سوريا
هل أينعت و حان قطافها ؟
د.عبدالكريم هاني
يتصاعد الضغط على سوريا يوما بعد يوم, و يأخذ أشكالا مختلفة كما يجمع متطوعين جددا بين الحين و الحين بعد أن حقق النجاح بقرار مجلس الأمن الذي فرض انسحابها من لبنان . فقد قال ابراهيم الجعفري ان الضغوط الدولية ساعدت في إجبار سورية على سحب قواتها من لبنان وانه يعتقد ان حملة مماثلة من أجل العراق يمكن ان ترغم دمشق على تحسين الأوضاع الأمنية عبر الحدود. و تكرر كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية قولها إن سوريا لم تستجب لطلب العمل على وقف تسلل المسلحين عبر حدودها مع العراق . ثم تضيف اننا نريد أفعالا .
الجانب السوري من الحدود السورية العراقية بطول الجانب العراقي من تلك الحدود , هكذا تقول الجغرافيا و الهندسة و الحساب , فإذا كانت القوات ( الصديقة ) بامكاناتها المتعددة الجنسيات و طائراتها و أقمارها الصناعية التي تملأ السماء و أجهزة الرؤية الليلية و الحرارية لا تستطيع حماية الجانب العراقي و منع المتسللين من عبورالحدود من سوريا الى العراق فكيف يمكن لسوريا لوحدها أن تقوم بهذا الواجب بالنيابة عنها ؟ و لماذا نتهمها بالتقصير و لا نقول ان المتعددة الجنسيات هي المقصرة ؟ أو أن التقصير ادعاء فارغ يقصد به تمرير ( مخطط ) آخر لا يتضمن متسللين عبر الحدود بل ( مخترقين ) لتلك الحدود . وحين دعت الحكومة السورية المراسلين الأجانب لزيارة موقع على الحدود مع العراق لتفقد جهود حكومة دمشق في منع تسلل المسلحين قال الملحق العسكري البريطاني في العاصمة السورية إن أغلب عمليات التسلل تتم من مناطق أخرى . و أوردت البي بي سي قول فاروق الشرع إن بلاده ستطلب من بغداد التقدم بالدليل على مزاعم عبور مقاتلين .
فالإدارة الأميركية تشعر أن سوريا يمكن أن تلعب دورا في تخريب ما تعده لإعادة رسم خريطة المنطقة و خصوصا مشروعها لما تدعوه السلام في فلسطين الذي يشكل حجر الأساس في مشروع الشرق الأوسط الكبير , و لذلك تقول باختصار " سوريا مازالت محور المشاكل ." و التقارير الصحفية تجمع أن الإدارة الأمريكية تعد العدة لإشعال اضطرابات داخلية في سوريا، تشمل تشجيع الاكراد والدروز وبعض الفصائل السنّية الإسلامية على شق عصا الطاعة على النظام ، مع وعود بدعم لوجستي ، وحتى عسكري، يسبق هذه “الانتفاضات” او يليها . كما أن ثمة وعوداً أيضاً بقوات حفظ سلام عربية و إسلامية في حال انهيار النظام.
و قد كتب إيوين ماكاسكيل المحرر الديبلوماسي في صحيفة الجارديان تحت عنوان "واشنطن تدفع باتجاه القيام باجراء عقابي ضد سوريا" يقول إن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس بحثت خطط القيام باجراءات عقابية ضد سوريا مع وزراء دول غربية آخرين بسبب مزاعم عن تورط دمشق في العراق. و انتهزت رايس فرصة اجتماع لندن لوزراء خارجية مجموعة الثماني لحشد التأييد من أجل القيام بعمل عقابي ضد سوريا
فبالرغم من انسحابها من لبنان إلا أن دمشق مازالت تتمتع بنفوذ له اعتباره على الساحة اللبنانية من خلال حزب الله الذي يعد لاعبا أساسيا هناك . ثم جاء قيام سوريا باجراء اختبارات صواريخ وهي الاختبارات الأولى من نوعها منذ 4 سنوات و تحطم أحدها فوق تركيا . و استغل حادث اغتيال الصحفي اللبناني المناوئ لسوريا سمير قصير , ولا يوجد دليل على أن ذلك عمل سوري غير أن عدم الاستقرار في لبنان يصب في مصلحة دمشق باقتراح أن الوجود السوري فقط هو القادر على منع النزاع الطائفي في لبنان . و قد كتب روبرت فيسك في صحيفة الاندبندنت تحت عنوان "خرجت القوات السورية، فمن قتل سمير الصحفي اللبناني الذي لا يعرف الخوف". وقال إن الأيادي الملطخة بالدماء امتدت للبنان ثانية لتهاجم واحدا من أبرز صحفييه، ومن أشجع العناصر في انتقاداتها للنظام السوري .
