عقوبة جماعية  أم تنفيذ التهديد السابق ؟

د.عبدالكريم هاني

 

مر الأسبوع الرابع من تموز و الأول من شهر آب الذي يدعونه اللهاب , و كان الأسبوع الثالث  و العراقيون ( ينعمون ) ببركة الكهرباء ساعة واحدة كل ست ساعات , و إذا كانت الساعة ستين دقيقة فإن ساعة ( الوطنية ) ليست كذلك ! فهي تنقص بضعة دقائق في البداية و تستعجل الفراق بضعة دقائق أخرى في النهاية ليكون الباقي أقل قليلا من خمسين دقيقة . و هذا الـ ( قليلا ) يتفاوت بالزيادة بين الحين و الحين لكنه حاشا أن ينقص يوما !

و يتساءل الناس عبثا عن السر في هذا التوقيت , و هو توقيت مريب و لاشك , لكن لا تظنوا الظنون فبعض الظن إثم , فالجماعة منشغلون بتنظيم الرحلات السياحية لهم و لأهليهم و حبايبهم بالإضافة الى انشغال البال بما يخبؤه القدر لهم فيما سيعقب هذه الفترة ( الإنتقالية ) و الحيرة ما بين تهيئة المجال لعودة محمودة أو التزود بما يمكن جمعه على عجل لتحمل متاعب الفراق الذي بات قاب قوسين أو أدنى .

المبرر لاستمرار كل هذا العناء على المواطنين متوفر بدون جهد : ما أسهل أن يلقى اللوم على ( الإرهابيين ) الذين لا يرعون إلا و لا ذمة ! و بهذا يصيدون عصفورين بحجر واحد , التخلص من تهمة الإهمال و التقصير و إثارة الناس جميعا على العناصر التي تطارد قوات الاحتلال و تسويد صفحتها بين الناس , فمن لا يحنق على من يحرمه نعمة النوم ليلا و نهارا أو ينظر بالرضا للتخريب يصيب المؤسسات الوطنية الحيوية ؟

لو حصل هذا في بلد من غير البلدان المبتلاة بالديموقراطية المستوردة لتد حرجت الكراسي بمن عليها لا فرق بين كبير و صغير أو مقاول و أجير لكننا و الحمد لله نشكر أصدقاءنا و أحباءنا عبر المحيط الذين تجشموا كل العناء و خاضوا الأهوال ليمنحونا الديموقراطية و الشفافية حسب الوعد . على ذكر الوعد نتذكر الوعد و الوعيد أيضا : أما الوعد فكان أنهم سيجعلون العراق مثلا يحتذى به في التحول الديموقراطي لكل منطقة الشرق الأوسط التي ابتلاها الله بالنفط و طرق نقله , و أما الوعيد فهو ما يجب أن نتذكره كل ساعة و كل يوم , و إلا كيف ننسى قول بيكر ( وزير خارجية الأب ) قبل خمسة عشر عاما انهم سيعيدون العراق الى عهود ما قبل الثورة الصناعية . لكن الزمن لم يتح للأب الفرصة ليهنأ بتنفيذ وعيده و إن كان قد وضع اللبنات الأولى لتنفيذه .

كان الحصار اللاإنساني الذي فرضته الولايات المتحدة عن طريق الأمم المتحدة أبشع خطوة لتنفيذ ذلك التهديد , لكن عدد الضحايا الأبرياء لم يعد بالعراق ( بشريا ) الى عدد السكان في العصر الحجري الموعود , و لما كان الولد سر أبيه فقد اتخذ حين وصل الى سدة الرئاسة الخطوات اللازمة لتحقيق رغبة والده و العودة بالسرعة الممكنة الى العصر الحجري فكان اليورانيوم  المنضب تتمة للسيرة الأولى , و لما كانت الكهرباء من أبرز معالم حضارة العصر الصناعي فيجب أن تكون أول المحرمات على المارقين , و هنا يستوي أن يكون حرماننا منها تتمة لرسالة الأب السيء الذكر أو عقوبة للمارقين الذين لم يقدروا التضحيات الأميركية حق قدرها فلم يستقبلوها بالورود و الرقصات و الرياحين , فهو عقوبة للجيل الحاضر عن جرائم ارتكبها آباؤهم و عن جرائم ترتكب باسمهم يوميا , و لذلك يتكرر كلما ادلهمت الأيام على الاحتلال .

مطلوب منا أن نصدق أن الولايات المتحدة تعجز عن توفير الكهرباء بعد أكثر من عامين على الرغم من الجهود ( المخلصة ) التي تبذلها لإعمار ما خربته عندما أرادت نقل العراق الى واحة الديموقراطية  الوارفة .

ملاحظة قبل الطبع : تحسن تزويد المواطنين بدءا من الأحد , لكن ذلك لا يعني أن ( العقوبة ) قد رفعت و لن يتكرر القطع .