المقامرة الخاسرة 

العنف الدموي الطائفي في العراق عنف قادم من الخارج

د. عبدالكريم هاني

 

كانت الخطة في الإعداد لغزو العراق تعتمد لتحقيق نجاحها على أمرين وذلك حسب نصائح الذين رافقوا الحملة منذ خطواتها الأولى سواء كانوا مثل العراقي الخطأ ( كما وصف ديفيد فيليبس بعضهم في جريدة النيويورك تايمس ) أو من الحلفاء الستراتيجيين لدولة الغزو , الأمر الأول ثورة العنف الطائفي فور وصول الغزاة و حلفائهم الى الأراضي العراقية و الأمر الثاني العنف العرقي و العنصري . و بالرغم من مرور ما يقرب من عام  على بدء العمل الدؤوب لإشعال نار الفتنة و الذي يتعاون فيه كل أعداء هذا الوطن من العناصر ( المستوردة ) فإن فألهم قد خاب بفضل الوعي العالي الذي أظهره العراقيون على اختلاف انتماآتهم و بفضل جهود المخلصين من أصحاب السماحة و الفضيلة العلماء الأعلام و قادة الرأي في البلد , و أبرزت النار المعدن الأصيل للعراقي و الذي كان دوما الصخرة التي تتحطم عليها كل مؤامرات أعدائه . و في السطور التالية المستلة من كتاب ( تاريخ العنف الدموي في العراق ,ص ص 205-207) لمؤلفه الأستاذ باقر ياسين يؤكد الكاتب الفاضل [ أن هذا العنف ... هوعنف قادم من الخارج تستجلبه معها الجيوش الغازية و الفاتحة , و أن هذا العنف ...كان يحمل صبغة مذهبية طائفية . . . و أن المجتمع العراقي قد أظهر تماسكا و صلابة غريزية فائقة , إذ لولا ذلك التماسك في نسيج البنية الإجتماعية لشعب العراق فإن تلك الحروب و المجازر الهمجية التي نفذت بقسوة فائقة أكثر من خمسة قرون ... كانت كافية لهدم أي مجتمع من المجتمعات و تفتيت وحدته الداخلية و القضاء عليه . و لعل من غير المبالغ فيه أن نقول بأن هذه الميزة الفريدة في قوة التماسك و الوحدة الإجتماعية و الصلابة الذاتية هي التي يعود لها الفضل في إبقاء الشكل الحالي للبلاد المعروفة اليوم باسم العراق. ]   “العرب”

 

[ ارتكبت القوات الإيرانية عند انسحابها عام 1743من البصرة عددا من المذابح بين السكان القاطنين في بعض القرى الواقعة على شط العرب لاسيما في قرية السبيليات . . . كما لم تنج ُ مدينة الزبير من الغزو و التخريب و العبث بقبور الأموات و هدم بعض الأضرحة . و يبدو أن البوصلة التي كان يستدل بها الإيرانيون في تلك المذابح هي البوصلة الطائفية حيث ما زال أبناء الطائفة السنية هم الأكثرية من سكان هذه القرى و المدن التابعة للبصرة .

نجد لزاما ان نقف هنا وقفة تفكر وتبصر وتحليل لنقلب الرأي في شأن هذا النمط من العنف الدموي الذي اخذ يغزو العراق من الخارج ويحيط به من الشمال الى الجنوب ونعني به العنف الدموي الطائفي..

فاذا تفحصنا اوضاع العراق وهو يغرق تحت هذا النوع الجديد من العنف الشرس فبإمكاننا ان نتبين النقاط الموضوعية التالية:

1-ان هذا العنف الذي انتشر في العراق بعد سقوط بغداد ودخول المغول هو دائما - وفي اغلب الاحيان- عنف قادم من الخارج تمارسه وتقوم به وتستجلبه معها الجيوش الغازية والفاتحة القادمة الى العراق من خارج حدوده وبالذات جيوش الدولة الايرانية وجيوش الدولة العثمانية.. ولا يعني ذلك خلو الامر من بعض القادة والعناصر والاتباع والمناصرين العراقيين من اهل البلاد ممن قاموا بالتحريض والمساعدة والمشاركة في ذلك العنف رغم قلتهم وتفاهة دورهم..

