حول " حياة صدام السرية "
إعادة كتابة التاريخ لا تعني إلا تزويره حسب مفهوم " القائد الملهم "
د. عبدالكريم هاني
تابعت بعض ما تنشره جريدتكم الغراء تحت عنوان " حياة صدام السرية " , لكن المؤسف أن الجريدة لا تشير الى مصدر هذه المعلومات التي يبدو لي الكثير منها ينفذ رغبة " القائد الضرورة و الرمز " في إعادة كتابة التاريخ كما كان يحلو له أن يؤكد لتملأ صفحاته الأكاذيب و التزويرات, و كان بودي أن أستطيع التعليق على بعض ما ورد فيها , لكن منعني عن ذلك أنني لست مطلعا مباشرة على الحقائق المتعلقة بتلك المواضيع و كنت أتمنى أن يتصدى لذلك الذين عابشوا الأحداث التي تحدثت عنها تلك الأجزاء , حتى جاء الجزء الحادي عشر في عدد جريدتكم المرقم 556 في 2/6/2003 و المتعلق بانقلاب 1968 , فقد كنت وثيق الصلة بما كان يجري للتهيئة لذلك الإنقلاب .
يقول كاتب المقال : " . . . إن صدام أصبح حرا الآن من جديد لإطاحة الحكومة و الإستيلاء على السلطة . " . . و " فجر يبوم 17 يوليو استولت وحدات عسكرية عدة يرافقها نشطاء بعثيون مدنيون على مؤسسات عسكرية و حكومية مهمة . كل الخطوط الهاتفية تم قطعها في الساعة الثالثة فجرا و صدرت الأوامر بالتحرك الى قصر الرئاسة . و اندفعت دبابات الى باحته و وقفت تحت النوافذ . . . و كان في الدبابة الأولى ضابط ببزته العسكرية و مسدسه في يده أما هذا الضابط فقد كان صدام حسين ." لاشك أنك مقتنع أخي القارىء من هذا العرض أن صدام حسين كان بطل " ثورة 17 – 30 تموز " كما يحلو لهم أن يسوها . و يكرر يكرر هذا العرض ما كانت دعاية البعث تؤكده في شهر تموز من كل عام في تطبيلها و تزميرها للقائد الفذ .
و المؤسف أن كاتبا مثل السيد صلاح عمر العلي عاش في صلب الأحداث يكرر نفس الأقوال في الحلقات التي نشرتها جريدة الاحياة و أعيد بثها من بعض الفضائيات العربية و هي أقوال تنسجم مع الرغية " السامية " في إعادة كتلبة التاتريخ .
لقد كانت عملية الإنقلاب عملية داخلية صرفة تمت بقيام " الفرسان الثلاثة " عبدالرزاق النايف ( معاون مدير الإستخبارات العسكرية ) و ابراهيم عبدالرحمن الداوود ( آمر لواء الحرس الجمهوري ) و سعدون غيدان ( آمر كتيبة الدبابات في اللواء المذكور ) بتحويل فوهات مدافعهم صوب القصر المؤتمنين على حمايته ! فمن هم المتعاطفون من الجيش الذين قدموا لهم عربات مدرعة في الطريق ؟ و ممن استولى أفراد المجموعة على الدبابات ؟ ( أعتذر للكاتب الكبير الكسندر دوماس و لفرسانه الثلاثة لاستعمال تعبير الفرسان الثلاثة لوصف " أبطال " الإنقلاب لأن فرسان دوماس كانوا يقدسون شرف الجندية و رابطة الصداقة , بينما خان " فرسان تموز " الإثنتين . )
و ". . . الرصاص الذي أطلقته عناصر الحرس الجمهوري للتعبير عن الفرح و الإنتصار . . . " تقول بعض الروايات التي أطلقتها مقولة " إعادة كتابة التاريخ " ان بعض القائمين بالإنقلاب أفهموا جنود الحرس الجمهوري الذين كانوا مخلصين لواجبهم , على عكس قادتهم , ان هناك مؤامرة يدبرها أنصار طاهر يحيى للإطاحة بعبدالرحمن عارف و أن الجميع مدعوون لحماية الرئيس فضمنوا بذلك تعاون هؤلاء الجنود ! فكيف يتهمهم كاتب " القصة " بالفرح لسقوط حكم رئيسهم الذي يخلصون له الولاء ؟
