شهود الإثبات

د. عبدالكريم هاني

 

شاهد العالم قبل أيام على شاشات الفضائيات مشاهد حسبها الجميع مناظر من أفلام الوسترن, فقد طوقت الدبابات بناية الموقف في البصرة بعد أن سوت السيارات التي كانت تقف قربه بالأرض و أشعلت النيران بما تبقي منها بينما توجهت بعض منها الى جدران المبنى تهدمها لتفتح لنفسها الطريق ( لتحرير ) الموقوفين على ذمة التحقيق , تماما كما كان رجال العصابات في تلك الأفلام يقتحمون بناية السجن وهم يطلقون الرصاص ليعودوا ظافرين بعد ( تحرير ) زملائهم ! الفرق الوحيد أن أفراد العصابة التي اقتحمت السجن هم من جيش الامبراطورية التي غربت قبل أن تغرب عنها الشمس , و أن هذا الجيش قد جاء مع المتعددة الجنسيات بقيادة زعيمة العالم ( الحر ) بهدف ( تحرير ) العراق و ليعيده الى جادة الحضارة و المدنية و حكم القانون .

كان لا بد أن تقوم تلك الدبابات بما قامت به , فالسجينان المطلوبان قد القي القبض عليهما بالجرم المشهود و هما بالملابس التي تنكرا بها لتسهيل ارتكاب الجريمة التي كلفا بها , و إلا لا يقل لي أحد انهما كانا من هواة التمثيل و أن ما كان بيدهما لعبة يلهوان بها لكن الناس قد أخطأت قراءتها و ظنتها عبوات ناسفة يقصدان زرعها و ظنت جهلا أن سيارتهما و البنادق و الأسلحة الأخرى التي تحملها يقصد بها إيذاء فريق من الناس وإيهامهم أن ( الطرف الآخر ) قد قام بذلك لعل الفتنة المطلوبة تشتعل نتيجة هذا الوهم .

لم يكن كل ذلك غريبا , لكن الغريب أن تنفي سلطات الامبراطورية هذا الأمر بالرغم من مشاهد الدمار التي نقلتها الفضائيات و بالرغم من ملابس الرجلين و الهويات العربية التي كانا يحملانها . و وفق قواعد الحرب فإن العسكري الذي يرتدي لباس الخصم يفقد حقه في الحماية التي تضمنها الإتفاقيات الدولية و قانون الصليب الأحمر الدولي للعسكري الأسير, لكن السادة لا تسري عليهم القوانين .

بعد هذه الواقعة , و قبل أن يمكن للمطيبين المحليين لفلفتها أمسكت الأيدي المخلصة باثنين يقومان بنفس العملية في مكان آخر , و اكتشف انهما من أبناء زعيمة ( الحرية ) , و كان من نعم الله على هذا الشعب أن الذين اكتشفوا الواقعة كانت تتولاهم الشكوك في موقف ( الطرف الآخر ) منهم خصوصا بعد نداءات ( البعبع ) المتكررة بتهديد أهليهم بالقتل أينما وجدوا .

و لم تنته المفاجآت فقد أمسكت الأيدي المخلصة بآخرين يوزعون منشورات تدعو أبناء فريق الى قتل جميع أبناء الفريق الآخر تطبيقا لفتاوى ( البعبع ) المذكور , و كانت المفاجأة أن الذين كانوا يوزعون هذه النشرات يتبعون مليشيا أحد الأحزاب الدينية من الذين تدربوا في إحدى دول الجوار .

لا بد أن ( العقارب ) التي تم تدريبها منذعام 2002 لم تعد تكفي لإداء المهمات المطلوبة , و النار التي تحاول أن تشعلها تخبو فيخيب أمل الوقاد ولذلك اضطرت الأطراف المجندة الى الاستعانة بأبنائها لعلهم يكونون أكثر إخلاصا و دقة في التنفيذ من العملاء , لكن الله يشاء أن يفضح الخطط الجهنمية ليحمي هذا البلد مما يكيد له الكائدون , و لقد كان جميع المخلصين يؤكدون ان جميع العمليات التي استهدفت أبناء الشعب و مؤسساتهم الدينية و التعليمية كانت من فعل عناصر مدفوعة الأجر يحركها أعداء الأمة الطامعون بخيراتها و الذين لا يريدون الخير لهذا البلد و أبنائه . و لعل في هذه الحوادث التي حدثت ما يفتح العيون و ينبه الغافلين ليتبينوا الرشد من الغي و ليعملوا جميعا على تقوية اللحمة الوطنية و لتتوجه كل الجهود المخلصة لطرد المحتل و إفشال جميع مخططاته و لبناء العراق الحر الواحد ان شاء الله .

البريد الألكتروني : ahani@ maktoob.com

22/9/2005

نشر في العدد 303 من جريدة الوطن في  25/9/2005