خيبة أمل
د.عبدالكريم هاني
لا مفر من الاعتراف ان نتائج الانتخابات البريطانية قد جاءت مخيبة للآمال , آمالي على الأقل . لقد كنت أمني النفس بشعور و لو قليل بالارتياح لو أن النتائج جاءت بالعكس , لكنها جاءت عكس ما كنت اتمنى بالرغم من معرفتي أن كلا الأخوين لا يتأبط خيرا , لكنني كغيري من الضحايا في البلدان المسحوقة كنت " أعلل النفس بالآمال " و أتمسك بقشة من تلك الأماني . كنت أتمنى لو سقط بلير بعد أن فجعتنا نتائج الانتخابات الأميركية قبل هذا حين أعلن الشعب الأميركي منحه الثقة و التأييد للسياسة العدوانية التي انتهجها داعية الارهاب العالمي .
أغلب ظني ان بلير قد نجح بسبب ضعف الخصم لا بقوة تأييد المؤيدين لسياسته التي وضعت بريطانيا في ذيل السياسة الأميركية حين أصر أن يكون " صوت سيده " . و نجاحه , و كذلك نجاح سيده قبله , يعيد الى أذهاننا للأسف ما كان يقوله قادة دولة الحصار و العدوان طيلة العقدين الماضيين حين كانت بعض الأصوات الشريفة في العالم تعترض على النتائج الكارثية التي أصابت الشعب العراقي و أهلكت مئات الآلاف من الأطفال و المرضى و الشيوخ و التي سببها الحصار المفروض بقوة الشرعية الدولية المزعومة . كان الجواب الجاهز حين يقف المنطق عاجزا عن تبرير استهداف الأطفال و الأبرياء بذلك الحصار أنهم " يستاهلون " ما داموا راضين بحكم ذلك النظام , فكأنهم كانوا يضيفون معاناة جديدة الى معاناة الشعب تحت وطأة ذلك النظام فيعتبرون الضحايا " شركاء " في أعماله .
و قد سبق للسيدة اليزابث ويلمزهورست نائبة المستشار القانوني للحكومة البريطانية أن حذرت في استقالتها الجريئة احتجاجا على مشاركة تلك الحكومة في العدوان " أن استعمال القوة بهذه الضخامة و الجبروت بدون قرار ثان من المنظمة الدولية يرقى الى مستوى العدوان الإجرامي " , لكن مجلس العموم صوت في تأييد الحرب في نفس اليوم الذي قدمت استقالتها ! و كذلك أكد جميع مستشاري الحكومة القانونيين تقريبا لاقانونية الحرب بدون قرار دولي ثان .
و كتب ريشارد غوست في الغارديان تحت عنوان " رئيس الوزراء مجرم حرب " فقال ان بلير هو أسوأ رئيس وزراء منذ عهد تشمبرلن الذي كان معتدا بنفسه و متعجرفا و يعتقد أنه يستوحي مواقفه من صلته بالله سبحانه و تعالى , فكان لسياسته العرجاء هذه و أخطائه القاتلة دورها في إثارة الحرب العالمية الثانية . و يقول غوست ان بلير يتبع خطوات تشمبرلن و هو مؤهل لنفس مكان تشمبرلن سيء الصيت في صفحات التاريخ فقد اندفع مثله في التحالف مع دولة لا يكبح جماحها و تشكل أكبر تهديد للسلم العالمي كما كانت تشكل ألمانيا في أواخر ثلاثينات القرن الماضي . و قد اختار بلير التحالف مع " امبراطورية الشر " بدلا من تشكيل " تحالف الرافضين " للوقوف بوجه الخطر الجديد و قرر أن يكون رئيس فرقة المشجعين لامبراطورية الشر هذه !
يبدو ان العالم متجه الى أن يصبح حكم الأشرار فيه هو القاعدة , و لعل ذلك يمنحنا بعض العزاء فلقد قيل في الأمثال من رأى مصائب الناس هانت عليه مصيبته . الفرق الوحيد أن البريطانيين مثل الأميركيين قبلهم اختاروا لأنفسهم " المصيبة " أما " الآخرون " فإن المصيبة قد فرضت عليهم بفعل " فاعل ".