من الجزيرة الى كوفي عنان و بالعكس

د.عبدالكريم هاني

 

في مفاجأة لم يشهد العالم و لا المنظمات الدولية لها مثيلا و لا سابقة طيلة ما يقرب من ستين عاما من عمر هذه المنظمات طالعتنا الأخبار بقرار طلب التصويت على الثقة بالأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة ! و تساءل الناس عن السر , الذي لم يعد سرا , وراء هذا القرار المفاجأة و بدأ الطيبون و الخبثاء يبحثون في ما خفي , أو ما تبذل المحاولات لإخفائه , من الأسباب التي يمكن أن تدفع الى هذا القرار .

كان الأمر الذي أجمع عليه الكل هو حكمة المهاتما غاندي : إذا تصارعت سمكتان في البحر فابحث عن أصابع الاستعمار  البريطاني , مع الأخذ بنظر الاعتبار تحول الإرث الاستعماري عبر المحيط . و يعيد هؤلاء الى الأذهان إعلان الأمين العام بعدم شرعية الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق في العام الماضي , ذلك الإعلان الذي جاء متأخرا عن موعده بثمانية عشر شهرا على الأقل و لم يصدر إلا بعد أن يئس الرجل من إمكانية الترشيح لولاية ثالثة .

مهما يكن من دوافع هذا التصريح فلا بد من القول انه جاء في فترة حرجة بالنسبة لقيادة العالم الجديدة بحيث يصح أن يقال انه جاء ضغثا على إبالة , فقد صدر بينما كانت القوة العظمى تبحث عبثا عن أغطية تغطي بها خيباتها التي أحاطت بمشروعها داخل بلادها و خارجها و خصوصا  في المناطق التي قالت انها جاءتها لتزرع الديموقراطية فيها لكن مشروعها اصطدم برفض الأرض لهذه النبتة المسخ إضافة الى عفن البذور و جهل الزراع الذين اختارتهم من  اللصوص و لؤمهم و سوء توجيه الخطة و كثرة الغربان التي رافقتها . فهي قد فاجأها هذا التصريح بينما كانت تحاول أن  تمنع العالم من تبين ما يجري على الأرض المنكوبة حتى لقد وجهت نيرانها ( الصديقة ) الى صدور الإعلاميين لإبعادهم عن أرض مشروعها بينما مارست الضغط على بعض تلك المؤسسات حتى نجحت في تغيير إدارات بعضها , ثم حين اصطدمت بعناد بعض هؤلاء و تصميمهم على كشف الحقيقة كما يقتضيهم الواجب المهني و الحرص على كشف الوجه الآخر   وفقا لمفهوم الديموقراطية و حرية انتقال المعلومات لجأت الى إغلاق المكاتب ( المارقة ) و تهديد العاملين فيها بقانون الطوارئ فكانت مكاتب الجزيرة الضحية الأولى لتكون الأمثولة للآخرين .

واليوم قد يكون الموقف من عنان مقدمة لغلق مكاتب الأمم المتحدة و إنهاء ( اللعبة ) بعد أن استنفدت أغراضها و صارت تسبب الصداع .

على أن عنان قد يكون محظوظا إذ تكتفي الجهات المعلومة بهذه الزوبعة التي تنال سمعته و سمعة المنظمة و  هيبتها , فلقد سبق للقوى التي استاءت من موقف المنظمة الدولية و أمينها العام سابقا المرحوم داغ همرشولد في أزمة الكونغو أن أسقطت طائرته فوق الغابات الأفريقية لتنهي حياة رجل حاول أن يقود الأمم المتحدة بحكمة و حياد و تجرد في الأيام التي تلت الحرب العالمية الثانية و هيأت لاستقلال البلدان المستعمرة فدفع حياته ثمنا لتلك الحكمة .