تحية لوحدة الصحفيين العرب

 

  د.عبدالكريم هاني

 

شاهدت بإكبار كما شاهد الجميع الموقف المشرف الذي وقفه جميع الصحفيين العرب في انسحابهم الإجماعي من المؤتمر الصحفي الذي عقده كولن باول وزيرخارجية الولايات المتحدة , ذلك الإنسحاب الذي كان احتجاجا على قيام قوات الاحتلال عامدة بقتل كل من علي الخطيب و على عبدالعزيز العاملين في قناة العربية الفضائية و بدم بارد كما يرد في التعابير القانونية , مما يشكل خرقا لكل المعايير التي تتحدث عبثا عن حرية القول و حرية تدفق المعلومات بينما تكذب الوقائع يوميا كل تلك الإدعاءات و تظهر زيفها . إن هذا الإغتيال لم يكن المرة الأولى التي ضاق فيها صدر قوات الإحتلال عن ( فضول ) اجهزة الإعلام خلال هذا العام و نخشى ألا يكون الأخير لأننا نعلم أن صدر المحتل ضيق دائما .

و إذا كنا قد أسفنا على مصرع هذين البطلين الشهيدين من شهداء الصحافة فإننا شعرنا ببعض العزاء لأن هذه الخسارة قد أفرزت بعض المواقف الأيجابية فهذا الإنسحاب لم يكن تعبيرا عن تضامن الصحفيين المهني فقط بل جاء هذا الإنسحاب تعبيرا عن وحدة المصير العربي في وقت تتلهف كثير من الأطراف في الفضاء العراقي و العربي على إشعال نار التفرق و الإقليمية و تجاهل الإنتماء العربي الواحد , و لكن خاب فألهم و تبين للجميع أن وحدة أبناء العروبة أقوى من تطلعات أعدائهم , فرب ضارة نافعة , و قد تكرهون شيئا و هو خير لكم .

إننا نعجب لهذا الإستهتار بالأرواح و بكرامة الصحافة و نعجب أكثر العجب من سكوت المنظمات العربية و العالمية المعنية بحقوق الإنسان و بحرية الصحافة عن هذا الخرق المتكرر في وقت تحتفل فيه الولايات المتحدة بمرور عام على الغزو الذي تعتبره نصرا و ما زالت تسميه تحريرا بالرغم من كل ما صاحبه و ما تلاه من خرق لكل قواعد الحرب و القوانين الدولية  مما فضحته و ما زالت تفضحه الأوساط الأميركية السياسية و الإعلامية المختلفة قبل غيرها , و بالرغم من افتضاح التلفيق في جمع ( المبررات ) التي قدمت للأميركيين و للعالم لإقناعهم بضرورة  هذه الحرب .

الحكمة المأثورة التي يجسدها دعاء المؤمنين ( اللهم إن منحتني القوة فامنحني الحكمة التي تمنعني من إساءة استخدامها ) لم تعرف طريقها الى العقل الأميركي للأسف الشديد , و قبل أربعين عاما كان السناتور وليم فولبرايت الذي كان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ دورات عديدة في ذلك الحين , قد وصف مثل هذا الموقف بتعبير ( غطرسة القوة ) الذي جعله عنوانا لكتاب ضمنه محاضرات ألقاها على طلبة الدراسات في إحدى الجامعات الأميركية , و لعل بعض قادة أميركا اليوم قد استمعوا لبعض تلكم المحاضرات , أو قرأوا بعض صفحات ذلك الكتاب أو سمعوا به على الأقل .

رحم الله شهداء الكلمة الصادقة , كلمة الحق , و رحم الله حرية الصحافة التي مازالت تغتالها أيدي الطغاة في كل حين و في كل .بلد , و مرة أخرى تحية لوحدة الصحفيين العرب .

 نشر في العدد 13 من جريدة العرب في 24/3/2004