كلمة وداع . . . قبل التهجير
د.عبدالكريم هاني
نعم وداعا قارئي العزيز فأنا مضطر لتوديعك اليوم لئلا تسبقنا الأحداث فنتفرق دونما وداع , و لست أنوي أن أتركك اليوم أو غدا فالأمر خارج إرادتي , و ربما إرادتك أيضا , فقد خرج ابتغاء مرضاة الله بعض ( المخلصين ) بمظاهرات تنادي بطرد العرب من العراق , و لما كانت ( الديموقراطية ) توجب على الحاكم أن يمتثل الى إرادة الشعب كما تعلمنا ذلك في المحاضرات التي لقنتنا إياها الصواريخ الأميركية الذكية و القنابل العنقودية تنثرها الطائرات المتنوعة على أنغام هدير الدبابات و برعاية الأباشي , و هي المحاضرات التي قاربت كلفتها حتى الآن الثلاثمائة مليار دولار , فلا شك عندي أن حكامنا ( الديموقراطيين طبعا ) سوف ينفذون بإخلاص الإرادة الشعبية بطرد من يتبقى من العرب بعد تلك المحاضرات عن ارض العراق الطاهرة , و قد تكرم أحدهم فقال هذه سياستنا و من لا يعجبه الوضع فإن الباب يوسع جمل . وما دمت لا يعجبني الاحتلال و لست مستعدا للتعاون معه فأنا مرشح أن أتبع الجمل الذي يعنيه سيادته .
و لما كانت كل السوابق تدلنا على أن هؤلاء ( الحكام ) حريصون على اتباع نفس الأساليب ( و لكن بصورة محسنة ) التي استعملها النظام الذي قالوا انهم جاؤا لوضع حد لخرقه لميثاق حقوق الإنسان و اعتدائه على حرية المواطنين و كراماتهم , فإنني أتوقع أن نرى حملات تسفير تذكرنا بالجرائم البشعة التي ارتكبت ضد الإنسانية في السبعينات من القرن الماضي . و بما أنني لا أحمل الجنسية الأميركية أو الانكليزية أو الإيرانية , و لا حتى جنسية بوركينا فاسو , و ليس لي إلا جنسية هذا العراق الذي صمم بعض من ولدوا فيه على إلغاء وجهه العربي بعد أن بذلوا الجهود ليبدلوا انتماءه , فلم يبق أمامهم إلا طرد العرب منه ( تطبيقا للإرادة الشعبية ) على الأقل , لكل ذلك فإنني أجد نفسي معرضا للطرد في أية لحظة و علي أن أن أتهيأ لمغادرة العراق شئت ام أبيت , قبل الجمل أو معه أو بعده .
لكنني لست مستعدا للمغادرة بنفسي لأسباب كثيرة , واحد منها أنني , و غيري من العرب , مطالبون بإداء حق العيش في هذا الوطن و تسديد دينه علينا , و هذا الدين نسدده بالحرص عليه و مقاومة خطط أعدائه و أعدائنا و أن نمنع تسليمه بيعا أو هدية للأجنبي , و إذا كانت بعض المليشيات قد بدأت منذ شهور طويلة بعملية التطهير العرقي , أو المذهبي , تحقيقا للأهداف التي ساهموا في العدوان على الوطن لأجل تحقيقها فإنني سوف أنتظر قرار التهجير و تنفيذه بالقوة , قوة السلاح لا قوة القانون الذي هو أيضا ضحية الشعوبيين الجدد . و تسفيري قسرا سيؤمن لي حق اللجوء الذي بدأ أكثر الأقطار العربية ينكره على العرب و يضمن لي موقعا ينتظر جميع العرب في سجلات الأمم المتحدة لرعاية اللاجئين ¸ و سيوفر علي استجداءه ممن لا يستحق موقعه في بلده , كما يوفر علي أجور السفر و الإقامة .
فوداعا ياعراق الخير , و وداعا أيها الخير , و أنت اخي العربي الى لقاء قريب في أحد مخيمات اللا جئين .