رحم الله الكمالي
د. عبدالكريم هاني
و الكمالي الذي أرجو له الرحمة هو المرحوم عبداللطيف عبدالجبار الكمالي الذي كان في فترة حكم الرئيس عبد السلام عارف معاونا لمدير عام وكالة الأنباء العراقية ثم مديرا عاما للإذاعة و التلفزيون . أما مناسبة هذا الرجاء فسأشرحها فيما يلي :
قرأت في صفحة الرياضة في إحدى الصحف خبر قيام شباب إحدى المدن الفلسطينية بتنظيم ساحة ألعاب لممارسة ألعابهم , و أضاف الخبر أن الرئيس الفلسطيني قد تبرع لهم بقطعة الأرض المناسبة . هذا التبرع أثار لدي سؤالا لابد من طرحه على من أورد الخبر في الأصل : ما هي علاقة هذه الأرض بممتلكات الرئيس المذكور ؟ و تذكرت ( المكرمة ) التي كانت تدعى بها كل مصروفات الميزانية من قبل ( القائد الملهم أو الضرورة ) حتى رواتب الموظفين كانت مكرمة , و إنشاء أي مشروع من أموال هذا الشعب سواء كان لتنقية المياه للمناطق العطشى أو تبليط طريق أوغيره كانت مكرمة , حتى الموت في زنزانات ( القائد الفذ ) كان مكرمة في ذلك العهد الزاهر يستحق عليها التسبيح بحمده ليل نهار .
و قد أبرز هذا في ذهني أمرين الأمر الأول حول نظرة الحكام , أو أجهزة إعلام أنظمتهم , الى المال العام و صلاحيات هؤلاء الحكام في التصرف في هذا المال و أوجه التصرف . و الثاني موقف المرحوم الكمالي في هذا الخصوص . كانت وسائل الإعلام تتلقى من وكالة الأنباء العراقية الأخبار المتعلقة بنشاط الرئيس , و كانت تصدر بها بيانا تدعوه ( تشريفات رئاسة الجمهورية ) و هي تسمية ورثتها من العهد الملكي . و أذكر في هذا المجال أنني دخلت غرفة سكرتير عام رئاسة الجمهورية المرحوم عبدالله مجيد فوجدته يملي في التلفون ذلك البيان مبتدئا بعبارة ( تفضل سيادة المشير الركن عبدالسلام محمد عارف رئيس الجمهورية و القائد العام للقوات المسلحة فأمر بإيفاد السيد . . . الى . . . ) فقاطعته بإشارة من يدي و طلبت منه أن يقطع المكالمة ففعل , و قلت له لماذا يجب أن تطلبوا من الناس أن يشتموا الرئيس ؟ فاجأه السؤال و التفت الي مستفسرا فقلت له دعوا فخفخة الملوك يا أخي لأصحابها و تحدثوا عن الرجل بالبساطة التي يتصرف بها مع الناس , قال كيف إذا ؟ فكتبت له على ورقة ( أوفد السيد رئيس الجمهورية السيد . . . الى .. . ) و استمر على هذا النص مدة طويلة . و كان المرحوم عبدالسلام يقوم بزيارات الى المدارس و الدوائر و الوزارات , و كانت البيانات التي تأتي من ديوان الرئاسة تتضمن ( . . . و أبدى سيادته توجيهاته . . . الخ ) أو ( وتبرع سيادته بمبلغ . . . الى فقراء المدرسة و الفراشين . . . ) , و كان الكمالي يشطب الجملة الأولى , و يبدل الجملة الثانية بعبارة ( و أمر سيادته بصرف مبلغ . . . الى الفقراء و الفراشين ) .
أثارت هذه التغييرات المشاكل بين السكرتير العام و الكمالي و لم تنته عندما أصبح مديرا عاما للإذاعة و التلفزيون يفترض أن يذيع ما يصله من وكالة الأنباء , و كانت العلاقة بين الإثنين متوترة غاية التوتر فكان السكرتير يشكو من موقف الإذاعة , و كان مديرها العام يشكو من تدخل السكرتير في شؤونها بدون التزام . و طلب مني رئيس الوزراء التدخل بحكم علاقتي بالكمالي و قربي من الرئيس فقال لي الكمالي مبررا موقفه ذاك بالقول مثلا ماذا يعرف هو عن الصناعة لكي يبدي توجيهات للمهندسين في المعمل الذي زاره ؟ أما التبرع فقال لي سأقول انه تبرع عندما أسمع أنه صرف المال من جيبه و من راتبه , أما الآن فإنه يصرف المال من خزينة الدولة . و استمر الكمالي على ذلك الموقف , و استمر في عمله في منصبه تحت إصرار رئيس الجمهورية على بقائه حتى أنه رفض أن يقبل اقتراحي بتعيينه وكيلا لوزارة العمل التي كنت اتولاها لإطفاء الفتنة و قال لي ان الكمالي موظف أعتز به في مكانه هذا . و استمرت الحال الى أن وصل الصراع بين الإثنين الى انفجار سبب أخطر أزمة سياسية واجهت عهد عبد السلام عارف حتى ذلك الحين .
رحم الله الأربعة الذين ذكرتهم و رحم عهدا كان الموظف فيه يستطيع أن يقول لا للرئيس .
نشر في العدد 14 من جريدة السياسي في 8/3/2004