هذا الإصرار المريب !
د.عبدالكريم هاني
ظهرت الحروب منذ ظهور الإنسان على وجه البسيطة , و تحدثنا الكتب السماوية عن الحرب الأولى بين هابيل و قابيل , و إن كانت على نطاق فردي لشحة المؤيدين أو انعدام وجودهم . و ينقسم الناس في كل حرب من هذه الحروب الى قسمين رئيسيين: هما باختصار و وضوح مع و ضد . و لا شك أن فريقا ثالثا سيظهر واقفا على التل بينهما , و قد يحاول بعض منه أن يصلح بين الفريقين بينما يمكن ان يحاول بعض آخر منه أن يستفيد من هذا النزاع لينتزع لنفسه ما يطمع فيه من منافع من كلا الطرفين المختصمين .
و العدوان الأميركي على العراق لم يكن جديدا على تاريخ الحروب و لم يأت بجديد على تطوراتها إلا بمقدار ما أضافه التقدم التكنولوجي لآلته العدوانية من أسلحة محظورة دوليا و من خرق فاضح لكل الأعراف و المواثيق الدولية التي توصلت اليها البشرية بعد آلاف الحروب التي خاضتها عبر تاريخها الطويل لمحاولة التخفيف من ويلاتها باعتبارها – أي الحروب - شرا لا بد منه أحيانا فلابد من تخفيف هذا الشر ما أمكن , و هو ما لم تلتزم به الولايات المتحدة مطلقا , بل كأنما كان هناك تصميم متعمد على مخالفة كل فقرة و كل سطر .
و كان العدوان تنفيذا لخطة جرى إعدادها و وضع تفاصيلها انتظارا للظروف المواتية , و لغرض إعداد الساحة اجتماعيا و سياسيا جرت تحضيرات طويلة الأمد قبل موعد الحرب ساهم في إعداد بعضها ( الأبناء ) الذين استطابوا العيش تحت خيمة المعتدي . و بدأ التركيز في هذا الباب على تقسيم جديد للمجتمع العراقي للابتعاد به عن التقسيم الطبيعي الذي تتعرض له بلدان العالم قديمها و حديثها عندما تتعرض للاحتلال , و العراق ليس فريدا في هذا و لذلك كان لا بد من استباق الأمر لتمهيد الساحة للغزاة . بدأ الحديث عن الأطياف الثلاثة للشعب العراقي و قسمت المقاعد في كل المؤتمرات التي عقدت خلال الأعوام التي سبقت العدوان و الدعوة اليه على وفق تقسيم جديد يقفز على الانتماء الوطني طبعا , و يتكئ قليلا على الانتماء العرقي , لكنه يركز على الانتماء المذهبي , فلم يعد العراقيون , جلهم , عربا و مسلمين بل أصبجوا شيعة وسنة الى جانب الأكراد !
استمرأ الكثيرون من ( الأبناء ) هذا التقسيم , إذ وجده بعضهم محققا لطموحات طال كبتها , و وجده الآخرون وسيلة لحجز مقاعد لهم في قطار التغيير فتسابقوا جميعا في رفع اللافتات المطلوبة , و جرى الترويج لها و تأكيد ضرورتها , بل أصبحت هذه القسمة هي السبيل الأمثل بنظرهم لتحقيق الوحدة الوطنية ! حتى حصل العدوان و جاء عرابو التغيير واحدا بعد الآخر يقسمون االغنيمة , فكان لا بد من ترسيخ هذه المسميات و خاصة بعد بروز مقاومة الاحتلال بكل أشكالها , و كان منطق الأشياء أن انقسم الناس الى فريقين : فريق مؤيد للاحتلال و مشاريعه يتساوى في ذلك من جاء مع الاحتلال سواء على دباباته أو راجلا يلهث خلفها قبل أن يفوته الدور و من التحق من الداخل ( بالركب ) الغادر بعد الاحتلال طمعا بالغنيمة , و فريق يعارض هذا الاحتلال و يقف بالضد من كل مشاريعه و يدعو و يعمل أيضا على إنهائه . و كان لا بد من عمل دؤوب من الفريق الأول للتعتيم على هذا الفرز و منع ظهوره- إعلاميا على الأقل . فبدأ تجنيد الحلفاء في الداخل و الخارج , و جاء عراب جميع المؤتمرات المشبوهة ليقود الجوق مباشرة , و بدأت الخيوط تدور لتتم النسيج و ارتفع الدخان ليغطي على الحقيقة , حقيقة الصراع الوطني ضد المحتل ليحل محله و بإصرار إعلامي صراع ( الأطياف ) فيما بينها .
