في ذكرى ثورة 23 تموز (يوليو) 1952
 
الحركة التي قلبت الموازين 
 
                                                             د.عبد الكريم هاني
 
استقبل العرب -وربما العالم ايضا- ببعض القلق واللامبالاة الأخبار التي اعلنت في القاهرة صباح 23 تموز عام 1952 
عن ما دعته (حركة الجيش). وكان الدافع لذلك القلق الظن ان ما جرى تكرار لمسلسل الانقلابات العسكريةالتي توالت 
في سوريا في السنوات الثلاث السابقة . غير ان الجميع فتحوا عيونهم واصاخوا بأسماعهم حين اعلنت القاهرة عن اجبار
 الملك فاروق على التنازل عن العرش.. وازداد اهتمام الجميع حين بدأت التغييرات تتوالى، فكان صدور قانون الاصلاح
 الزراعي والقضاء على الاقطاع وتوزيع الاراضي على الفلاحين بداية تحول (الحركة) كما كانت تسميها وسائل الاعلام
 المصرية الرسمية الى ثورة حقيقية، فكان اعلان الجمهورية ثم اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن قاعدة قناة السويس ذلك
 الجلاء الذي عجزت الحكومات المصرية المتعاقبة عن تحقيقه طيلة اكثر من سبعين عاما. 
 ثم كان تأكيد الانتماء العربي لمصر والاعلان عن الهوية القومية الاصيلة للشعب المصري خطوة بالغة الاهمية في وضع
 مصر والثورة في مسارها الصحيح.وكانت صفقة الاسلحة السوفيتية من الخطوات التي ابرزت الوجه التقدمي للثورة  و
 قيادتها و جاء إسناد الثورة الجزائرية التحررية ليفصح بكل وضوح عن الوجه القومي و التحرري للثورة المصرية ثم كان
 الدور القيادي الذي لعبته قيادة الرئيس عبدالناصر في تكوين  حركة عدم الإنحياز و قيادتها  حتى أصبحت القاهرة عاصمة
 لكل الثوار على الإستعمار مهما اختلفت توجهاتهم و مركزا لكل حركات التحرير. وجاء اتجاه الثورة نحو التنمية بكل جوانبها
 الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ليكشف عن اتساع افق الرؤية واستشراق المستقبل لدى القيادة الحكيمة التي امسكت الدفة 
ممثلة بيد الرئيس جمال عبد الناصر، وكان لتبنيه لمشروع سد اسوان العالي الاثر الكبير في تنبيه اعداء الامة الى خطورة مسار
 الثورة على مخططات الاعداء، فبذلوا الجهد لافشال المشروع التنموي عموما ومشروع السد العالي خصوصا ذلك الجهد الذي
 ادى الى اشعالهم نار الحرب عام 1956 فيما دعي بعدئذ بالعدوان الثلاثي (البريطاني الفرنسي الاسرائيلي) والذي انتهى بانسحاب
 المعتدين بسبب تماسك الشعب المصري وتأييد الشعب العربي في كل ارجاء الوطن العربي الكبير والذي كاد ان يجرف جميع 
الانظمة الحاكمة. وقد كان للانذار السوفيتي الاثر الحاسم دوليا في وضع حد للعدوان.
 كان تأميم قناة السويس وسيبقى نقطة مضيئة في تاريخ هذه الثورة فبالاضافة الى تحقيق المبدأ القومي في سيطرة الامة على
 الممرات المائية في اراضيها فان القرار قد وضع ايرادات القناة في خدمة التنمية وكانت المعركة السياسية ثم العسكرية التي
 خاضتها الثورة تؤيدها الامة العربية قاطبة في اسناد هذا القرار وتأمين نجاحه قد قلبت موازيين القوى في المنطقة وهزت العروش
 والكراسي تحت حكامها حتى توجت انتصارها باعلان وحدة مصر وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة التي كان الامل ان تكون
 بداية تحقيق هدف الامة في توحيد اقطارها و كان كل ذلك السبب في تجمع كل اعداء الامة ضدها. 
واذا كنت قد عددت بعض ما يتسع له المجال من انجازات هذه الثورة فانها لم تكن تخلو من سلبيات وثغرات سهلت على الاعداء
 ضربها من خلالها وكانت اشد هذه السلبيات تأثيرا في مستقبل الامة هي عجزها عن اقامة التنظيم الشعبي الذي يضمن استمرار
 المسيرة وتحقيق الاهداف ويجنبها الانكفاء الذي اصابها عندما سلب الموت الربان.
  تحية لثورة العروبة في مصر الكنانة في ذكراها الثانية والخمسين 
  وتحية اعتزاز واكبار وولاء لذكرى القائد الخالد جمال عبد الناصر 
   وتحية لكل من مايزال سائرا على هديه لتحقيق ما كان يدعو اليه.
               وتحية الى الامة العربية التي لم تبخل يوما ولن تبخل في تقديم الابطال