وقفة مع حدث واستعادة لذكريات مرة
برفسور هيثم غالب الناهي

القيت في احتفالية الهيئة العراقية للاعلام والثقافة الوطنية بمناسبة استشهاد كوكبة من الاكاديمين والاعلاميين
لندن 30 اذار 2006

حين كنا صغارا؛ كان الورد الاحمر حلمنا وزقزقت العصافير موسيقتنا ورحاب النخلة مرتعنا؛ غاص فينا الفراق ونال منا البعد دون العناق وحين التقينا كانت ذكريات الطفولة ملاذا للهروب من واقع مرير كبير. التقيت احدهم ورحنا نبحث عن الطفولة وعن اللعب بين الازقة وعن حارس المدرسة ورنين الناقوس المتعب فما وجدنا من احبتنا احدا؛ وما لقينا من ركام الماضي الا المأسي. وعليه؛ فهذا بعد ان اضنى بها الدهر قد انتهى باعدام صارخ؛ وذاك رحل الى البعيد المستبعد وانتهت صفحته بنقطة ذات نهاية بائسة. ليس منا من صافح الدكتاتورية؛ وليس منا من اصبح شرطيا ليوشي بمن حوله وليس منا مَن لم يفكر كيف يرفع راس الوطن عاليا؛ فاتجهنا نحو العلوم بعيدا عن متاهات الاخرين.
كان اللقاء الاول بعد فراق طويل يشوبه حنين ودموع؛ واستمر بمشاعر وود وشموخ؛ فكلاهما كان لا يتحدث الا بما انهل من العلم وكلاهما لا يناقش الا ما يفيد الاخرين بعد ان استفاد؛ وكلاهما حين التقيتهما اصرا على ان نعود لتلك النخلة التي طالما نققنا في حصاها اربعا وانثنينا فمحونا الاربعا كما يقول شوقي؛ وكلاهما لم تزل الايام بعينهم طفلة ولم تزد عن المورث الا اصبعا. وحين اتجهنا الى النخلة التي كانت اشبه بمن فقدت ابنائه كأني بها تميل لتقبلني وتارة تعاتبني واخرى توبخني على الرحيل والهجران. كانت لحظات اللقاء بيني وبين الدكتور اسعد الشريدة عميد كلية الهندسة في البصرة لقاء من فقد محبوبته فوجدها مازالت بانتظاره وكان لقائي بالدكتور كاظم عوده كلقاء ضمأن يبحث عن رمق يود ان يكمل الحياة من اجله بعد ان فقده منذ سنين طويلة؛ ولكن وكم هي لكن كبيرة المنال كان الموت يتقمص بالعمامة السوداء والبيضاء وبالحية تارة وبالسياسة اخرى ينتظرهما وكأن قتلهم كان من الاركان الاساسية لاكمال نصاب الايمان اذ ما تحدثنا عن كيفية ذلك. وبينما كانت البراءة والسذاجة تحوط بهما نالت يد الغدر منهما وسبحا بدم الشهادة, حينها احسست ان ضوء القمر قد خفت؛ واعلن القمر اضرابه فغاب؛ حتى المياه راودت نفسها لتجعل من الاخضر يابسا؛ وكأني بأن اللعنة باتت تطارد من قتلهما فاصبح شاردا بائسا لا يرى عقر ليئوي اليه؛ او يستتر به. مبوذ اين ما حل وفل..
بكيتهما مرتين الاولى لكونهما اخوة الطفولة وربيع الحياة بعد ان اشتعل الراس شيبا؛ والثانية لانهما عالمان لا يمكن تجاوزهما ابدا بمنظور الغرباء قبل العراقيين. كان اسعد لا اخفي ان قلت مثيل انشتاين في الرياضيات والفيزياء؛ ذات يوم كان امتحان في النسبية وكان البرفسور راو يدرسنا تلك المادة؛ وبينما انا احضر الى الامتحان بكتاب لم تتجاوز عدد صفحاته المائة وستة وثلاثين صفحة وبواقع خمسة فصول صغيرة؛ جاء اسعد متململا من الحياة باكيا فقدان العرب فلسطين ويريد ان نتمشى ونتحدث لعله يقلل من روعة الملل؛ وحين اعتذرت بسبب الامتحان امسك بالكتاب وقال غدا قبل الامتحان بساعتين ستجد الاسئلة جميعها محلولة. لم يكن لي سبب لرفض الخروج معه وكنت اضحك بملء فمي كيف يمكن لاسعد ان يحل المسائل والاستاذ راو المتخصص بالنسبية؛ ثلاثة ارباع الاسئلة لا يروم نقاشها لصعوبة حلها. وبينما اود الخروج من دارنا للذهاب للجامعة طرق الباب صباحا لا بل فجرا؛ واعطاني الكتاب وقد تمكن من حل جميع الاسئلة بطريقة يصلح ان يكون فيها انشتاين عصره. كيف حلها؟ سؤال مهم؟ حلها باشتقاق قوانيين النسبية كلها؛ وما لي الا ان اضع الارقام بداخلها لاحصل على النتيجة. ولم تمر الا ساعتين على الامتحان حتى ارسل الي برفسور راو وقال سأترك الجامعة؟ سألته لماذا؛ قال من يتمكن ان يصل لحل المسألة الامتحانية بهذه الصورة الذكية فعلي ان لا ادرسه لان قدراته اوسع من قدراتي؛ ضحكت وقلت لا عليك انه اسعد الشريدة طالب في الهندسة قد توصل لذلك. هذا هو اسعد الشريدة وهو قد فارق الحياة وقد تمكن من نشر 345 بحثا كبيرا وتخرج باشرافه 189 ماجستيرا و211 دكتورا في العراق وخارجه بالاضافة الى منجزاته الاخرى المتعلقة بالالكترونيات الميكانيكية.
اما رفيق العمر كاظم عودة فكان كثير التفكير بالاية القرانية " اذا زلزلت الارض زلزالها واخرجت الارض اثقالها" وكان يقول ان تلك الارض تحمل الكثير من الكنوز وان تمكنا من تحليلها توصلنا الى مكامن الحياة لابناء شعبنا. عاش كاظم عودة يتطلع الى مستقبل زاه لم يفكر ببيت او سيارة فاخرة؛ بل كان يفكر كيف الوصول الى رخاء ابناء المجتمع؛ اكمل دراسته في فصل نظائر التربة وكانت الاول في كل مراحل دراسته وللمعلومة ان في العالم اجمع لا يزيد على 200 عالم ومتخصص في نظائر التربة فقط. وحين اتم دراسته العلمية كان لديه 23 براءة اختراع وحين ناقش شهادة الدكتورا كانت تحتوي على 87 بحثا اصوليا اصليا. ما ان انتهى من دراسته حتى منح عملا براتب يفوق ثلاثة اضعاف ما يعطى لاي متخرج ناعم الاطراف توا. وافق على العمل خوفا من اغتياله الا انه سافر للعراق خلال 48 ساعة دون علم الاخرين لسبب بسيط جدا؛ هو ان عليه عيالة اخوته الايتام السبعة؛ وخوفا من ان تجعله الغربة ان يكون قاسا.
حين كنت احضر بعض المؤتمرات العلمية المتخصصة كان الكثيرون يسألون انت من اين من العراق؛ وحين اجيب من البصرة يسألونني عن كاظم عودة ويستمرون بالتحدث عن انجازاته واشعر بالفخر حين يولد العراق جبارا مثل كاظم. وحين جاء الاحتلال الى العراق لم ارى كاظم مبتسما مرة وكان يقول لي انني ارى الموت قريب واتمنى ذلك كي لا يحاسبنا الله والضمير لكوننا عشنا في زمن الاحتلال. كان كاظم عودة حتى عندما كنا صغارا يوفر من مصروفه شيئا وربما كله لا لغرض بل لان يرى محروما فيعطيه لتشرق بسمة على شفاهه.
هذان العلمان عرفتهما كما عرفت نفسي والتقيتهما بعد عشرين سنة ونيف من الزمن فلم اشأ الا ان ارى نفس الاخلاق والطموح مع زيادة في الالم في قلبيهما على ما اضنى الدهر بالعراق وناسه؛ فيا ترى من كان وراء قتلهما؛ بلا شك اعداء العراق وممن يخاف عقول العراق.
لا يمكنني ان احيي ذكرى اغتيال عالم على حساب عالم اخر؛ فكلهم خسارة لوطن كان يسمى العراق ولشعب كان يسمى شعب العراق ولتاريخ كان يطلق عليه جوهر الفكر الحضاري الانساني العربي الاسلامي الذي ترعرع واستنشق الهواء الطلق في العراق. ولكن حين تستوقفني الطفولة في محراب البصرة الجريحة التي تسامى فيها المفهوم الانساني والتوافق الفكري والعقيدي اتذكر الشهيد الدكتور اسعد الشريدة والدكتور كاظم عودة. كلاهما كانا الوفاء رمزا والحب والاخلاق شعارا والرافة والعطف نبلا والاحساس بمأسي الاخرين سيرة. رحم الله الشهدين والشهداء الاخرين من العلماء والصحفيين والمقاوميين والابرياء ضحية الاحتلال؛ وجعل دمائهم مسارا ونبراسا لنا من اجل ان يعود العراق عراقا رغم انف دعاة الطائفية والعرقية واسيادهم من المحتلين.