و مرة بعد أخرى كان يتقدم واحد من مجموعة الدعوة للإنبطاح أمام المحتل باقتراح اجتماع القيادات الدينية في هذا البلد ( العربي ) أو ذاك لبحث حالة العراق و السعي لما يدعونه ( فك الاحتقان الطائفي ) و كان بعضهم يتطوع بتوجيه الدعوة لمثل هذا الاجتماع , و كان بعضهم يعلن استعداده لاستضافة المجتمعين و يتقدم آخر بتغطية نفقات مثل هذه الدعوات التي يتهافت عليى تلبيتها البعض , و خاصة حين تعقد في بعض المنتجعات الشهيرة , و غريب من كل الجوانب المرتبطة بالاحتلال و المطيبة له و العاملة على تحقيق أغراضه هذا الإصرار على تصوير كل ما يجري في هذا البلد المنكوب بكثير من ( أبنائه ) على أنه نتيجة الانقسام الطائفي ! فلقد جرت محاولات كثيرة , و ( بإمكانات ) كبيرة , لإثارة الفتنة , و تعددت الأساليب , و اختلفت الأهداف التي تعرضت للعدوان و صاحب بعضها ( ردود أفعال ) مبرمجة مع إغماض متعمد , لكن النار لم تشتعل كما أراد لها المخططون و الحاقدون , و كان تمسك الشعب بوحدته أشد من قوة المؤامرات .
كان شر ما سمعناه مؤخرا اتهام بعض أبناء العروبة في العراق بتغليب الولاء المذهبي على الولاء الوطني , و المؤسف أن يأتي هذا الاتهام شاملا جميع أتباع المذهب المقصود في كل مكان و أنهم يدينون بالولاء لإيران أكثر مما يدينون بالولاء لأوطانهم , و العراقيون من بينهم طبعا ! و إذا كان هذا القول يدل على جهل فاضح بحقائق الأمور فإن أسلوب طرحه يبعث على الأسى لصدوره من أشخاص يفترض فيهم النأي عن هذه ( المزالق ) و الدقة في توجيه الاتهامات , و لسنا ندري كيف يمكن التوفيق بين اتهامهم بعدم الولاء للعراق و بين دعوتهم للحوار مع ( إخوانهم ) لفك ما يدعونه الاحتقان الطائفي . لقد أثبت أبناء العراق – جميع أبناء العراق و لست أريد أن أستعمل المسميات التي يرددها البعض من مختلف المستويات – صدق ولائهم لهذا البلد المعطاء و إيمانهم بوحدته و العمل على تقدمه , و إذا زاغت بعض القيادات الحزبية , أو المتحدثين باسمها عن طريق خدمة هذا الشعب و أهدافه الوطنية و غلب بعضهم مصالحه الذاتية فهذا لا يبرر لأي كان مهما ارتفع مقامه أن يطعن الناس بوطنيتها و عقيدتها . إننا نذكر بكل فخر أن قادة ثورة العشرين التي أسست لاستقلال العراق و قادة العمل الوطني و العروبي في العراق في كل العهود لم يكن يميز بينهم إلا إيمانهم بحقوق الوطن و الاندفاع في تأمينها .
يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (صدق الله العظيم )
104/4/2006
نشر في العدد 105 من جريدة راية العرب في 16/4/2006