أخطاء فردية صغيرة
د. عبدالكريم هاني
صرخ الإمبراطور مناديا بحماس داعيا أتباعه ليشنوها حربا صليبية ! و أفاق المستشارون مذهولين فلقد دفعه الإنفعال و الغضب لفضح السر , و خشي الكل ردة فعل افنرضوا صدورها من ( قادة ) العرب و المسلمين , لكن هؤلاء كانوا نياما أو كما قال الشاعر ( ما لجرح بميت إيلام ) , فتنفس الكل الصعداء فقد مرت العاصفة بسلام و صار من الممكن أن يقولوا للعالم انها كانت زلة لسان , أو لا تلوموا الرجل فالكل يعلم ان نصيبه من الذكاء على قدر حاله !
ثم كانت فضائح و فظائع اجتياح أفغانستان , و هدمت مساجد و بيع كثيرة و سكت الكل – بل ربما كانوا مشجعين . و جاء الدور على العراق و جرى ما جرى ثم ظهرت الصحف و على صفحاتها الأولى جندي يضع حذاءه على رأس عراقي ممدد على الأرض , و لم يتساءل أحد عن المعنى الخفي – أو الظاهر – لهذه الصورة و عن سر الإصرار على نشرها , و اكتفت أجهزتهم بالقول ان هذا تصرف فردي أخرق لا يقاس عليه , و وضع حذاء الجندي على رأس السجين عمل لا يمثل معاملة الجيش الأميركي للأسرى أو للشعوب المحتلة !
و نشرت صحفهم بعض صور لبعض ما جرى في أبوغريب , و قامت القيامة عندهم على هذا الخرق الفاضح لكل القيم , لكن أحدا هنا لم يتحرك فيه عرق , بل ان بعض ( العكاريت ) عندنا كتبوا ان هذه الصور يمكن تلفيقها من أفلام البورنو ! فهي لا تصدر من دعاة الحرية و عرابي الديموقراطية , و إذا كان بعضها صحيحا فليس من المنطق إدانة خمسين ألفا من ( المحررين ) بجريرة بضعة أفراد .
و جاءت القصص التي تناقلتها صحفهم عن تدنيس القرآن , و تعرضت الصحيفة التي نشرت القصة اولا الى ضعوط كبيرة للتراجع عنها و ادعاء أنها قد لفقت القصة , لكن أكثر ما استطاعوا استخلاصه من الصحيفة أنها قد أخطأت بنشر القصة التي استقتها من مصادر قالت انها موثوقة و أنها سألت وزارة الدفاع قبل نشرها فلم يعترض أحد . و أيدت منظمة الصليب الأحمر الدولية صحة الحادثة و قال أكثر من مصدر ان القرآن قد رمي في المراحيض و غير ذلك , و خرج بعض البسطاء يحتجون في مدن باكستان و أفغانستان على هذا الاستهتار بالقيم الإسلامية و الصمت الرسمي , لكن الحكومات المعنية لم تكن صامتة أو غافلة, فقد تلقت الشرطة ( الإسلامية ) المحتجين بالرصاص ! و مرة أخرى قالوا انه لا يمكن أن تدان أمة بتصرف خاطئ لبضعة أنفار !
فإذا جمعنا هذه ( الأخطاء الفردية و الصغيرة ) على بعضها فإننا نجد ان الأمر يعبر عن سياسة تنبع من توجه الاستعلاء و اعتبار الآخرين كما مهملا لا يعاملون إلا كالبهائم , فلم تكن الدعوة للصليبية زلة لسان و لا غباء بل ان إعلان العداء للعرب و المسلمين يتم جهارا نهارا, و للسلطان الحق في كل ما يقول فلقد هنّا على أنفسنا و هانت علينا كرامتنا و أمتنا و عقيدتنا و صار كل من عندنا يتسابق لنيل الرضا السامي من لدن سلطان العالم .
ماذا نعمل أمام إصرار أبله على عدائنا يقابله إصرار ( واع ) على التمرغ بين أقدام المعتدين ؟ قال الرسول الكريم عليه الصلاة و السلام ( من راى منكم منكرا فليغيره . . . ) و نستطيع أن نغير هذا المنكر بإرادتنا , على الأقل لإشعار العدو المصر على عداوتنا أننا نستطيع الوقوف بوجهه و تحميله من الأذى ما يحملنا , أو بعضه و ذلك أضعف الإيمان . إذا كنا لا نملك السلاح الذي يقف أمام أسلحته فإننا نملك السلاح الذي يحرمه منها , لو امتنعنا عن شراء منتجاته و استعضنا عنها بالبدائل الكثيرة التي تعوضنا عنها لأصبناه بضربة مؤلمة قد تعيد له رشده , فلنتصور قوة مقاطعة اقتصادية ينفذها ثلث البشرية لهؤلاء الحمقى المصرين على عداوتهم و إعانة أعدائهم و سلب حقوقهم . فإلى أضعف الإيمان , لنتكاتف للثأر مما يصيب قرآننا و عقيدتنا و أبناءنا , و قد قالوا لنا قديما ما ضاع حق وراءه مطالب .
سؤال أبله : سرَّب ( أحدهم ) صورا صورت قبل سنة , ما سر توقيت نشرها اليوم ؟ و ما السر في المبالغة في الاحتجاج عليها و تاكيد كل أجهزة الإعلام على إبرازه و المبالغة فيه بحيث فاق الاحتجاج على تدنيس القرآن ؟ هل لهذا التوقيت علاقة بالضجة التي ثارت قبلها في بعض البلاد الإسلامية ؟ لعلهم يؤملون أن تساهم في تشتيت الإنتباه و خلق ردود أفعال ساذجة تغطي على الموضوع الأهم المتعلق بالقرآن كما حصل في توقيت نشر صور السجناء في أبو غريب للتغطية على مذابح الفلوجة في العام الماضي .