بالاشتراك فى (مؤامرة) فبركت خيوطها فأحيل مع آخرين إلى محكمة (الثورة) وأدخل القفص وساءت خيوطها فأحيل مع آخرين إلى محكمة (الثورة) وأدخل القفص وساءت صحته بعد أن حكم عليه بالسجن وراح الإعلام الخارجى يتناول قضية البزاز ويسلط الضوء على سوء معاملته وأنه مريض أو محتضر وأنه فقد النطق من شدة التعيب مما شكل ضغطاً سياسياً كبيراً على السلطة الحاكمة فاضطرت إلى إطلاق سراحه والسماح له بمغادرة العراق للعلاج فسافر إلى لندن مع زوجته حيث رقد فى إحدى مستشفياتها          ولا أنسى الصورة التى نشرتها له مجلة (الحوادث) وهو راقد على السرير كشبح أو هيكل عظمى ووجهه عبارة عن عظام بارزة وإحدى عينيه مقفلة تماماً والخرى نصف مقفلة وقد رفع سبابته أمام مصور الحوادث وكأنه يجيب بنعم بنا على طلب المجلة عندما سألته (هل تعرضت للتعذيب ؟) فرفع غصبعه بمعنى (نعم) تعرضت للتعذيب كما ترى أمامك ..

كان مشلولاً ، فاقداً للنطق ولم يكن سليماً فيه غير سمعه ومن خلاله كان يجيب بسبابته .. لم يمكث كثيراً إذ عاجلته المنية ونقل إلى بغداد ودفن فيها رحمه الله ..

ومن خلال مؤلفاته يبرز فكره الواضح تجاه العروبة والإسلام وهما عنده وجهان لعملة واحدة فلا عروبة من غير إسلام ولا إسلام من غير عروبة وهو بها يختلف جذرياً عن (ساطع الحصرى) والقوميين اليساريين وقد احتدم الخلاف بينهما خاصة أبان حكمه ، وكان صادق الطرح الديموقراطى ويميل إلى إقامة سياسى يستند إلى ديموقراطية لا تماثل تماماً الديموقراطيات الغربية وإن كانت قريبة منها ، يؤمن بالإنتخاب واحترام إرادة الشعب واحترام القانون والفصل بين السلطات وإن كان فى سلوكه الشخصى ينزع إلى شئ من التفرد والتميز ويسعده كثيراً أن يكون مبرزاً ومحط الأنظار وأن يشار إليه بالبنان إلا أنه يؤمن ويحترم رأى الأغلبية حتى لو خالفت رأيه ..

والفترة التى حكم بها رئيساً للوزارة حفلت باستقرار للأوضاع الاقتصادية وحظيت بقبول واضح من الناس لما أشاعه من طمأنينة وان العدل والقانون هما المعيار الذى يجب أن يسود وأن يأخذ كل ذى حق حقه وبالقانون فالقانون هو السيد ، ولم يستطع أن يقاوم التيارات العالية التى كان يتعرض لها والضغوط التى تنهال عليه خاصة فى ظل رئيس (عبد الرحمن عارف) طيب القلب متردد ، ضعيف ، مغلوب على أمره        لم يستطع هو الآخر أن يقف أمام متطلبات ورغبات عسكرية وغير عسكرية كانت أقوى منه وتشعره أن وجوه مرتبط برضاها عنه ..

وأخيراً نجحت الوشايات والمؤمرات التى حيكت للإطاحة بعبد الرحمن البزاز بحجة أن مدته قد طالت أكثر مما ينبغى ويجب عليه أن يرحل ويخلى المكان لغيره وهذا ما حصل فعلاً وكأنها (لعبة كراسى) فحمل البزاز عصاه على كتفه ورحل ليس من المنصب فحسب بل من الدنيا أيضاً رحمه الله.

كان عبد الرحمن البزاز خلق رفيع ، عف اللسان لا يستغيب أحداً ولا يرضى أن يستغاب أحد فى مجلسه ،طويل البال ، يسيطر على أعصابه ، واسع الإطلاع خاصة فى الشريعة الإسلامية ، صادق التدين ، كثير الاعتداد بنفسه إلى الحد الذى يعتبره البعض تعالياً لذا كانت صداقاته قليلة ونادرة وعلاقاته محدودة ، ورغم مظهره الدال على الصلابة إلا أنه يخفى فى جانحيه خوفاً ورعباً من المرض والموت يحاول أن يداريهما باللامبالاة والتماسك ... رحمه الله ...