" و عمد الجنرال أحمد حسن البكر العقل المدبر للإنقلاب . . . " نشرت صحف الإنقلاب في الأيام الأولى للإستيلاء على الحكم أن العقل اىلمدبر للإنقلاب و لولب الحركة كان عبد الرزاق النايف ! و إذا كانت الهواتف قد قطعت فكيف اتصل البكر بالرئيس ليبلغه بقلب نظام حكمه ؟ و المتواتر أن الذي قام بإبلاغ عبدالرحمن عارف بانتهاء ولايته بالانقلاب هو آمر حرسه الجمهوري ابراهيم عبدالرحمن الداوود و كانت مكافأته على ذلك منحه رتبة فريق و تعيينه وزيرا للدفاع اللتين تمتع بهما لأقل من خمسة عشر يوما ليحوله الأبطال الآخرون الى لاجىءيحمد الله أنه نجى من المصير الذي أصاب شريكه في " البطولة " عبدالرزاق النايف و الذي اغتيل في بريطانيا بالرغم من الحماية المكثفة التي قدمتها له السلطات البريطانية .
" و أعلنت إذاعة بغداد أن حزب البعث قد استولى على السلطة . . . " و كل متتبع يعلم و يتذكر جيدا أن التركيز الإعلامي كان على نفي هذا الأمر لتجنب إثارة مشاعر الناس و استفزازهم , و حتى بعد انقلاب 30 تموز و التخلص من النايف و الداوود استمنرت دعاية الإنقلاب تتجنب الإشارة الى الحزب لفترة طويلة الى أن استتب الأمر للبعث بالنظر للتجربة المريرة التي عانى منها أبناء الشعب أيام الحكم الأسود للبعث عام 1963 قبل أن يخلصهم المرحوم عبدالسلام عارف من ذلك الكابوس .
و أعود الآن الى ما أعرف و أتذكر من تلك الأحداث :
في أواخر عام 1967 كان كل من عبدالستار عبدالطيف و د. خالد الشاوي و المرحوم د. ياسين خليل و كاتب هذه السطور نلتقي بصورة دورية في بعض الأمسيات , و قد جمعتنا قبل ذلك وزارة الفريق عبدالرحمن عارف و كان لنا فيها مواقف متطابقة دفعتنا بعدها خارج وزارة طاهر يحيى عندما جرى إقناع عبدالرحمن عارف بعدم جواز الجمع بين منصبي رئاسة الجمهورية و رئاسة الوزارة . شكل طاهر يحيى وزارته من أغلب أعضاء الوزارة السابقة باستثنائنا ( لا بد هنا من الإشارة الى المفارقة أن طاهر يحيى حرص على أن يجمع في وزارته تلك كل العناصر الذين سبق لهم أن استقالوا من وزاراته السابقة ! )
أخبرنا عبدالستار عبداللطيف في واحدة من تلك الأمسيات عن اكتشاف مؤامرة لقلب نظام الحكم و أن العميد صعب الحردان (آمر الانضباط العسكري) أقسم للرئيس على المصحف أن الفرسان الثلاثة قد فاتحوه للتعاون معهم لإقصاء عبدالرحمن عارف و عرضوا عليه مبلغا من المال لبيع ولائه للرئيس ! ( أكد لي هذه الرواية بعدئذ كل من صعب الحردان نفسه حين جمعنا معتقل قصر النهاية عام 1969 و المرحوم أنور ثامر الذي شاركني زنزانة في نفس المعتقل و ذكر أنه كان في زيارة للرئيس عبدالرحمن عارف الذي يرتبط به بصلة قرابة وثيقة عندما جاء صعب الحردان و قص على الرئيس تلك القصة . و أمام إصرار العميد صعب على روايته اضطر الرئيس لاستدعاء " الفرسان الثلاثة " و قد انهاروا عندما شاهدوةا الموجودين و أقروا بذنبهم قبل سؤالهم و هم يرجون الرئيس أن يسامحهم لأنهم قد أخطأوا و أقسموا له على المصحف يمين الولاء مجددا , و عادوا جميعا الى مراكزهم السابقة !!