2-ان هذا العنف الدموي القادم من الخارج كان يحمل صبغة مذهبية طائفية . . .  ربما انجرت اليه بعض قطاعات هذا المجتمع بارادتها او رغما عنها. الا ان عراقة الشعب الموجود في وادي الرافدين والعمق التاريخي والحضاري لهذه البلاد وقوة التماسك الداخلي العائلي والقبائلي وقوة القوانين الاجتماعية السائدة وصرامتها كانت تشكل الى حد مقبول درعا قويا في مواجهة تلك النزاعات الطائفية وحروبها المدمرة.

3- لما كانت الاطراف المتصارعة هي اطراف غريبة عن العراق فقد استخدمت العراق بأهله ومدنه ومرافقه ساحة للمعارك والصراعات والحروب والدمار و لهذا . . .  كان العنف الاهوج المنفذ في العراق يجري بأقصى درجات القسوة والهمجية وعلى اوسع نطاق دون حرص للابقاء على اية قيمة من القيم في هذه البلاد.

4- ان موجات العنف الدموي الطائفي التي فرضتها وطبقتها ونفذتها في العراق جيوش الدولتين العثمانية والايرانية بالتناوب وما نتج عنها من مذابح ومجازر بشرية بشعة هي في احدى اشكالها وصورها التطبيقية وجه من وجوه دكتاتورية العقيدة الواحدة او الرأي الواحد . . .  وببعدها الطائفي..

5- نظرا لقوة الامبراطوريتين المتصارعتين في العراق -الامبراطورية العثمانية والامبراطورية الفارسية- والامكانيات العسكرية والتسليحية والبشرية الهائلة التي سخرتها كل واحدة منها في خدمة منهجها العسكري العدواني في البطش والقسوة والعنف الدموي الطائفي فان شعب العراق قد تحول بالكامل الى جهة متلقية بعد أن فقد القدرة على التفاعل و التأثير الجدي في مسار الأحداث , إنه يتلقى الحروب وويلاتها ويتلقى المذابح التي تحصد الآلآف من ابنائها بسبب الانتماء الطائفي والهوية المذهبية ويتلقى الاوامر من هذا الطرف او ذاك بتنصيب المسؤولين الاجانب القادمين من الخارج ليتولوا امره وحكمه والتحكم فيه ليباشروا السرقة والاختلاس ونهب الاموال العامة ويتصارعوا فيما بينهم داخل الدولة الواحدة في حروب تصفوية رديئة واغتيالات غادرة. . .  والاهم من كل ذلك انه يتقى دروسا دموية قاسية في النزاع الطائفي لتدمير وحدته الداخلية . .. وفوق ذلك كله كان مطلوبا منه ان ينحاز ويتحمس لهذا الطرف او ذاك من حاكميه المتناقضين المتنازعين طائفيا.

ورغم ذلك . . . لابد لنا ان نشير بشيء من الاعتزاز ان المجتمع العراقي قد اظهر تماسكا وصلابة غريزية فائقة في مواجهة الطائفية المذهبية وحروبها الدموية . . .  التي نفذت بقسوة فائقة اكثر من خمسة قرون متواصلة من الزمان . . .  و نجد ان المجتمع العراقي قد استطاع بعد انتهاء الاحتلال العثماني والفارسي ان يحافظ على تماسكه وان يستعيد بسرعة قياسية مسيرته الحياتية المدنية الموحدة وينطلق دون عائق في . . .  الانتماء القومي والالتزام الديني اللاطائفي والكفاح من اجل الاستقلال وادانة التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية ولعل من غير المبالغ فيه ان نقول بان هذه الميزة الفريدة في قوة التماسك والوحدة الاجتماعية والصلابة الذاتية هي التي يعود لها الفضل في ابقاء الشكل الحالي للبلاد المعروفة اليوم باسم العراق . ]

                                            ******

ما أشبه الليلة بالبارحة !!!