حكومة المنفست

د. عبدالكريم هاني

 

( ثلاث سيارات تعطلت في نفس الوقت و أربكت المرورعلى الجسر الحديدي في بغداد في صباح يوم قائظ أوحت الي بموضوع هذه الكلمة . )

غزت بغداد قبل أن يفيق الناس مما جرى في التاسع من نيسان 2003 مئات من السيارات اللامعة المختلفة الأشكال و الأنواع و الألوان ثم لم تلبث أن أصبحت آلافا تزيد كل بوم , فقد توجه التجار أولا الى الأردن و قاموا بتفريغ المنطقة الحرة من جميع السيارات التي كانت هناك و نقلها الى السوق العراقي الذي كان متعطشا لكل سيارة تصل , ثم توجهوا حيث وجدت سيارات يمكن شحنها حتى لقد قيل ان بعض التجار اشترى ما يدعى مقابر السيارات في بعض مناطق الخليج مستفيدا من سهولة تصريفها في السوق و فقدان المعايير و الضوابط على الحدود حيث كان يكتفى بورقة المنفست لمنحها لوحات تسجيل موقتة فصار يطلق عليها اسم سيارات المنفست .

و ملأت هذه السيارات المعارض و الشوارع تسيرفيها بخيلاء تخفي حقيقة الكثير منها الى أن بدأالاستعمال يظهر ما خفي من العيوب , و اكتشف الكثيرون أن أمر الكثير منها يشبه ما كان يجري في بعض الأسواق حين كان بعض المحتالين يضعون حشرة صغيرة داخل الساعة تتكفل بتحريكها و خداع الشاري ثم لا تلبث أن تتوقف عن الإداء بعد دقائق , فكانت الأيام كفيلة بإظهار الحقيقة إذ سرعان ما بدأت السيارات التي أنهكها السير تتوقف في ساعات الزحام بسبب ارتفاع حرارة المحرك أو عجزه لتضيف الى معرقلات انسيابية الشوارع عوامل مضاعفة , بالإضافة الى إنهاك أصحابها بقوائم التصليحات المتعددة يوما بعد آخر .

و كما دخلت هذه السيارات اللامعة المظهر و المشكوكة المخبر كذلك دخل العراق آلاف اللحى المصففة و العمائم    المنمقة الى جانب الأفندية اللامعين حاملي الأصناف المتعددة من الشهادات و الألقاب الذين سرعان ما أقاموا ( المعارض ) الخاصة بعرض ( كفاءاتهم ) ؛ و استثمر ( المستثمر ) بعض هذه الكفاءات المدعاة بين إعجاب الناس و توقعهم الخير من هذه ( البضاعة ) المستوردة التي كان بريقها يغشي الأبصار ! غير أن الأيام سرعان ما كشفت لهم حقيقة هذا البريق فإذا الطلاء قشر زائف و أن ( سوق مريدي ) له فروع في المهجر ! كما أن ( الحواسم ) منها المحلي و منها المحسِّن و منها المستورد الذي فاقت ( كفاءته ) الأصناف المحلية . و كذلك أظهر العمل و التنفيذ خفايا العيوب كما سبق و ظهرت في سيارات المنفست فأصبح حقا على الناس أن يدعوهم أبطال المنفست . و أبدل ( المستثمر ) أبطاله و جبة بعد أخرى لكن الناس لم تجن إلا الخيبة بعد الخيبة فقد اكتشفوا أن ( الجماعة ) قد دخلوا في سباق لمعرفة من يستطيع أن يجمع الأكثر في الوقت الأقل و أن مصلحة الوطن و خير المواطنين لم تكن بين متطلبات الشهادات التي جاؤا بها .

الفرق بين سيارات المنفست و رجال المنفست أن المالك يملك زمام السيارة و يستطيع أن يبدلها بسهولة , أما رجال المنفست فأصبحوا هم الذين يملكون زمام الناس فكيف يمكن تبديلهم ؟

البريد الألكتروني : ahani@ maktoob.com

16/8/2005