في كانون الثاني 1968 دخلت الوزارة مع د. ياسين خليل و آخرين في تعديل وزاري كان يفترض أن يليه تشكيلة جديدة خلال أسابيع . و عاود " الفرسان " نشاطهم في الربيع و كانت تحركاتهم شبه علنية , و كانوا يهدفون الى إخراج طاهر يحيى من الوزارة , و اتصلوا بكل طامح للحكم , و علمت أن أحد الوسطاء اتصل نيابة عنهم بأحد الشخصيات و قال له ان هناك ثلاثة حـ. . . يحملون أحمالا ثمينة يبحثون عمن يركبهم و يسوقهم و هم يأملون أن تكون مستعدا لأداء هذه المهمة ! و قد رفض هذا الشخص الاقتراح , و ظلوا يبحثون يمينا و شمالا . و أخبرني من أثق بصدق روايته أن سعدون غيدان ذكر أمامه أنه عرض نفس الأمر على طاهر يحيى فرفض , و قد سألت المرحوم طاهر عن ذلك فنفى الموضوع جملة و تفصيلا و قال انه لم يكن يطيق سعدون أو أصحابه كما لم يكن سعدون يطيقه خصوصا و كلاهما من صنف الدروع و يعرفان بعضهما – مع فارق السن و الرتبة طبعا .
لسنا ندري هل أن الصدفة أثناء هذا البحث قد دفعتهم الى حردان التكريتي و صالح مهدي عماش أو أنهم اتصلوا بهما تنفيذا لأوامر " أعلى " إذ يذكر الذين استقبلوا صالح عماش عندما عاد الى العراق أوائل عام 1968 أنه قال ان هناك من طلب منهم العودة و التهيؤ لعودة الحزب للحكم و سيحكم سبعين عاما لأن بعض العرب سيوقعون اتفاقات مع المحتلين الصهاينة و على النظام الجديد أن يشتم هؤلاء .
المهم أن حردان و صالح اقترحا البكر رئيسا بعد أن أقسموا جميعا بالطلاق بالابتعاد عن الحزب و عدم فسح المجال لأي تدخل حزبي . و تم الإتفاق أن يكون النايف رئيسا للوزراء و الداوود وزيرا للدفاع و حردان رئيسا لأركان الجيش , و تشكيل مجلس قيادة ثورة منهم – الغريب أن هؤلاء الستة انتهوا بالتشريد ثم الموت في حوادث اغتيال أو في ظروف غامضة !
أصبحت الطبخة جاهزة في أواخر حزيران 1968 , و كانت حالة البلبلة و أحاديث اتلتغيير الوزاري المترددة التي سادت الوضع السيالسي في ذلك الحين قد شجعت الجماعة على تكثيف اتصالاتها , و كانوا يهدفون في الدرجة الأولى الى إقصاء طاهر يحيى عن الحكم و أدخلوا في روع عبدالرحمن عارف أن طاهر يحيى يتآمر عليه . و استفاد المتآمرون الحقيقيون من منصب عبدالرزاق النايف في الاستخبارات العسكرية يعاونه رئيسه مدير الاستخبارات العسكرية الذي ارتبط بحزب البعث عام 1966 و الذي نال مكافأته بعد ذلك بتعيينه سكرتيرا لمجلس قيادة الثورة عند إنشائه . ( كشف لي هذا الأمر أحد العناصر الذي سعيت الى تعيينه هناك عام 1964 , و قد طلبت منه إبلاغ هذا الأمر الى أحد الوزراء الذي تربطه علاقة متينة بالمرحوم عبدالسلام عارف , و كنت خارج الوزارة في ذلك الحين . و اتصلت بالوزير المذكور لتسهيل مقابلة هذا الشخص , و عاد الي المسكين و هو يرتجف من الغيظ لأن الوزير قد طرده شر طردة و قال له انه يعلم ان جماعة طاهر يحيى قد أرسلوه ليثيروا زوبعة داخل وزارة البزاز على أمل أن تسهل لهم عودة طاهر يحيى الى الحكم ! و لما كنت محسوبا على جماعة طاهر فإن القضية أصبحت واضحة . و انتهى المرحوم عبدالسلام عارف بعد ذلك ببضعة أيام في ظروف تثير التساؤل .) اقترحت على بعض الوزراء تقديم استقالات منفردة أو مجتمعة لوضع حد للبلبلة التي كانت قد شلت الوضع السياسي في البلد , و ما دام الذين بيدهم الحل و القرار لا يريدون أن يشعروا بالخطر , و اقتنع بهذا المرحوم د. ياسين خليل فاتفقنا على تقديمها فور مغادرة السيد قحطان الشعبي العراق و الذي كان في زيارة رسمية إذ لم نشأ أن نخلق أزمة قبل انتهاء الزيارة .
