سوريا بعد العراق من هو التالي ؟؟

د.عبدالكريم هاني

 

في الوثيقة السياسية عام 1996المعنونة " الاختراق المناسب : ستراتيجية جديدة لتأمين البلاد "  التي أعدتها فرقة عمل المحافظين الجدد بيرل و فايث و وورمزر مع آخرين بإشراف نائب الرئيس الحالي ديك تشيني قبل ما وصفته أوساط اميركية بسرقة الإنتخابات عام 2000 يتحدد سيناريو يقترح إلغاء اتفاقية أوسلو الموقعة عام 1993 بين السلطة الفلسطينية و الاحتلال الصهيوني و تمزيقها, و استهداف العراق أولا ثم سوريا و لبنان و حزب الله و ايران بهجوم عسكري و خلق اضطرابات سياسية . بعد هذا كان مطلوبا من العالم أن يصدق وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق و أن يعاود المفتشون البحث عنها كلما أوشكوا أن يعلنوا يأسهم من إمكانية العثور على دليل على وجودها , إذ تصر الولايات المتحدة على تأكيد يقينها الذي لا يتزعزع بوجودها بناء على تأكيدات جوقة عملائها الموثوقين .

و في دراسة عن استراتيجية إسرائيل أعلنت في الثمانينيات نطالع ما يلي : إن الخيار الوحيد أمام إسرائيل في صراعها مع العرب هو تفسيخ الأمة العربية وتجزئتها وإنهاؤها بنشر الفوضي والحروب الأهلية وإثارة النزاعات الطائفية والعنصرية في جميع الأقطار العربية . هذا التطابق الحرفي يجب أن يشكل إضاءة تفضح ما توجهه الإدارة الأميركية اليوم الى سوريا من اتهامات .

لقد شنت الولايات المتحدة عدوانها على العراق بالرغم من اعتراض أغلب أقطار العالم و شعوبها وهي متأكدة أنها ستكشف عجز المفتشين الدوليين , و كانت تأمل أن يكون ذلك الكشف مبررا يمنح عدوانها الشرعية , لكنها أعلنت بعد تلكؤ و تردد كبيرين أن مفتشيها لم يجدوا في العراق ما يشير الى وجود تلك الأسلحة بالرغم من الجهود التي بذلوها في التفتيش في كل زاوية في العراق بعد الاحتلال , و كان لا بد من تبرير لهذا الفشل يغطي كذب ادعائها الأول و يخدم خطوتها التالية , فكان التفسير العبقري أن العراق قد نقل تلك الأسلحة الى سوريا !! ثم للتعتيم على ذلك الإدعاء الخائب انتقل الحديث بعدها الى حقوق الإنسان و الحكم الفردي و نشر الديموقراطية و إنهاء الخطر الذي كان العراق يسببه لجيرانه .

واليوم بدأنا نسمع المزيد من اتهامات لسورية بمساعدة ( الإرهابيين ) الذين يقاومون الاحتلال في العراق , و اعتدائها على سيادة لبنان , و الخطر الذي تسببه على الأمن الإقليمي و العالمي حسب ما ورد في لائحة الإتهام التي أعلنتها كوندوليزا رايس بعد أن سمعنا أحد أبواق الاحتلال يهدد بالقيام بأعمال عسكرية ضد سوريا لوضع حد لما دعاه ( تسهيلها ) تسلل ( الارهابيين ) الى العراق , نفس سوريا التي قالت مارثا كيسلر الخبيرة السابقة للسي آي أي في الشؤون السورية " ان دمشق ليست نبض حركة المقاومة العراقية ." ثم ينتقل التمهيد الاعلامي الى الحديث عن حقوق الإنسان و انعدام الديموقراطية و كبت الحريات فتتكرر اليوم أمام العالم معالم الطريق التي سبق أن شاهدها , يصاحب ذلك  قرع الطبول على نفس النغمات التي سمعها قبل سنتين حين كانت تلك الطبول تقرع في المنطقة العربية أيضا لتغطي على موجة الاحتجاج التي عمت العالم ضد نية العدوان على العراق . و كما قادت تلك الحملة الى غزو العراق فإن الخطر يحدق اليوم بسوريا , لا بسبب هذه الإدعاءات و لا لتحقيق الأمن للعالم وإنما للسير خطوة أخرى نحو تحقيق حلم الإمبراطورية الأميركية .

إننا مطالبون جميعا شعوبا و حكومات , نحن العرب , و نحن المسلمين , و أبناء العالم الثالث بالوقوف بإخلاص و بقوة و حزم الى جانب سوريا , كل سوريا , التي تتعرض اليوم للعدوان الغاشم , و مطالبون جميعا أن نرفع أصواتنا بالاحتجاج على سياسة استفراد هذه القوة الحمقاء بشعوب الأرض واحدة بعد الأخرى لتحقيق خيال مريض و أحلام امبراطورية دفعت أمثالها بالبشرية الى أتون حروب كلفتها  أرواح الملايين من شبابها , و علينا أن نضع نصب أعيننا أن الوقت وقت تضامن وتأييد و ليس وقتا لتصفية الحسابات  أو الشماتة , علينا أن نتبين أننا جميعا مستهدفون . هذا ليس قولا يصدر عن إيمان بنظرية المؤامرة بل هذا ما يقوله جميع الأعداء بصراحة و وضوح و بدون حياء . و سيكون المتفرجون اليوم ضحايا الغد , و سيكون المتواطئون اليوم ضحايا بعد غد . فلا يظنن أحد أن الوقوف على التل أسلم , و لن تشفع له يوم يحين دوره على المذبح الأميركي مواقف السكوت ولا التأييد و لا التسهيلات بل سيكتشف أنه ذبح يوم ذبح الثور الأبيض . 

و الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه .