ثلث قرن بعد عبد الناصر
د. عبدالكريم هاني
( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا )
صدق الله العظيم.
تمر هذه الأيام الذكرى الثالثة و الثلاثون لرحيل العملاق العربي الخالد جمال عبد الناصر في 28/ أيلول 1970 و يكون بذلك قد مر ضعفا المدة التي مارس فيها الحكم ( 1954 – 1970 ) و ما زالت ذكراه العطرة باقية تزداد تألقا و بريقا على مر السنين. و قد تميزت هذه المدة بمفارقات غريبة , فقد تنكر لعبدالناصر أصحابه الذين ادعوا أنهم ورثته و حملة الأمانة من بعده فدخلوا مع أعتى خصومه و خصوم هذه الأمة في مباراة بالشتم لم يتعففوا فيها عن التلفيق و التزوير و محاولة الإنتقاص من كل ما قام بإنجازه أو دعا اليه سواء كان إنجازا ماديا أو دعوة فكرية , فكان همهم تهديم ما بناه , و لعلهم تحسروا لأنهم في حماسهم هذا لم يستطيعوا أن يعيدوا عجلة التاريخ الى الوراء فيلغوا كل ما حققه عبدالناصر و يعيدوا قناة السويس الى بريطانيا و فرنسا بإلغاء تأميمها و إعادة القواعد البريطانية البتي كانت تجثم على القناة و مناطق أخرى من أرض مصر طيلة 72 عاما و عجزت كل الحكومات التي تداولت الحكم في مصر عن إخراجها حتى استطاع عبدالناصر أن يحقق جلاءها و يحرر بذلك مصر التي اعتبر تحريرها مفتاح تحرير كافة أقطار الوطن العربي . و لئن لم يستطيعوا أن يهدموا السد العالي ! فانهم انصرفوا الى تسفيه فكرة إنشاء السد أساسا و قاموا بتنظيم أكثر من حملة تتحدث عن جملة الأخطاء التي يمثلها هذا السد و الأضرار التي أصابت البيئة و شواطئ البحر الأبيض المتوسط والأسماك المسكينة و الثروة الزراعية بعد إنشائه . و يأبى الله إلا أن يظهر الحقيقة فيضطر ( إخوان الأمس ) الى الإعتراف مكرهين أن السد العالي قد أنقذ مصر من المجاعة في موجة الجفاف التي اجتاحت المنطقة في أواخر القرن الماضي .
و المفارقة الثانية التي لا تقل غرابة عن الأولى هي انقلاب الفئات و الأشخاص الذين عاشوا على العداء لعبد الناصر و محاربة مطلقة لكل ما كان يمثله أو يدعو إليه و الذين لم يتورعوا في حربهم الحاقدة عن استعمال أقبح النعوت و الإتهامات , حتى أن بعضهم استمر بهذا النهج المريب مدة طويلة بعد رحيل البطل ( و ما يزال الكل يذكرون الحملات التي كانت تشن من بغداد أيام قيادة البعث لأجهزة الإعلام في العراق ) إذ انقلب هؤلاء بقدرة قادر الى ناصريين متحمسين فألغوا ماضيهم العدائي المريب و نسوا حملاتهم الحاقدة و ظنوا أن الناس ستنسى ذلك و صاروا يتمسحون بذكره و يطالبون بميراثه بعد أن وضعوا أنفسهم أوصياء على تراثه لعل ذلك يزكيهم و يخفف ما اقترفوا بحق هذه الأمة حين قبلوا لأنفسهم الإصطفاف مع أعدائها و وقفوا في خندق أعداء الوحدة يصفقون للمؤامرة التي وأدت أول خطوة صحيحة خطاها الشعب العربي نحو تحقيق أهدافه. و بقي الناصريون الحقيقيون يتلفتون عجبا بين الفريقين و هم يقولون سبحان مغير الأحوال !
لئن كان السد العالي في مصر يمثل عبدالناصر ( و هو قليل من الإرث الضخم الذي تركه ) فإن عبدالناصر كان بالنسبة للأمة سدا عاليا أمام العاتيات و ملاذا تلوذ اليه كلما انتابها من نائبات الزمان ما ينوب فكان نعم السند و نعم النصير , بل لقد كانت القاهرة أيامه محط آمال كل حركات التحرير في العالم الثالث و كان عبدالناصر بطلا عالميا في بلدان العالم الثالث المتحررة كما كان البطل الذي كانت البلدان التي تنشد التحرير تستلهم منه العون و العزم . و في الحملات التي مازال بعض ( إخوان الأمس ) و الخصوم الآخرون يشنونها عليه يكفي أن نقول انظروا الى حال الأمة اليوم و انظروا الى حالها أيام كان ذلك العملاق الشامخ يتلقى بصدره الرحب ضربات الأعداء و دسائس ( الأصدقاء ) , و هي مقارنة تكفي لإقناع كل من ابتغى الحقيقة و تجنب الضلال , و رحم الله أبا فراس إذ قال :
سيذكرني قومي إذا جد جدهم و في الليلة الظلماء يفتقد البدر
و ما أشد ما جد جدنا , و ما أظلم ليالي هذه الأمة بعدك يا أباخالد .
لقد كان من بركة الله علينا أننا عشنا في عصر عبدالناصر و شاركنا الأمة أفراحها بالأمجاد التي كانت تتحقق يوما بعد يوم , و هلهلنا من كل قلوبنا يوم قامت الوحدة بين سوريا و مصر ورعينا بمهجنا أمل أن تتسع هذه الوحدة لتضع الأمة على طريق النصر , و راقبنا بقلق المؤامرات المتتالية التي استهدفت هذه الوحدة حتى استطاعت حفنة من ( الأبناء ) بتعاون وتحريض بعض ( الأشقاء ) أن تقضي على ذلك الأمل صباح 28 أيلول 1961 في عملية الإنفصال التي قاومها الشعب السوري مقاومة بطولية كانت تجديدا للإستفتاء الشعبي الذي جرى قبيل ولادتها , ثم كانت المظاهرات التي ملأت شوارع المدن السورية يوم 9 آذار 1963 وما بعده تطالب بعودة الوحدة بالرغم من مقاومة سلطة الإنقلاب لتلك المظاهرات الى أن اضطرت تلك السلطة الى الإستعانة ب( أختها ) في العراق لتقوى على تمرير مؤامرة تثبيت الإنفصال , فكأن تلك الوحدة قد جرى الإستفتاء عليها ثلاث مرات كانت المرتان الإخيرتان منهما أمام مقاومة حكومية قاسية قدم فيهما الشعب الأعزل إلا من الإيمان عشرات الضحايا مما يدحض أقاويل خصوم الوحدة من أنها قد فرضت بالقوة على الشعب السوري الذي ادعوا عليه زورا أنه كان يرفضها.
فليغفر الله و ليغفر التاريخ , و لتغفر الأجيال الجديدة لهذا الجيل أنه أضاع الفرصة التاريخية التي هيأها له القدر فلم يستطع استثمارها لتحقيق أنبل أهدافها في وحدة بعض أجزائها على الأقل ليفخر أمام الأجيال الأخرى أنه سار خطوة على الطريق الصحيح ينتظر منهم الإستمرار بها, و لو كان قد نجح في تلك الخطوة لتجنبت هذه الأمة المستنقع الذي تكاد تغرق فيه اليوم ! و لكان شكل الخريطة السياسية في الوطن العربي و المنطقة غير ما نراه الآن !
نشر في العدد 603 من جريدة الإتحاد في 27/9/2003