شيء من التاريخ ... شيء من المنطق
د.عبدالكريم هاني
امتدت معاناة الشعب العراقي الكبيرة من تزوير الإنتخابات عقودا طويلة حتى أكسبته خبرة تجعله يشم رائحة التزوير قبل أن تشتعل النيران , و قد بدأت في العصر الحديث منذ أكثر من ثمانين عاما عندما أرادت دولة الإحتلال حينئذ ( بريطانيا العظمى ) أن تلبس احتلالها للعراق ثوبا من الشرعية فتقدمت بمسودة معاهدة كانت تهدف من خلالها أن تشرع ذلك الإحتلال و أعلنت عن انتخاب مجلس تأسيسي عهدت اليه ( في الدعوة الإنتخابية ) بمهمتين : تشريع القانون الأساسي ( الدستور ) و تصديق المعاهدة .
و أجريت الانتخابات على درجتين , لكن المندوب السامي وجد صعوبة بسبب نتيجة الانتخابات في تمشية المعاهدة في المجلس مما اضطره الىتوجيه إنذار شديد و التهديد بالتخلي عن تأييد بريطانيا لإلحاق ولاية الموصل بالعراق ما لم يتم التصديق على تلك المعاهدة . و اجتمع المجلس ليلا . و أمكن بعد جهد و وعيد جمع عدد من النواب يكفي لتحقيق النصاب و أقرت المعاهدة بأكثرية ضئيلة من الحاضرين . كان العراقيون الذين تولوا الأمر في تلك الفترة قد جاؤا الى الحكم على صهوات الخيول العربية التي قاتلوا على ظهورها في الجيش العربي في فلسطين و سوريا , و لم يأت أحد منهم ممتطيا دبابة ( حليفة ) ! و لذلك كان الكثيرون منهم يقولون لا بملء الفم .
و توالت الانتخابات في العراق ( المستقل ) بين حين و آخر بعد أن برع ( الآباء المؤسسون ) بفن ( إدارة ) الانتخابات عندما استعذبوا طعم السلطة و ازداد تعلقهم بها مما أكسب العراقيين الخبرة في اكتشاف التزوير و الصبر في قراءة نتائجها و الانتفاض عليها حتى جاءت ثورة تموز فوضعت حدا لذلك العهد . أمر واحد يسجل لثوار تموز : أنهم لم يزوروا انتخابات تفوضهم الحكم بل استمروا يعدون الشعب بالانتخابات يوما ما ! لكن الأمور بعد عشر سنوات و بعد الانقلاب على ضباط تموز بدأت تسير بوتيرة متصاعدة حتى سمع الناس بنتائج المائة في المائة !
و اليوم يدعى الناس الى انتخابات ديموقراطية مستوردة موديل 2004 حيث عين المندوب السامي قبيل سفره هيئة منتقاة يعناية أعطاها صلاحيات لم يتمتع بها أحد قبلها إلا القائد الضرورة فأصبحت لقراراتها قوة القانون , فاختصرت الطريق و أعلنت ما سمته قواعد السلوك في الانتخابات اشترطت على كل مرشح و كيان سياسي أن يتعهد خطيا باحترام قانون إدارة الدولة للمرحلة الإنتقالية و التمسك به قبل قبول ترشيحه. أي أن من يرى عدم شرعية هذا القانون ( كما سبق و أعلن ذلك سماحة المرجع الأعلى السيد السيستاني حفظه الله ) لا يقبل تسجيل اسمه مع المرشحين . فالانتخابات على هذا ستجري بين مؤيدي لاشرعية بريمر فقط و لا مجال لمن لم يعترف بـ( بركات ) الاحتلال للترشيح . هل تريدون أن تعيدوا المسلسل السابق بعد ثمانين عاما من المعاناة ؟
حكمة : إذا كان مقتل أكثر من ألف و ستمائة شخص في مدينة واحدة و خلال أسبوع واحد لا يسمى كارثة فإننا بحاجة الى قاموس جديد !!