مفارقات

د.عبدالكريم هاني

 

بينما يقترب موعد الانتخابات يوما بعد آخر يبذل المرشحون و قادة القوائم جهودهم في الاتصال بالمناطق و المحافظات التي رشحوا فيها و دراسة أوضاع الرأي العام فيها على الطبيعة على قدر ما تسمح به ظروفهم الأمنية , و كل هذا طبيعي و متوقع طبعا , لكن أحد زعماء القوائم آثر أن يغادر البلد في هذا الوقت الحرج مما أثار التساؤل طلبا لتفسير هذا الغياب في هذه الظروف . ينسى المتسائلون البديهية الأساسية في كل الانتخابات الديموقراطية  و هي ضرورة الاتصال بالناخبين و بمن يسمونهم المفاتيح الانتخابية  بصورة مباشرة , فلماذا تلومون الرجل إذا كانت مفاتيحه عبر المحيط ؟

طالبت الامبراطورة الجديدة بقوة بحل جميع المليشيات في لبنان و نزع أسلحتها و قالت انه يستحيل ان يتفق وجود المليشيات المسلحة و الديموقراطية . هذا القول يجدد إعلان قاعدة ديموقراطية راسخة , لكن أجهزة الإعلام لم تشر الى إضافة صغيرة يجب أن تتبع ذلك الإعلان ليصبح " يستحيل أن يتفق وجود المليشيات المسلحة و الديموقراطية إلا في العراق " لكي تستقيم الديموقراطية .

أعلنت نفس الامبراطورة أنها لا تمانع في أن يناقش مؤتمر المصالحة الوطنية الموعود موضوع جدولة انسحاب القوات الأميركية من العراق , و كأنها أبت إلا أن تقول ان المؤتمر الموعود لن يستطيع أن يتمتع بحرية البحث خارج موافقتها في المواضيع التي تؤدي الىتحقيق الهدف من انعقاده , على الرغم أن عنوانه قد تحول الى مؤتمر للحوار الوطني تمهيدا للوفاق المطلوب .

يقول أحد قادة ( المعارضة السابقة ) انه طلب من السيد خامنئي أيام الحرب العراقية الإيرانية أن يخصص جزء من جبهة القتال للمقاتلين من المعارضة لكن السيد خامنئي أجابه معترضا ألستم عراقيين و هم عراقيون ؟ ( عادل رؤوف , عراق بلا قيادة ص 271 ) , لقد رفض السيد خامنئي فكرة أن يقاتل العراقي عراقيا مثله بالرغم من تطوع ( العراقيين المخلصين ) و حماسهم لمقاتلة إخوانهم .

قال ناطق عسكري انهم يلاقون صعوبة في العثور على مسلحين في القائم , و جاء هذا القول بعد أن تم تدمير القائم فلم تعد قائمة و بعد قتل المئات من الأطفال و النساء و الشيوخ الذين كانت البلاغات تعدهم تحت عنوان  الإرهابيين , لكن لا غرابة و لا مشكلة في ذلك , ألم تأت قوات العدوان التي أرشدها ( الوطنيون المخلصون ) للبحث عن أسلحة الدمار الشامل التي زعموا أن العراق يستطيع نشرها خلال خمس و أربعين دقيقة , ثم أعلنت نفس القوات بعد تدمير البلد و بعد شهور من البحث المضني أنها لم تجد ما يدل على امتلاك العراق لشيء من الأسلحة المزعومة ؟ ثم قالت لتبرير عدوانها ان العراق يملك النية لبناء امكانية صنع هذه الأسلحة ! كذلك أطفال القائم و الفلوجة و الكرابلة و حصيبة و البغدادي و..و..و.. سيكبرون وهم يملكون النية ليصبحوا ( إرهابيين ) يحملون السلاح , و النساء سوف يلدن أطفالا آخرين  يكبرون أيضا ليصبحوا ( إرهابيين ) !

قال الجنرال كيسي و هو يفرض الحصار على المدن " السنية " ( حسب تعبير الصحيفة التي أوردت الخبر ) الواحدة بعد الأخرى " ان ( السنة ) الذين يرفضون ( الديموقراطية ) سيتم احتلالهم (   استعمل كيسي هذه الكلمة بكياسة ) من قبل القوات العراقية الى أن يقبلوا بالـ ( ديموقراطية ) " . هذا يذكرنا بتعريف استعمله أحد أبطال التاريخ الأسود لإبادة سكان أميركا الأصليين حين قال الهندي الطيب الوحيد هو ( الهندي الميت ) و هو التعريف الذي استعارته غولدا ماير في وصف ( الفلسطيني الطيب ) , و يقودنا هذا الى تعريف ( العراقي الطيب  ) حسب نظرة الجنرال كيسي التي لا شك تنبع من نفس المعين العنصري فهو الميت سياسيا أو أخلاقيا , و إلا فبرصاصة الديموقراطية .

البريد الألكتروني : ahani@ maktoob.com

15/11/2005

نشر في العدد 337 من جريدة الوطن في  20/11/2005