هذا الطريق عرفناه

د. عبدالكريم هاني

 

مرة أخرى يسير العالم في طريق تبدو نهايته واضحة المعالم لكل ذي عينين , و إن كانت أشد هولا من كل مرة سبقتها . هذا الطريق الذي بدأه هتلر عام 1938 و هو ينادي بالويل و الثبور لضمان " المجال الحيوي لألمانيا " صارخا " أن صبره قد بدأ ينفد " حتى اضطر تشمبرلين ( بريطانيا ) و دلادييه ( فرنسا ) و موسوليني ( ايطاليا ) الى ترضيته بالسماح له بابتلاع السوديت من تشيكوسلوفاكيا وفق اتفاقية ميونخ في ذلك الوقت , تلك الإتفاقية التي فتحت شهيته لابتلاع كل تشيكوسلوفاكيا التي كان يقول انها تشكل خطرا على الأمن في أوروبا و السلام العالمي, و انتهت بالحرب العالمية الثانية التي كلفت العالم ملايين القتلي و ملايين المعوقين و المشردين .

و عاش العالم رعب نفس الطريق في العقد الأخير من القرن الماضي عندما بدأت الشكوى الأميركية من التهديدات التي يشكلها العراق للسلام العالمي و لـ" المصالح الأميركية " و "لأمن المنطقة" . و توالى المسلسل : الحصار و العقوبات الاقتصادية و التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل التي تصنع خلال 45 دقيقة و القادرة على الوصول الى أميركا و تدميرها و قانون تحرير العراق و تخصيص عشرات الملايين للمرتزقة , و أخيرا نفس صراخ هتلر : " لقد بدأ صبري ينفد " !! ثم كان ما كان و انفرد الرئيس بوش بقرار الحرب , و سقط عشرات آلاف الضحايا و دمرت المدن العراقية . ثم أقرت الحكومة الأميركية أن لجان التفتيش التي شكلتها إدارة الاحتلال لم تستطع العثور على أي دليل على وجود أسلحة الدار الشامل .

العالم لم يطالب بوش بالاعتذار عن خديعة أجهزته للعالم , و إذا كان كولن باول وزير خارجيته قد استقال فإنه ما استقال خجلا من مواجهة المنظمة الدولية التي أكد أمامها و هو يعلم أنه يكذب أنه يملك " الدليل القاطع "  على وجود أسلحة الدمار الشامل لدى العراق . لكن العالم يطالب بوش و إدارته بالاعتبار من الماضي القريب و البعيد , و هو يشعر بالقلق لأن معالم الطريق التي سبق المرور بها تتكرر اليوم : " النشاط النووي الإيراني " و " تشديد العقوبات الاقتصادية " و" قانون دعم حرية إيران" لا شك بصواريخ كروز و توماهوك و غارات الإيفات و قذائف اليورانيوم المنضب و غير المنضب .

تزداد الصورة كآبة و نحن نراقب المشهد الإيراني الذي يعيد بكفاءة نادرة السيناريو العراقي في الأعوام التي سبقت العدوان : التهديد بقبر الغزاة , ملايين المتطوعين المستعدين لدحر المعتدين , الى آخر ما سمعه العالم قبل بضع سنوات من مزايدات و ادعاءات لم تؤد إلا الى تصعيد التوتر و تقديم المزيد من مبررات التشنج الأميركي .

المشهد العالمي لا يبعث على الارتياح : تتزايد روحية ميونخ في السيطرة على الجو , لا تسمع دعوة للتخفيف من غلواء القوة التي أسكرت أصحابها , بل بالعكس تسمع دعوات و ضغوطا على الضحية المطلوبة للاستسلام أمام الجبروت , هذا الاستسلام الذي فتح شهية هتلر لابتلاع أوربا قبل ثلاثة أرباع القرن و يفتح الشهية اليوم للابتلاع لا الضحية القائمة فعلا , و لكن الضحايا التي "كانت" كبيرة أو "كبرى" ! و ستستفيق هذه عندما تحز السكين رقبتها فتعلم أنها أكلت يوم أكل الثور الأبيض .