هذا الخليج العربي
د. عبدالكريم هاني
احتفلت الجمهورية الإسلامية قبل أسابيع , و في غمرة انشغال العالم بالتسونامي و انشغالنا بالإنتخابات ( الديموقراطية ) بفرح و حماس غامر بانتصارها المؤزر الذي دفعها الفخر به الى إطلاق اسمه ( الخليج الفارسي ) على أحد الطرق الرئيسة . و ظننا لسذاجتنا أول الأمر أن إخواننا هناك قد استطاعوا أن يحرروا الخليج مما علا وجهه من أساطيل القوة العظمى التي جاءت مصداقا لقول شاعرنا :
ملأنا البر حتى ضاق عنا و ماء البحر نملؤه سفينا
خصوصا بعد أن تقدم ( الحليف الستراتيجي ) لمشاركة الغزاة لغاية لم يكلف نفسه عناء تغطيتها , بل بالعكس كانوا جميعها صريحين غاية الصراحة في إعلان أهدافهم ( السلمية ) و ( الإنسانية ) من هذا الحشد .
ثم تبين أن كل العرس بهذا النصر لم يكن إلا رضوخ مجلة الناشيونال جيوغرافيك و إطلاق اسم الخليج الفارسي على الخليج في خرائطها التي توزعها في ا يران و كفى الله الغزاة شر القتال .
ذكرتني هذه الإحتفالات بحديث جرى في منتصف ستينيات القرن الماضي بين دبلوماسي إيراني و أحد المسؤولين العراقيين , كانت العلاقات بين البلدين في ذلك الحين تتأرجح صعودا و نزولا و حاول كلا المسؤولين أن يكون دبلوماسيا في تغطية عوامل الخلاف الى أن بدأ السفير الإيراني العتاب على إصرار الصحف العراقية على استعمال اسم الخليج العربي جاعلا من ذلك دليلا على الإصرار على العداء .
فوجئ السفير بالمسؤول العراقي يسأله , بدون مناسبة , عما اذا كان قد تناول الإفطار قبل مجيئه ! ضحك المسؤول العراقي و قال ان مهنتي تبيح لي الاسئلة الشخصية فأجابه السفير بالإيجاب , ثم سأله هل أخذت الخبز أو الصمون ؟ ثم أضاف أو ( النون ) ؟ ضحك السفير عندما اكتشف الحكمة من هذين السؤالين و قال العراقي انك استمتعت و لا شك بما أكلت سواء دعوته خبزا أو نونا جعله الله مأكول العافية فلماذا تشغلون أنفسكم بهذه التسمية التي لا تقدم شيئا و لا تؤخر ؟ فالخليج في مكانه على سواحله الإيرانيون و العرب و البلوش .
ان البواخر الفرنسية و الانكليزية و غيرها تمر في بحر المانش دون ان يعيق مرورها أن يدعوه البريطانيون القنال الانكليزي و كلها تبحر بيسر عبر مضيق دوفر و لا يضير عبورها أن يدعوه الفرنسيون مضيق كاليه , و قد تجاوزت امم الأرض هذه النظرة الضيقة للتعصب القومي منذ عصور و آن لنا جميعا أن نتحرر من هذا التعصب الشوفيني الذي لا يعيد أرضا و لا جوا .
كانت الخرائط التي قرأناها في مرحلة الدراسة الابتدائية تدعوه خليج البصرة , و كنا نظن أن هذه تسمية مفتعلة بعد الاستقلال الى أن صادفت في مكتبة الاسكندرية نسخة من ترجمة معاني القرآن الى الانكليزية طبعت عام 1764 و على خارطة الخليج بوضوح ( الخليج الفارسي أو خليج البصرة ) .