عند تقديم استقالتنا طلب طاهر يحيى اصطحابه الى القصر الجمهوري حيث قابل رئيس الجمهورية فيما كنا نقدم نسخة من استقالتنا الى رئيس الديوان , و عاد الينا بعد قليل و قال انه قدم استقالته الى رئيس الجمهورية . . . بدأ عبدالرزاق النايف و جماعته يتصرفون ببعض التروي و أصبح الهدف قطع الطريق على أي تفكير بعودة طاهر يحيى الى الوزارة و استمروا في ضغطهم على الرئيس و اتصالاتهم بالآخرين , و بدأت أقابل كلا من رئيس الجمهورية و رئيس الوزراء يوميا – و أحيانا مقابلة أحدهما أو كليهما أكثر من مرة لندفع عملية تشكيل وزارة جديدة قوية و منسجمة و متماسكة لتدفع عن البلاد المخاطر التي أوقعتها فيها صراعات بعض العناصر في الوزارة السابقفة . و كنا نركز جميعا على محاولة فضح مؤامرة النايف , و كانت آخر مرة قابلت فيها رئيس الجمهورية صباح 16/7 و قال لي بانفعال حين حدثته عن ضرورة إبعاد النايف بعض الوقت لحين هدوء الأمور ( ان في الجيش كذا ألف ضابط , أليس لي منهم ضابط واحد ؟) قلت له بهدوء ( سيادة الرئيس كل ضباط الجيش العراقي هم ضباطك , فلماذا هذا الشخص المريب ؟) و لعل الرئيس قد تأكد لديه ما كان النايف يحاول إقناعه به من تآمر طاهر يحيى , و أنا محسوب على جماعة طاهر ! و كذلك سمعنا جوابا يمنعني احترامي للفريق عبدالرحمن عارف و عائلته من ذكره .
بعد ذلك بساعات تلقى الرئيس نبأ خلعه من قائد حرسه و من معاون مدير استخباراته الموثوق ...و اتصل بـي هاتفيا د. شامل السامرائي كما اتصل بــي بعض الأصدقاء صباحا للإطمئنان , ثم اتصل الإنضباط العسكري على الهاتف الحكومي لأدلهم على البيت . أذكر هذا لأبين أن الإتصالات الهاتفية لم تنقطع لا قبل الإنقلاب و لا بعده .
مساء 16/7 طلب رئيس الجمهورية من وزير شؤون رئاسة الجمهورية البحث عن طاهر يحيى الذي كان يحضر احتفالات ذكرى الثورة لتكليفه مجددا بتشكيل الحكومة , واتصل الوزير بالفرسان الثلاثة ليبلغهم قرار الرئيس الذي كان اخر ما يمكن ان يتقبلوه.
ملاحظة مهمة: كنت قد كتبت هذا قيل بدء جريدة الحياة بنشر حديث ابراهيم عبد الرحمن الداود عن دوره في احداث 17 تموز 1968 والتي لم تتح لي الفرصة للاطلاع عليها كاملة حتى الان. آثرت ان اترك المعلومات التي لم اطلع عليها مباشرة لاترك لاصحابها فرصة الحديث عنها.
نشر في جريدة الحياة و في العدد 564 من جريدة الإتحاد في 24/6/2003
عبد الكريم هاني