. وتمثل هذه الحوادث تحديا للأمريكيين في الشرق الأوسط ، غير أن قانون المحاسبة الأمريكي الذي يفرض عقوبات اقتصادية على سوريا سيكون له آثاره على النظام السوري، كما أنه يمكن للقوات الأمريكية في العراق الزعم بحقها في القيام بعمليات على طول الحدود العراقية السورية لمنع تسلل المسلحين إلى العراق. كما استثمرت الإدارة الأميركية الغضب الذي ساد في لبنان و الشرق الأوسط نتيجة اغتيال الحريري و السيطرة السورية على لبنان لتزيد من الحنق على الحكومة البعثية في سوريا و قدرت أن الضغط على جبهات متعددة يمكن أن يؤدي حتى الى إسقاط الحكومة . وقالت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية ان القوات العسكرية السورية قد خرجت لكن بعضنا يشك ببقاء أجهزة الأمن , " و نحتاج أن نضغط على السوريين ليكونوا شفافين حول ما يعملون في لبنان " و يقول الأميركان ان المعلومات قد وصلت من مصادر لبنانية متعددة و هي جديرة بالثقة في تقديرهم , و تشكل مثل هذه التصريحات الرسمية علامات واضحة على عدم ارتياح إدارة بوش من الدور السوري في لبنان , و لا شك عندنا أن المصادر ( الجديرة بالثقة ) ليست أنجب من مصادرهم العراقية حول أسلحة الدمار الشامل المزعومة . كما ذكر عنان للصحفيين أن الأمم المتحدة تلقت تقارير أن بعض عناصر القوات السورية ربما ما زالت هناك .
و في سبيل إثارة الغبار الذي يسمح بتمرير المخططات المعدة سلفا قالت الولايات المتحدة ان سوريا لم تعد تتعاون في قضايا الإرهاب و بدأت في اعتقال المعارضين السياسيين . و اتهمت شركة سورية و اثنين من الموظفين بالعمل لمصلحة حكومة صدام في العراق , و هذا يعني أن الولايات المتحدة تستطيع أن تجمد حسابات و ممتلكات هؤلاء كما قالت وزارة الخزانة الأميركية . و تلوح في الأفق بوادر صفقة جديدة في لعبة توزيع الأدوار ومناطق النفوذ بين أمريكا وأوروبا في “الشرق الأدنى الجديد” و قد تكون فرنسا مستعدة للانضمام إلى أمريكا في هذه المغامرة العسكرية الانقلابية المفترضة لعل قرار مجلس الأمن الدولي بالانسحاب السوري من لبنان و الذي رعته كل من فرنسا و الولايات المتحدة كان من صفحاتها الرئيسية , وهذا على أي حال ما أكده أخيراً بعض المسؤولين الفرنسيين الذين “لم يستبعدوا” مشاركة بلادهم في قوات عسكرية دولية يمكن ان ترسل إلى منطقة الهلال الخصيب العربي . و هكذا يعود العالم قرابة تسعين عاما الى الوراء باتفاقية سايكس بيكو جديدة : حكم مشترك أمريكي بريطاني في العراق، في مقابل حكم مشترك أمريكي فرنسي في سوريا ولبنان .
علق أحد المفكرين العرب على انضمام أركان الحكومة العراقية المؤقتة الىجوقة التحضير ضد سوريا فقال يبدو أن طعامها وشرابها لا يغزّران بالذين إعتاشوا عليهما .. لذا ننصح دمشق بزيادة الملح عسى أن يأتي بمفعول الوفاء فها هو وزير الداخلية العراقي الذي لحم كتفيه ( كما يقولون ) من خير دمشق، ولازالت إستثماراته في الذهب والعقارات سارية في دمشق، ها هو يؤجج ومعه بعض الموالين لإيران بالأميركان ضد سوريا التي أوت ثلاثة أرباع الحكومة العراقية الحالية في زمن المعارضة.